• هناك من يسخر حياته لرعاية اطفاله او والديه او حتى اقربائه٫ و لكن الكثير من هؤلاء ينتبه كذلك الى احتياجاته الخاصة به. هذا هو الاستسلام المتوازن.
  • هناك من يتعرض الى ابتزاز عاطفي من الوالدين او العائلة من عمر مبكر و يتم ترسخيه لخدمتهم بصورة تلقائية. هذا نتاج النرجسية الابوية.
  • هناك من يسخر نفسه لخدمة اطفاله او عائلته او غيرهم كعملية دفاعية نفسية غير واعية للتخلص من ازمة نفسية تلازمه بصورة مزمنة. هذا هو الاستسلام المدمر.

المجموعة الثانية و الثالثة تتوجه تدريجيا الى عدم ادراك ذاتها و طموحاتها و تستسلم لمن ترعاه كلياً. هذه المجموعة الأخيرة هي الكثيرة الملاحظة في الطب النفسي.

حالة سريرية

سيدة عاملة تزوجت في بداية العقد الثالث من العمر. سيرتها الشخصية طبيعية ولا يوجد تاريخ سابق او عائلي لاضطرابات نفسية. تغيرت العلاقة بينها وبين زوجها في العام الثاني من الزواج وانشغاله بعمله وإسرافه في تنظيم البيت وتكرر انتقاده. بدأت تعاني من القلق والاكتئاب في النصف الثاني من الحمل٫ وظهرت اعراض اختلال الانية. لم تتحسن اعراضها التفارقية بعد الولادة وصاحب ذلك اعراض اكتئابيه. رغم تحسن الاكتئاب بالعقاقير٫ ولكن العملية التفارقية (اختلال الانية) استمرت٫ ولم تتحسن العلاقة الزوجية. طلبت الطلاق من زوجها وسارع في تنفيذ رغبتها وزواجه من اخرى خلال أشهر من الطلاق.استمرت العملية التفارقية معها وانتقلت الى بيت أهلها وبعدها الى بيت اخر مع ابنتها. تجنبت الدخول في علاقة عاطفية٫ ولاحظ الاهل رفضها لكل من هو مناسب لها. توقفت عن العمل بعد خمسة عشر عاماً واعتزلت الاصحاب والاهل. رغم اهمالها لنفسها ولكن ابنتها في كمال الصحة النفسية ومتفوقة تعليميا ولا تعاني من أزمات نفسية.

رغم ان الغالبية لا تصل الى مراكز الصحة العقلية٫ و لكن الحالة السريرية أعلاه توضح السيرة الطبنفسية و الذاتية لمريضة تعاني من اعراض نفسية مزمنة. توجهت المريضة نحو الاستسلام الايثاري للتخلص من الذنب الذي تشعر به من جراء حرمان ابنتها من العيش مع الوالدين٫ و شعرت بانها استسلمت مبكراً لنرجسية الزوج.

الاستسلام الإيثاري اشبه بمحرك ذاتي للإنسان يسير به الى اهداف لا يدركها الراكب ولذلك الكثير منهم لا يتحدث عن أهدافه وطموحاته ولا يشكي من سوء حظه. ولكن هناك مرحلة يصل الانسان فيها الى تقاطع طريق ويصعب عليه تقييم ماضيه وحاضره ولا يعرف مستقبله. في هذه المرحلة تبدأ المعاناة من اعرض نفسية واحياناً اعراض جسدية. هناك اقلية تعاني من اعراض نفسية تتطور احياناً الى اعراض عقلية واضطراب وجداني اكتئابي جسيم. البعض منهم يتعامل مع ازماته عن طريق استعمال عملية التفارق Dissociation عن واقعه ونفسه وذكرياته بل وحتى شخصيته. الحالات التي تصل الى العلاج النفسي غالبيتها من الاناث لأسباب اجتماعية وعائلية٫ ولكن هناك ايضاً من الذكور الذي يستسلم لوالديه واخوانه واحياناً الى زوجه.

الطب النفسي الديناميكي و الايثار

المدرسة التحليلية تعرف الإيثار من زاوية ضيقة جدا لا يتوازى مع السلوك البشري المتفوق ٫ ووضعت جميع الأفعال الخيرية الإيجابية في إطار مرضي. يمكن تتبع ذلك في ادبيات المدرسة التحليلية منذ ان وصف سيغموند فرويد نظرية الغريزة والنرجسية Libido Theory & Narcissism. لكن عبقرية ابنته آنا فريد تنعكس في استحداثها لمصطلح الاستسلام الايثاري حيث وصفت مجموعة من الناس يتميزون بوضوح الكبت فيهم الذي يدفعهم عصابيا بسبب تأزمهم لعمل الخير ومساعدة الاخرين على حساب أنفسهم.

جمعت المدرسة التحليلية الإيثار وربطته بالتلذذ عن طريق الاضطهاد(المازوشية) وكان الاستنتاج بان جميع أنواع الايثار ازمة عصابية نواتها المازوشية.رفضت الكثير هذا التفسير للإيثار٫ واليوم يتم حصره في اطار النضوج العاطفي كما هو موضحاً أعلاه. لذلك يتحدث الكثير في علم النفس هذه الايام عن الايثار وتصنيفه كما يلي:

  • الايثار الأولي الفطري Protoaltruism الذي لا يصعب ملاحظته في الحيوان٫ وفي الانسان يتثمل في رعاية الوالدين لأطفالهم.
  • الإيثار التوليدي Generative Altruism وهو الشعور بالمتعة لنجاح انسان اخر وغياب التأزم معه.
  • الايثار المتأزم Conflicted Altruism، و هو لا يختلف عن الايثار التوليدي سوى ان الشعور بالمتعة مصدره ازمة نفسية مثل نجاح انسان على حساب انسان اخر.
  • الإيثار الكاذب Pseudoaltruism يولد بسبب ازمة مع الاخرين ومصدره ميول سادية مازوشية. هذا النوع كثير الملاحظة في عالم السياسة والفن.
  • الإيثار الذهاني Psychotic Altruism واطاره الوهام ويتميز بسلوك حنان وعاطفة ورعاية مع انكار للواقع والحقيقة.


مصادر