خريف كورونا ٢٠٢٠


29 Aug

خريف جائحة كورونا ٢٠٢٠


غادر الصيف الجزر البريطانية مبكراً في الأسبوع الأخير من شهر آب هذا العام٬ و لكن لا توجد علامة بان كوفيد ١٩ سيغادر الجزر البريطانية او أي بلد اخر قريباً. عدد الإصابات لا يزال عالياً نسبياً٬ و بدأ بالارتفاع سريعاً في بعض المناطق مع فتح الحدود الدولية جزئياً. فرضت فرنسا ارتداء القناع حتى في شوارع باريس٬ و هناك قلق متزايد بسبب قرب فتح معاهد التعليم في النصف الشمالي من الكرة الأرضية. البلد الوحيد الذي لا تسمع عن ارتفاع عدد الإصابات فيه هو الصين٬ حيث لا يتجاوز العدد اكثر ١٢ في بلاد تعداد سكانه اكثر من بليون. قررت المانيا تمديد خطة التعويض المادي الحكومي للعاملين في القطاع الخاص الى نهاية ٢٠٢١ و ربما ذلك يشير الى ان الجائحة ستستمر لمدةعامين كما توقع الخبراء في بداية ربيع هذا العام.

رغم ارتفاع عدد الإصابات مع رفع الحجر الصحي تدريجياً٬ و لكن ما هو ملاحظ بان عدد المرضى الذي يحتاجون الى علاج داخل المستشفيات في انخفاض مستمر و يمكن تفسير ذلك :

١اتخاذ الاحتياطات الوقائية من قبل المعرضين لاصابة خطيرة.

٢ معظم الاصابات الجديدة هي في البالغين دون عمر ٤٠ عاماً.


مراجعة الية الإصابة

بعد مرور فصل الربيع و الصيف أصبحت الية الإصابة بفيروس كورونا اكثر وضوحاً. يمكن القول بان اسباب ضعف السيطرة على الجائحة هي:

١ فيروس جديد هو SARS-CoV-2 لا يعرفه العالم من قبل.

٢ سهولة و سرعة انتقاله من انسان الى اخر.

٣ عدم وجود علاج فعال.

٤ عدد هائل من المصابين و بدون اعراض الذين ينقلون الفيروس من مكان الى اخر.

٥ عدم وجود لقاح ضد الفيروس الى الان.

فيروس SARS-CoV-2 ينتمي الى عائلة بيتا Beta لفيروسات كورونا٬ و هذا العضو الجديد يشبه بنسبة ٨٠٪ فيروس SARS-CoV-1 و بنسبة ٥٠٪ فيروس MERS-Cov. انتقال العضو الجديد لا يختلف عن انتقال فيروس SARS-CoV-1 في دخوله الجسم عير الجهاز التنفسي عن طريق مستقبلات ACE2 المتواجدة في خلايا الرئة٬ خلايا البلاعم Macrophages ٬ و بطانة الاوعية الدموية. لكن الفيروس يختلف عن سابقه بسرعة تكاثره في الجزء العلوي من الجهاز التنفسي و ليس السفلي مما يفسر سهولة انتقاله عبر قطيرات يتم اطلاقها من البلعوم. هذه المرحلة الأولية لدخول الفيروس الى النصف العلوي من الجهاز التنفسي هي التي تفسر الانتشار السريع لهذه الجائحة٫ في حين ان فيروس SARS-CoV-1 كان يتكاثر و يدخل الجسم عبر النصف السفلي من الجاهز التنفسي. الية المرض بعد ذلك لا تختلف بين فيروس SARS-CoV-1 و SARS-CoV-2 او الذي نعرفه بكوفيد ١٩.

المرحلة الحرجة من الإصابة بفيروس كورونا مصدرها ما يلي:

١ اقتحام الفيروس لمختلف أعضاء الجسم.

٢ و ربما الاكثر أهمية هو رد الفعل الالتهابي المفرط للجسم و الذي نسميه العاصفة الالتهابية ّInflammatory Storm.

٣ زيادة تخثر الدم المراحل المتقدمة.

يتم ملاحظة ارتفاع كريات الدم البيضاء العدلة Neutrophils و انخفاض عدد اللمفاويات مع ارتفاع المؤشرات الالتهابية المتعددة. على ضوء ذلك يمكن تقسيم مراحل المرض الى ما يلي:

١ مرحلة تفيرس الدم Viremia و تعني وجود الفيروس بالدم و قد تنتهي مع كفاءة جهاز المناعة .

