الطاعون و الدولة الاموية


الاوبئة وتاريخ البشرية

الطاعون والدولة الاموية

سداد صادق التميمي


يشهد العالم هذه الأيام جائحة لم تعرف البشرية لها مثيلاً في التاريخ الحديث. تطور العلم وكشف العلم اسرار الحياة البيولوجية وخفايا الكون٬ وفجأة يكتسح فيروس هو أقرب الى جزيئة من حمض ريبي لا نواة لها نسميه كوفيد -١٩ لا يستطيع العلم وجبروت الانسان الحديث السيطرة عليه وعلاجه ويتم اغلاق كوكب الأرض كلياً. لا تنقل ولا خروج من البيت في انتظار توقف انتقال هذه الجزيئة من انسان الى اخر. الكل على يقين بان هذه الجائحة ستغير اقتصاد العالم وربما سياسته وسلوك البشرية كما غيرت الأوبئة تاريخ العالم منذ القدم٬ في مثل هذه الأيام لا بأس من مراجعة دور الأوبئة في تاريخ البشرية.


عناك ثلاثة اوبئة لعبت دورها في تاريخ البشرية بل العبارة الادق غيرت مسار التاريخ. الوباء الأول هو طاعون جستنيان Justinian Plague في منتصف القرن السادس ميلادي. الوباء الثاني هو المعروف بالموت الأسود Black Death في منتصف القرن الرابع عشر٬ واما الثالث فهو طاعون بومبي Bombay Plague في نهاية القرن التاسع عشر. هذا المقال يتطرق الى طاعون جستنيان ودوره في تاريخ الدولة الاموية.


طاعون جستنيان

هناك اتفاق بين الباحثين في التاريخ القديم بان طاعون جستنيان غير خريطة العالم وكان السبب الرئيسي في ضعف الإمبراطورية البيزنطية التي لم تقوى على دفاع حدودها بوجه القبائل القادمة من شمال اوربا. استوطن السلاف Slavs بلاد اليونان والبلقان٫ واجتاحت قبائل البربر شمال افريقيا واستسلمت إيطاليا للومباردية Lombard. يفسر بعض الباحثين بان هذه الظروف البيئية ساعدت في توسع دولة الخلافة الإسلامية وسيطرتها على الشرق الأوسط.

تعود تسمية الطاعون الى زعيم بيزنطة جستنيان امبراطور الدولة الرومانية الشرقية من عام ٥٧٢ م الى ٥٦٥ ميلادية. وكان يلقب جستنيان العظيم او القديس جستنيان في الكنيسة الأرثدوكسية. ظهر الطاعون لأول مرة في منطقة الفرما Polusium شرق بورسعيد وانتقل بعدها صوب الإسكندرية ومصر وفلسطين. وصل الوباء الى القسطنطينية عاصمة الدولة البيزنطية في خريف ٥٤١ م ٬ وانتشر بعدها في اروبا وبلاد فارس واسيا الصغرى. بعد ذلك التاريخ يظهر بصورة دورية كل ١٠ -١٢ عاماً[1].


عام الفيل

عام الفيل هو ٥٧٠ م وهو عام ولادة الرسول الكريم محمد(ص). تتفق المصادر بان ابرهة الحبشي توجه صوب اليمن وانتهى امر الجيش هناك قبل اجتياحه شبه الجزيرة العربية. رغم ان ابن إسحاق والكثير من الباحثين يفسر ما حدث بجيش ابرهة هو الجدري ولكن هناك البعض من الباحثين الالمان يميلون الى وباء الطاعون الذي كان مستوطنا الحبشة. استنادا الى ابن إسحاق لم يظهر الجدري والحصبة في شبه الجزيرة العربية الا بعد عام الفيل.

ما هو المهم في اطار عام الفيل و طاعون جستنيان هو ان الحبشة و السودان كانت مصدر الطاعون الذي انتقل عن طريق قوافل التجارة الى شمال افريقيا و ظهر لأول مرة بصورة وبائية في مصر.


الطاعون و الدولة الإسلامية

جميع دراسات العالم لطعون جستنيان مصدرها البحوث العربية الإسلامية٫ واول من كتب فيها هو المدائني[2]. ظهر وباء الطاعون الأول عام ٦٢٧ م في بلاد العرب وكان يسمى بطاعون طيسفون٫ وهناك ايضاً من يسميه بطاعون يزدجر. في ذلك العام كذلك كانت اخر معركة في نينوى بين الفرس والروم تحت قيادة هرقل٫ ولم تصل الى نتيجة حاسمة. انتقل الطاعون الى طيسفون وعبث بالسكان والدولة ولعب دوره في تاريخ المنطقة.

