وراثة الصدمات بين الفرد و الشعوب


15 Jan

الأزمات التي تواجه الانسان لا نهاية لها و احيانا نحاول ان نضعها في إطارٍ إيجابي و نستعمل مصطلحاً إيجابياً و نسميها تحديات. هذه المصطلحات ذاتيةالاستعمال أو موضوعية الصياغة. مصطلح الازمات مصطلح شخصي يستعمله الانسان حين يدرك عجزه الوصول الى حلِ لازمته٫ و مصطلح التحديات قد يكون ذات إطار شخصي حين يصمم الانسان على تجاوز محنته و عدم السماح لازمته التأثير عليه . الأزمات و التحديات احيانا لها إطار اخر أشد وقعة على الانسان و هو إطار الصدمات.

لا توجد مبالغة في القول بان الأزمات أو التحديات أو الصدمات تبدأ منذ اليوم الاول لولادة الانسان. هناك تحديات و أزمات أو صدمات:
بيئية
صحية
نفسية
عائلية
تعليمية

الصدمات

يقول العلم لنا هذه الأيام بان الصدمات تتفاعل على مستوى الخلية. كل خلية من خلايا الانسان تحمل معلومات في حمضه النووي الموجود في نواة الخلية الذي يرسل اوامره عبر حمضٍ اخر في السيتوبلازم و هذا أشبه بساعي بريد نسميه Messenger RNA يحمل الرسائل الى جميع محركات الخلية لكي يبقى الانسان في تمام الصحة و العافية. ما تم اكتشافه الان بان الصدمات و خاصة في مراحل الطفولة قد تؤثر على سعاة البريد فيتم تثبيط ما هو الجيد منها و استعمال ما هو اقل كفاءة . لا ينتهي الامر هنا فحسب و إنما تجارب الحيوان المختبرية تقول لنا بان هذا العطل يتم توارثه عبر الأجيال. ذلك ربما يفسر لنا عائلات تتوارث الصدمات.


توارث تاثير الصدمات مقابل العوامل البيئية يثير الكثير من الاستقطاب في الاعلام المحلي و العلمي على حد سواء. هناك من يميل الى تأكيد نظرية توارث تأثير الصدمات على مستوى العائلي و المجموعات البشرية٬ و في قطب اخر هناك من يميل الى نقض هذا المفهوم تماماً. ما نعرفه الان بان مفهوم تاثير البيئة على الحمض النووي في تجارب الحيوان المختبرية حقيقة يقبل بها الجميع٬ و لكن تاثير ذلك على الكائن البشري لا يسهل أثباته٬ و هناك صعوبة في فصل العوامل البيئية المتوارثة عن العوامل البيولوجية. الاختصاص الذي يعني بهذا الامر هو علم التخلق Epigenetic. يمكن دراسة مفهوم علم التخلق من عدة جوانب:

المفهوم الأول هو مفهوم التحول الجذري و الذي يعني ان الصدمة الشديدة تؤدي الى تغير جوهري في حياة الانسان و تركيبته البيولوجية. هذا التغير ليس بالعابر كما هو الحال في مواجهة الانسان لتحديات عدة على مدى الحياة. الصدمات عموماً تؤثر على مختلف أجهزة الجسم بيولوجياً و هذا ما يقبله الجميع٬ اما مفهوم التحول الجذري الغير قابل للأنعكاس فهو ما يثير الكثير من الجدال و يصعب فصله عن الحواجز البيئيةالمانعة للشفاء من تاثير الصدمة. خير مثال على ذلك هو تاثير الاعتداء الجنسي في الطفولة على كيان الانسان حيث ان هذه الصدمة قد تؤدي الى تغيير جذري في كيان الضحية و مع غياب الدعم الاجتماعي و العائلي تتغير شخصية الانسان بصورة دائمة.

المفهوم المتوازي للمفهوم الأول هو نقل تاثير الصدمة على الضحية الى الأطفال. لا يسهل فصل العوامل البيولوجية عن العوامل البيئية و التفاعلات النفسية مع الأطفال و الناتجة من تأثير الصدمة على الوالدين. ليس من المستغرب ان ينقل الوالدين بقصد او بدون قصد الدروس المستقاة من التجارب المؤلمة الى اطفالهم ٬ و في نفس الوقت يجب التأكيد ان قابلية الوالدين على تعليم أطفالهم من تجارب ماضية محدودة الى حد ما٫ و في نفس الوقت فان الطفل ليس وعاءً جامدا يتلقى التعليم من الوالدين بدون مقاومة.

أما على مستوى الشعوب فان تاثير الصدمات على ادائها و و تقدمها قد لا يختلف كثيراً عن ما يحدث في الفرد نفسه. الشعوب عموماً تتعلم من تجاربها و تسعى الى تطوير نفسهاو تجاوز عقد الماضي. في نفس الوقت هناك ايضاً العوامل البيئية التي تساعد على دفع الشعوب الى الامام٬ و العوامل التي تقف حاجزاً في وجه التطور و التقدم. الشعوب العربية و منها العراق ربما تتصدر قائمة الشعوب التي تعرضت للصدمات بسبب تعجرف و غباء من تولى امرها٬ و لكنها في نفس الوقت تواجه تحديات عدة في الانتقال الى موقع متقدم و تجاوز ازمات الاجيال بسبب طروف بيئية لا تزال تقف جاجزاً في وجه عملية الشفاء.

الحياة أشبه برحلات يومية٫ و هناك منها رحلات في ايّام باردة في سيارة مليئة بضباب كثيف على زجاجها لا يرى الانسان ما أمامه و على جانبي سيارته. ان رحل في طريقه فرحلته بطيئة محفوفة بالمخاطر و ما عليه الا ان يفتح جهاز التكييف بكل قوته للتخلص من هذا الضباب لكي يرى بوضوح طريقه و يضمن سلامته. هذا هو الحال مع الانسان حين يحمل همومه و ازماته و صدماته في داخله حيث لا يشعر الا بقساوة البرد. عندها ما عليه الا ان يطلق العنان لجهاز تكييفه العاطفي و يشارك من حوله بمشاعره و العثور على حل لأزماته. حين يفعل ذلك يضمن:
سلامة رحلته٫
وضوح طريقه٫
و إرسال رسالته.

و هذا ما يجب ان تفعله الشعوب كذلك.

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.