٢مرحلة الالتهاب الرئوي الحادAcute Pneumonia .

٣ المرحلة الحرجة او مرحلة الشفاء.



يمكن استعمال نموذج اشارات المرور لاستيعاب الية الإصابة بفيروس كورونا. ما لا يقل عن ٨٠٪ من المصابين لا يعانون من اعراض او اعراض من حمى و سعال و فقدان حاسة الشم و التذوق. لا يقتحم الفيروس بقية الأعضاء٬ و يتعافى المريض. ينتج جهاز المناعة اجسام مضادة ضد الفيروس٬ و لكن ما لا نعرفه الى الان هو ان كانت هذه مناعة دائمية او وقتية. هذه ما اسميه أشارة مرور خضراء و لا تزيد على ٧ أيام٬ و لكن لا بد من العزل لمدة ١٤ يوماً.


المرحة الحرجة هي إشارة المرور الصفراء اللون و، التي تشير الى وجود التهاب رئوي. تبدأ مؤشرات الاتهاب بالارتفاع و كذلك مؤشر تخثر الدم D Dimer ٬ و في هذه المرحلة يتم استعمال العلاجات ذات الفعالية في منع تخثر الدم و كبت العملية الالتهابية العشوائية التي تدمر الجسم. مرحلة العلاج هذه في غاية الأهمية للسيطرة على رد فعل جهاز المناعة المفرط.


اما المرحلة الخطيرة فهي اقتحام شامل للجسم من قبل الفيروس مع رد فعل المناعة الذي يمر مختلف الأعضاء. في هذه المرحلة لا يوجد سوى مساندة الجسد للبقاء على قيد الحياة لحين الوصول الى مرحلة توازن و شفاء ذاتي من الالتهاب اذا كان ذلك ممكنناً.


اللقاح

تطور العلم و خريطة جينات فيروس كورونا موجودة في جميع المختبرات و هناك العشرات من اللقاحات في مرحل التجارب السريرية المتقدمة. رغم اعلان روسيا يقرب تلقيح المواطنين بلقاح لم يتم تجربته بصورة واسعة٬ و لكن هناك حذر من الاستعجال في استعمال أي لقاح هذا العام٬ و السبب في ذلك يعود الى ما يلي:

١ هناك عداء جماهيري ضد التلقيح بصورة عامة في الغرب بسبب بعض الغلاة المعادين لأي تلقيح. نسبة المعادين لاستعمال لقاح ضد كورونا تقترب من الثلث.

٢ قيود التصريح باستعمال أي عقار قبل تجارب سريرية واسعة.

٣ تاريخ لقاح انفلونزا الخنازير عام ١٩٧٦.


في عام ١٩٧٦ ظهرت انفلونزا الخنازير في أمريكا و كان هناك الهلع من انتشار الوباء. سارع الرئيس الأمريكي الجمهوري جيرالد فورد بالضغط على مؤسسة الغذاء و الادوية بتصريح اللقاح و فعلاً حدث ذلك رغم اعتراض احد أعضاء المؤسسة على ذلك مشيراً الى ان هذا اللقاح لا فعالية له٬ و لم يجدي ذلك نفعاً و تم فصله. تم تلقيح ٥٠ مليون مواطن٬ و تمر الأيام و ينتهي الوباء و لكن اللقاح اثبت بكل جدارة عدم فعاليته.

استغل جيرالد فورد اللقاح لأغراض انتخابية٬ و لكنه فشل في البقاء على مقعد الرئاسة. في عام ١٩٧٧ تم تسجيل ٥٠٠ حالة من التهاب الاعصاب المحيطي النادر المعروف بمتلازمة كولين باري Guillain Barre Syndrome. تم اسقاط اللوم على اللقاح الفاشل لان نسبة المصابين بالمتلازمة الذين تم تلقيحهم كانت أربعة اضعاف من الذين لم يتم تلقيحهم. هذه الملاحظة لا تعني بان اللقاح كان السبب٬ و لكن يمكن القول بانها كانت عاملاً في ولادة الحركة المناهضة للتلقيح.

الجميع ينتظر نهاية الهدنة بيم فيروس كورونا و الانسان. فيروس كورونا كائن بدائي جداً و ستحدث فيه طفرات لكي يبقى على قيد الحياة و الامل بان طفرته القادمة ستنقله الى معاهدة سلام دائم مع الكائن البشري.






تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.