البحث عن الاحساس


ما دام الانسان حيٌ يرزق فهو يبحث عن إحساسٍ داخلي في عمق ذاته يوفر له شعوراً بمعنى وجوده٬ سعادته٬ و موقعه في الحياة. كذلك من السذاجة القول بان الضجر لا يلاحق الانسان و لا يسعى الانسان لتجنبه ٬ و يمكن القول بان الضجر احياناً هو عدو الانسان الأول و يحاول ان يتجنبه. من هنا يأتي مفهوماً نفسانياً يُساء استعماله و استيعابه و هو البحث عن الإحساس Sensation Seeking.

تم استحداث مصطلح البحث عن الإحساس كسمة من سمات الشخصية في عام ١٩٩٤ تتميز ببحث الانسان عن إحاسيس و تجارب قوية جديدة و معقدة و يصاحب ذلك استعداده للمخاطرة اجتماعيا ٬ جسديا ٬ قانونيًا ٬ و مادياً من اجل الحصول على الإحساس الذي يستهدفه. يتم كل ذلك و الانسان في غاية وعيه و استيعابه للمجازفة من اجل الحصول على هذا الإحساس الداخلي الذي يبحث عنه.

المخطط ادناه يوضح هذا المفهوم. السبيل الى الوصول الى هذا الإحساس هو البحث عن مغامرة جديدة في حياته او تجربة نادرة. هناك من يسعى الى فعاليات اجتماعية جديدة٫ و يسعى كذلك الى السيطرة على الضجر و تجنبه.

السعي وراء الإحساس لا يقتصر فقط على أعوام المراهقة و هو غير التهور Impulsivity. التهور هو استعداد الانسان للتفاعل بسرعة الى محفزات داخلية او خارجية٬ و يتم ذلك بدون ادراك عواقب سلوك التهور. التهور يميل الى التحسن منذ الطفولة الى منتصف أعوام المراهقة مع نضج الدوائر الدماغية الى تسيطر على اندفاع الانسان. اما البحث عن الإحساس فهو عكس ذلك حيث يبدأ في منتصف أعوام المراهقة و يزداد تدريجياً قبل اعتداله. على ضوء ذلك سعي الانسان وراء الإحساس لا يتوقف بعد البلوغ و ان كان يميل الى الاعتدال في العقد الثالث من العمر.

لا توجد نظرية واحدة يمكن الاستناد عليها لتفسير ظاهرة السعي وراء الإحساس٬ و من الصعب القبول بان هناك شخصية تمتلك هذه السمة و أخرى لا٬ و من الأفضل النظر اليها كبعد يمتد من ضعف هذه السمة الى اشتدادها. الانسان يسعى دوماً الى تجديد حيويته و الكثير يستعمل مصطلح استعادة شبابه و الشباب هي المرحلة التي يبدأ فيها الانسان البحث عن تجارب و فعاليات تميز شخصيته و تدفعه نحو العمل و اختيار شريك الحياة. و لكن هناك شيء واحد يسعى اليه الجميع و هو تجنب الضجر الذي يصيب الانسان و احياناً يصبح كعدوى يصيب بها من حوله.

الفرضيات البيولوجية لتفسير البحث عن الإحساس متعددة و هي مجرد فرضيات لا تصل الى عتبة القناعة المؤكدة. انخفاض هرمون الكورتيزون قد يؤدي الى ارتفاع فعالية الدوائر الدماغية للناقل العصبي الكيمائي دوبامين و في نفس الوقت انخفاض فعالية سيروتونين. هناك ايضاً علاقة طردية من تجارب الحيوان المختبرية بين الهرمونات الجنسية بانواعها و البحث عن الإحساس. هناك بعض الدراسات التي تشير الى ان عامل البحث عن الاحساس اكثر قوة في الذكور مقارنة بالاناث٬ و لكن تفحص هذه الدراسات لا يكشف سوى عن ميزة واحدة و هي ان عتبة التثبيط في الذكور اقل من الاناث و لكن كلاها يبحث عن تجديد و تجارب جديدة.

في الممارسة المهنية و الحياة العملية يمكن النظر الـي البحث عن الإحساس كبعد واحد يمتد من الاندفاع والطيش الذي يتم وصفه موضوعياً بالتهور الى البحث عن التجديد الذي يسعى اليه الانسان لتفادي الضجر في حياته.

في الطب النفساني هناك الحاجة الى التمييز بين البحث عن التجديد و محاولة الانسان تجاوز ازماته و عقده النفسية عن طريق الشعور بالإحساس و المتعة في الحياة و بين التهور. التهور بحد ذاته قد يكون سمة شخصية لم تتحسن مع النضوج و هي كثيرة الملاحظة في المصابين باضطراب فرط الحركة و عجز الانتباه و استجابته للعلاج ضعيفة نسبياً و في النهاية يخضع لعملية النضج البيولوجي و النفسي. هناك الانسان الذي تتغير شخصيته لسبب عضوي و هناك التهور الذي يصاحب اضطرابات نفسجسيمة مثل الثنتاقطبي و الفصام.