المناعة




جائحة كورونا اجتاحت الكرة الأرضية و بسرعة. الفيروس الجديد  على الانسان٬ و التعامل معه يستند على ما يلي:

١ الوقاية من الإصابة.

٢ انتظار فعالية جهاز المناعة التخلص من الفيروس.

٣ تجهيز الانسان بالأوكسجين لحين القضاء على الفيروس من قبل جهاز المناعة.

لذلك لا بد من مراجعة جهاز المناعة في هذا المجال.


الحديث عن عمر الانسان يثير الكثير من الجدال. هناك من يتحث عن العمر البيولوجي٬ العمر العاطفي ٬العمر الزمني٬ و هناك ايضاً العمر المناعي. المقصود بالعمر المناعي هو درجة التحصين المناعي للإنسان ضد مختلف الامراض. القاعدة العامة هي ان  التحصين المناعي للإنسان يتدهور  و بشكل مفاجئ في وقت مبكر من الحياة خلال فترة البلوغ. هذا التحصين المناعي لا يعتمد فقط على جينات الانسان و انما يتاثر كذلك بمختلف العوامل البيئية و منها البدانة و التدخين و قلة النشاط البدني.


ما هو الملاحظ مع وباء الانفلونزا الموسمي بان  شدة الإصابة ضعيفة نسبية لعمر دون ٦٥ عاماً. تصيب الانفلونزا ما يقارب ٢٠٪ من اعمار ٦٥ – ٧٥ عاماً و الغالبية العظمى منهم يتعافون. اما بعد عمر ٧٥ عاماً فتتصاعد شدة المرض و يقضي على ٣٠-٤٠ ٪ من المرضى. لو درست احصائيات الفيروس التاجي الذي نشير اليه ب Covid – 19 فسترى بن الأرقام لا تختلف كثيراً. كما هو الحال مع الانفلونزا فان ضعف المناعة هو الذي يفسر شدة الإصابة في مختلف الاعمار٫ و في ما لا يقل عن ٥٠٪ من المصابين به.


و لكن عمر المناعة قد يختلف كليًا عن العمر البيولوجي و الزمني للإنسان. في عمر ٦٠ عاماً  قد يكون العمر المناعي  اقرب الى من  هو في العقد الرابع من العمر٫ و احياناً لا يختلف كثيرًا عن عمر انسان في العقد التاسع من العمر.


أجهزة المناعة

يمكن القول بان جهاز المناعة يحتوي على ذراعين لتحصين و حماية الانسان:

١ الذراع الفطري Innate.

٢ الذراع التكيفي Adaptive .


الذراع الفطري هو خط الدفاع الأول و مزود بخلايا  عامة مهمتها مواجهة غزو الجسم  من قبل كائن مرضي Pathogen و من اهم هذه الخلايا هي العدلات Neutrophils و البلاعم Macrophages. الذراع الفطري لجهاز المناعة يستجيب قبل غيره للغزو الجرثومي و بسرعة.


اما الذراع التكيفي فهو ابطأ من الذراع الفطري و لكنه يستهدف الغزو الجرثومي بدقة اكثر و يحاربه بشدة. هذا الذراع يتكون من أربعة اقسام و هي:

١ الخلايا التائية T Cells.

٢ الخلايا البائية B Cells.

٣ الاجسام المضادة Antibodies.

٤ خلايا الذاكرة البائية Memory B Cells القادرة على رصد العدو الجرثومي و تفعيل استجابة سريعة و قاتلة عند تكرار الغزو.

الفيروسات بل و احياناً البكتريا قادرة ايضاً على التحول مع طفرة في الجينات لكي تتهرب من الذاكرة المناعية. هذا ما يحدث مع فيروس انفلونزا و لذلك ترى بان لقاح إنفلونزا  الموسمي يتغير العام بعد الاخر. لا احد يعلم الى الى الان ان كان فيروس كورونا قادراً على ذلك رغم وجود دراسة مبكرة من الصين تشير الى وجود نوعين من الفيروس.

