حرية الكلام عبر التاريخ


13 Mar

 في عام ٣٩٩ قبل الميلاد كانت هناك محاكمة سقراط من قبل ممثلي الشعب في أثينا حيث ولدت الديمقراطية. كانت التهمة افساد عقول الشباب الذين يعلمهم والتحريض ضد الهة الاغريق. في نفس الوقت لم يكن سقراط من المتحمسين للديمقراطية٬ وكان يؤمن هو وفلاسفة الاغريق بن إدارة أمور الشعب يجب ان تكون على عاق المتعلم المعروف بحكمته وعدالته. كذلك كان سقراط لا يؤمن بالعصيان المدنية ويؤكد على احترام القانون والدولة. انتهت محاكمته بالحكم عليه بالإعدام مع تناول جرعة من السم٬ ورغم ان زملائه من الفلاسفة سعوا الى تغيير الحكم الى غرامة لكن سقراط نفذ الحكم على نفسه لأنه لم يكن يؤمن الا باحترام القانون والدولة. رحل عن الدنيا عن عمر ٧٠ عاماً وربما هو أعظم فيلسوف عرفته البشرية. 

وفي مثل يومنا هذا وفي عام ١٩٢٥ انتهت محاكمة معلم رفض الانصياع ولاية تنسي الامريكية بعدم تدريس نظرية دارون للتطور لكنها تتعارض مع الكتاب المقدس٬ وانتهت بتغريمه ١٠٠ دولار. تم نقض الحكم بعدها من قبل محكمة الاستئناف٬ ولكن القانون نفسه بقي كما هو حتى عام ١٩٦٧م.

و لكن هل تغير اطار حرية الكلام في يومنا هذا مع انتشار العولمة و القيم الليبرالية الحديثة. الجميع يتحدث عن حرية الكلام و الديمقراطية و لكن هناك قيود لا يمكن انكارها على حرية الكلام و الرأي الذي يتعارض مع القيم الليبرالية الحديثة٬ و لكن بدلاً من احالتك الى المحكمة يتم حسابك عبر الاعلام و المواقع الاجتماعية فهم اشبه بالحكام و المحلفين في ذات الوقت٬ و الحكم الذي يتم إصداره يتعمم عبر عالم الفضاء و كوكب الأرض. اذكر احد الزملاء الذي يؤمن بالقيم الليبرالية تحدث يوماً بان الحكم الذي صدر بحق احد الناس لا غبار عليه لانه قرار المحلفين من عموم الشعب و لا حاجة الى تحقيق و قضاء!!! 

الأسبوع الماضي على سبيل المثال كان لهو الاعلام هو حديث الأمير هاري و زوجه و الادعاء بالتمييز العنصري من قبل العائلة المالكة ضد زوجه. لم يكن هناك قاضي٬ و لا وثائق و لا ادلة و لكن مجرد كلام امرأة ضد ضرتها زوجة شقيق زوجها كما اتضح بعد ذلك. رغم انخفاض شعبية هذا الأمير و زوجه مؤخراً بسبب حرفتهم الكلامية للحصول على الملايين بالمقابل٬ و لكن أي رأي مفاده بانك لا تصدق حديث الدوقة ينتهي بإصدار الحكم عليك من قبل المواقع الاجتماعية. تحدث واحد من اشهر مقدمي البرامج الصباحية في بريطانيا قائلاً بانه لا يصدق ما تقوله الدوقة٬ و خلال ٢٤ ساعة كان عليه الاستقالة من منصبه.

اما هذا الأسبوع فالخبر الذي اثار شجون و غضب الناس هو جريمة قتل انسة في وسط لندن  و التي انتهت باتهام رجل شرطة عمره ٤٨ عاماً و اب لطفلين. كان هناك أولا اعلام الشرطة قبل عدة أسابيع عن سلوك غريب للمتهم بكشف نفسه امام الاخرين٬ و هو سلوك نادراً ما تسمع منه الا في المصابين بإمراض طبنفسية جسيمة او صعوبات تعليمية و عموماً في مقتبل العمر و لكن رجال الشرطة لم يفعلوا شيئاً. ثم كان هناك غضب النساء  على عدم سلامتهم في المجتمع و الدعوة الى جهود امنية اكثر. صادف ذلك في اسبوع يوم المرأة٬ و لكن الذي حدث ان استاذة علوم الجريمة في جامعة كينت صرحت بان جميع البحوث الميدانية تشير الى ان احتمال حصول اعتداء على امرأة تتجول بمفردها اقل من احتمال حصول اعتداء على رجل. سرعان ما تم توجيه الانتقادات اللاذعة لهذه المرأة التي لم تنطق سوى بالحقيقة استناداً الى دراسات علمية ضمن اختصاصها. انتشر اسمها و لعنها على جميع المواقع الاجتماعية.

هناك امثلة عدة لا يجهلها احد٫ اما في عالمنا العربي٬ فحرية الكلام حتى في ظل أنظمة ديمقراطية لا وجود لها و النطق بالحقيقة مهما كانت قد لا يؤدي الى التشهير بالإنسان و انما قطع رقبته.

يتميز الانسان عن بقية الكائنات الحية بقدرته على النطق و الكلام٬ و هذه الصفة دفعته الى التطور و سيادة كوكب الأرض. ربما اقل ما يمكن ان تدركه البشرية صيان هذه الحرية و عدم تقييدها فقريبا قد لا نسمع عن تقييد حرية الكلام فقط و انما حرية التفكير. هذا ما حدث مع سقراط ٬و عند ذاك نهاية عصر الليبرالية.


تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.