ولكن الطاعون الذي أسهب الباحثون في تفصيله هو المعروف بطاعون عمواس الذي ظهر بعد عشرة أعوام من الطاعون الأول عام ٦٣٨ م في بلاد الشام. تقول المصادر الإسلامية بان الطاعون قتل ايامها ٢٥ ألف من جنود الجيش الإسلامي تحت قيادة أبو عبيدة الجراح. وصل خبر الطاعون الى الخليفة عمر بن الخطاب(رض) والذي طلب من أبو عبيدة العودة الى المدينة لوحده٬ ولكنه رفض استدعاء الفاروق له٫ وعندها توجه الخليفة الى سرغ٬ وعقد مجلساً للمهاجرين والأنصار في مناقشة الوباء. بعد هذا الاجتماع تم اصدار القواعد الثلاثة للوباء في فجر الإسلام وهي:

١ الوباء رحمة وشهادة للمؤمنين وعقاباً للمشركين.

٢ لا دخول الى ولا خروج من منطقة الوباء[3].

٣ الوباء مصدره إلهي ولا ينتقل من انسان الى اخر[4].

لم يتوقف الوباء و راح ضحيته أبو عبيدة٬ يزيد بن ابي سفيان٬ و معاذ بن جبل ٬ و غيرهم من المهاجرين و الأنصار. تقول المصادر التاريخية بان الوباء مهد الطريق لاستلام معاوية بن ابي سفيان زمام الامور بعد رحيل العديد من القيادات و مهد الطريق لقيام الدولة الاموية. كذلك لعب طاعون عمواس دوره في تسلم عمرو بن العاص موقعا قياديا و بناء نفوذه في مصر. هناك الكثير من النصوص التاريخية و الدبية حول الطاعون و اهل الشام٫ و كان البعض يصف اهل الشام بانهم قوم طاعة و طاعون. هناك ايضاً من اكثر اسقاط اللوم على تعاطي اهل الشام الخمر و عقابهم بالطاعون بسبب ذلك[5].

الطاعون و الدولة الاموية

استمر الطاعون الذي استوطن الدولة الاموية بالظهور وبائياً بين الحين و الاخر وضرب البصرة عام ٦٦٩ م٬ و حينها انتشر الحديث بين اهل الإسلام على هروب والي الكوفة المغيرة بن شعبة من الطاعون والعودة اليها بعد تحسن الوباء فيها ولكن الطاعون أصابه. استمر الطاعون بالظهور في الكوفة عام ٦٧٠٬ ٦٧٣٬و٦٧٦ م ومصر في عام ٦٨٦. أصاب الطاعون زياد ابن ابي سفيان عام ٦٧٣ و معاوية الثاني عام ٦٨٣ م. لكن الطاعون الثالث الذي تم ذكره في المصادر الإسلامية والذي يعرف بالطاعون الجارف هو الذي اجتاح البصرة عام ٦٨٨ م٬ والذي راح ضحيته ٨٠ ألف مواطن. استمر الطاعون بالعودة بين الحين و الاخر في نهاية القرن السابع الميلادي و ضرب مصر عام ٦٩٩ م ٬ و هناك الحديث عن هرب حاكمها عبد العزيز بن مروان منها بسبب الوباء.

وباء الطاعون الرابع الكبير ضرب البصرة عام ٧٠٦ م٬ و اطلق عليه العرب اسم طاعون الفتيات بسبب عدد الضحايا من الاناث. بعد ذلك عاد الطاعون ليظهر وبائيا في عان ٧١٧ م و اطلقوا عليه اسم طاعون الاشراف و كانت قسوته بشدة حتى قارنه الناس ايامها بقسوة و سطوة الحجاج بين يوسف الثقفي عليهم.

رغم استقرار الدولة الاموية في عهد مهندس الخلافة عبد الملك بن مروان٫ و لكن الطاعون لم يتوقف دوره في عهد سليمان بن عبد الملك٬ حيث راح ضحيته ولي العهد ايون ابن سليمان بن عبد الملك. انتقلت عدوى الطاعون اليه على حسب الروايات من تاجر عطور ٬ راح ضحية الطاعون الخليفة سليمان نفسه. ضرب وباء الطاعون سوريا في عام ٧٢٥ م و ٧٢٦ م٬ و ضرب العراق و سوريا سوية في عام ٧٣٣ م٬ ٧٣٤ م٬ و ٧٣٥ م. بعد ذلك عاد الطاعون ليضرب البصرة بشدة في عام ٧٤٤ م. اطلق الناس لقب طاعون سالم بن عقبة على وباء ٧٤٩ م الذي اشتد امره من رجب الى شوال في ذلك العام. ما كان معروفاً عن الخليفة هشام بن عبد الملك ابتعاده عن المدن بسبب الطاعون بين عام ٧٢٤ م- ٧٣٤ م.


جائحة كورونا ٢٠٢٠

الصراحة لا يعلم احد كيف و متى بدأ وباء كورونا. الذي نعلمه بان الوباء بدأ في الصين و انتقل في جميع اتجاهات الكرة الأرضية. لم يعرف العالم أيام الطاعون ما هو سبب الطاعون و مصدره و لكن عالم اليوم يعرف ما هي خريطة هذه الجزيئة التي تتكون من حمض ريبي. كان الطاعون ينتقل من مكان الى اخر ببطء عبر القوافل التجارية٬ و اما اليوم فان كورونا ينتقل من مكان الى اخر بسرعة عبر وسائط النقل الحديثة و تنقل البشر من مكان الى اخر.