مع تقدم العمر تتدهور او بالأحرى تنحرف فعالية بعض العدلات Neutrophils المنتمية الى جهاز المناعة الفطري. هذه الخلايا هي اكثر خلايا الدم البيضاوية White Blood Cells انتشاراً و يمكن ان تشبيه دورها بمهام حرس الحدود . تتسرب هذه الخلايا الى انسجة الجسم للقضاء على أي جسم غريب سواء كان ذلك بمواد كيماوية قاتلة او تفكيك حمضه النووي. عملية تسرب هذه الخلايا الى الانسجة تدعى بالانجذاب الكيمائي Chemotaxis. هذه العملية تصبح اقل انتظاماً و انضباطاً مع تقدم العمر و غالباً ما تسبب تلف الانسجة عشوائيًا٫ و تفقد قابليتها على رصد عدو جديد بسرعة. هذا لا يسبب فقط ضعف الدفاع ضد الفيروسات و انما يفسر ارتفاع مستويات الالتهاب مع تقدم العمر.


تقدم العمر

عمر الانسان الطبيعي Normal Ageingالى حد ما  يتم تحديده وراثياً٬ و لكن هناك العديد من العوامل الخارجية التي توثر على التحصين المناعي سلبياً أو ايجابياً. يمكن القول أن فعالية جهاز المناعة تتعرض الى عمليات إعادة تنظيم و تعديل remodelling مع تقدم العمر بسبب الاجهاد التأكسدي Oxidative Stress الذي بدوره يؤدي الى تسرع تقصير التيلومير Telomere الناتج عن تلف الحمض النووي. التيلومير عبارة عن مجمع بروتين و حمض نووي DNA+Protein في نهاية الكروموسومات و هو اشبه بساعة بيولوجية تحدد عمر جهاز المناعة٬ الشيخوخة٬ و الخلايا اللمفاوية. سبب تقصير التيلومير هو انخفاض فعالية انزيم تيلوميريز Telomerase الذي يفشل في إضافة تسلسل متكرر للتيلومير في نهاية الكروموسوم.   


هناك فروق بين الجنسين في متوسط العمر٬ و الدراسات الأولية تشير الى ان ضحايا فيروس كورونا من الرجال اكثر من الاناث. الفارق بين الرجل و المرأة يفسره البعض بدور الهرمونات الذكورية Androgens. هذه ملاحظة تاريخية حيث كان اعمار الخصيان المستعبدين أطول من اعمار اسيادهم. اليوم يفسر الكثير هذه الملاحظة بسبب دور الهرمونات الذكورية في ضمور   غدة الزعتر Thymus  التي تنتج الخلايا التائية المناعية. تلعب الظروف البيئية القاهرة دورها بالإضافة الى نمط حياة غير صحي. من العوامل السلبية : التدخين٬ الكحول٬ امراض الانسداد الرئوي المزمن Chronic Obstructive Pulmonary Disease٬ امراض القلب٬ السكري٬ امراض المناعة الذاتية٬ الخرف٫ الالتهابات المزمنة ٫ و العقاقير و خاصة كوريتكوستيرويد Corticosteroids.

التعرض للعدوى المتكررة في الطفولة مع سوء الرعاية الصحية لا يزيد من مناعة الانسان كما يتصور البعض. حين تم قياسة العمر المناعي للأطفال في شبه القارة الهندية استنتجت البحوث العلمية بان عمرهم المناعي يقارب العمر المناعي للبالغين في العالم الغربي. بعبارة اخرى  يصاب الجهاز المناعي بالشيخوخة في عمر مبكر.


التغذية المناعية

تتميز البحوث الغذائية بضعفها في دراسة دور التغذية و المناعة. سوء التغذية عموماً يؤدي الى شيخوخة جهاز المناعة. من جانب أخر البدانة تؤدي الى اعتلال جهاز المناعة٫ و تقليل عدد السعرات اليومية الكلي يساعد على تحسين وظيفة الجهاز المناعي. يمكن تلخيص دور الفيتامينات كالاتي:

١ فيتامين A يحافظ على سلامة غشاء الخلايا في الجهاز التنفسي و التي تستقبل الفيروسات.

٢ فيتامين E ينظم سيولة غشاء الخلية و منها خلايا جهاز المناعة.

٣ فيتامين D يساعد على تنشيط مستقبلات شبيهة الناقوسToll- Like Receptors  على سطح الخلايا المناعية و التي تبعث إشارات مبكرة الى جهاز المناعة الفطرية.

٤ الزنك Zinc يحافظ على نشاط العديد من الانزيمات التي تشارك في فعالية خلايا المناعة.

التمارين الرياضية اليومية بحد ذاتها تلعب دورها في تحسن نشاط جهاز المناعة و خاصة مع اجراء تعديلات لنمط الحياة اليومي٬ الإقلاع عن التدخين٫ مراجعة العقاقير٬ و التغذية الصحية.