استمر وباء جستنيان يداهم البشرية بين الحين و الاخر و معظم المصادر تشير الى ظهوره كوباء بمعدل واحد كل عشرة أعوام. هذا هو الوباء الثالث لهذه المجموعة من فيروسات كورونا منذ عام ٢٠٢٠[6]. لا أحد الان يتوقع بان هذا الفيروس الجديد سيتم التخلص منه الى الابد كما حدث مع فيروس كورونا الأول والثاني[7] ٬ والجميع يعلق اماله على اكتشاف لقاح جديد سيتوفر في الخريف او العام المقبل. الفيروسات كذلك تتميز بقابليتها على التغيير عن طريق طفرات جينية٬ والى الان لم يستطيع العلم اكتشاف لقاح شامل ضد الانفلونزا.

هناك ردود فعل مختلفة لهذه الجائحة. هناك رد الفعل الاجتماعي٬ النفسي٬ السلوكي٫ الطبي و السياسي. القاعدة الأساسية للسيطرة على الوباء هو التباعد الاجتماعيSocial Distancing لان الوسيلة الاساسية لانتقال الفيروس هو عبر قطيرات تنتقل من انسان الى اخر. لا احد يفكر بمهرجانات رياضية و فنية٫ و توقفت ممارسة الطقوس الدينية الجماعية٫ و لا ذكر لحفلات زفاف.

ردود الفعل النفسية تتميز بارتباكها ولا أحد ينفي شعوره بالقلق والخوف من اصابته بالفيروس. الفيروس يؤدي الى حالة هيجان احياناً في جسم الانسان و لا يسلم منه أي عضو من أعضاء الجسم٬ و كذلك الحال مع المجتمع باسره فالوباء أدى حالة هيجان في العلاقات الاجتماعية و الأمور الاقتصادية و التعليمية. من جراء ذلك يبحث الانسان عن تفسير لما حدث كما كان يفعل الانسان أيام طاعون جستنيان. الكثير من الناس أصبحت تتحدث عن الفساد الأخلاقي و تعجرف البشرية في وقتنا هذا٬ و تراجع النصوص الدينية[8]القديمة للتأمل بما حدث و سيحدث.

و لكن ما يثير الاهتمام في هذا المقال هو تأثير الوباء على المدى القريب و البعيد على العالم الليبرالي الذي نعيش فيه. بعد سقوط الاتحاد السوفيتي عام ١٩٩١ تحدث الجميع عن توقف التاريخ[9] الان و هيمنة الديمقراطية الليبرالية على العالم. انفتحت الحدود بين بلدان العالم٫ و الجميع يتحدث عن العولمة و تميز الانسان الجديد و وولادة جيل جديد لا يحمل ترسبات الماضي. و لكن من يراجع التاريخ و ببساطة ما حدث مع طاعون جستنيان قد يكون له رأي اخر.

لا شك بان الطاعون لعب دوره بصورة او بأخرى في تغيير خارطة العالم القديم. لعب الطاعون دوراً ما في قيام الدولة الاموية حين لم يبقى احداً يتسلم زمام الأمور في الشام سوى معاوية ابن ابي سفيان. استمر الطاعون يلعب دوره بين الحين و الاخر٬ وربما لم تسقط الدولة الاموية بسبب قوة بني العباس و ثورة الموالي من خراسان فقط و انما كان هناك حليفاً اخر لها و هو الطاعون.

و لا احد يعلم ماذا سيحدث لخريطة العالم السياسية اذا استمر فيروس كورنا يظهر وبائيا و بوجه جديد كل بضعة أعوام.


مخططات





[1] ربما يذكرك هذا بظهور فيروسات كورونا كل ١٠ -١٢ عاماً من بداية الالفية الثالثة

[2] هو المولى أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الله بن ابي سيف(٧٥٢-٨٤٣ م) حيث نقل عنخه الطبري الكثير و كان يلقب المدائني نسبة الى مدينة المدائن. تجاوزت بحوثه ٢٠٠ و اول من اسهب و كتب في الطاعون

[3] لم يلتزم الجميع بهذه القاعدة و في مقدمتهم أبو موسى الاشعري الذي كان في جيش أبو عبيدة حين تولى ولاية الكوفة ففي نظره بان هذا قضاء الله.

[4] تغيرت المفاهيم بعد ذلك في كتابات ابن النفيس و أبو سينا

[5] يسقط البعض اللوم هذه الأيام ظهور وباء كورونا على التفسخ الأخلاقي في الغرب

[6] نشرت أستاذة علوم الفيروسات الصينية قبل عام مقالاً حذرت فيه من احتمال انتقال فيروس كورونا جديد من الخفاش الى الانسان وحدوث وباء جديد


[7] متلازمة SARS و متلازمة MERS : كان فيروس كورونا ينتقل من الحيوان الى الانسان و لا يوجد دليل على انتقال الفيروس من انسان الى اخر بعكس فيروس كورونا الجديد.

[8] وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا

الاسراء ١٦

[9] كتاب Francis Fukuyama المعنونThe End of History & Last Man.

نشر المقال ايضاً في :

http://www.maganin.com/content.asp?contentId=24304