القضاء و القدر و فيروس كورونا


27 Feb

 أحاديث البشر في مختلف الثقافات تشير الى قضية القضاء والقدر ومصير الانسان ولا حاجة لتكرارها. في نفس الوقت٬ ما نعلمه الان هو ان جينات الانسان وحمضه النووي يكتب احياناً مصير الانسان من جانب وتفاعل ما هو مكتوب في خلايا الانسان مع الظروف البيئية يؤدي الى معادلة واحدة:

المصير = الجينات X الظروف البيئية. 

هذا هو ما يعني القضاء والقدر.

 هناك مصطلحان في علم الجينات لا تجهل على الكثير:الأول هو ما نسميه Haplotype او النمط الفرداني ويعني مجموعة من الجينات داخل خلايا الانسان موروثة سوية من والد واحد. الكلمة مشتقة من كلمة أحادية الصيغة الصبغية Haploid التي تصف الخلايا التي تحتوي على مجموعة واحدة فقط من الكروموسومات٬ وكلمة النمط الجيني Genotype التي تشير الى التركيب الجيني للكائن الحي. كذلك المصطلح يتم استعماله لوصف زوجاً من جينات موروثة سوية من أحد الوالدين على كروموسوم واحد. اما سبب توريث هذه الجينات سوية فمصدره ظاهرة تعرف بالارتباط الجيني Genetic Linkage والتي بدورها تعني توريث جينات قريبة بعضها من البعض الاخر على كروموسوم واحد. بالإضافة الى ذلك يتم استعمال مصطلح النمط الفرداني الى وراثة مجموعة من الاشكال المتعددة للنيوكليوتيدات المفردة Single Nucleotide Polymorphisms (SNPs)التي تشير الى اختلافات في مواقع فردية لتسلسل الحمض النووي بين الافراد. هذا الجزء من علوم الجينات في غاية الأهمية لدراسة وراثة الامراض والعثور على الجينات التي تسبب المرض.

 ما نعلمه الان بان هناك نمط فرداني مصدره الانسان القديم المعروف بينادرتال. القضاء و القدر و كوفيدالانسان الحديث عمره ٤٠ ألف عام وسبقه انسان نينادرتال Neanderthalsالذي تزاوج مع الانسان الحديث٬ ورغم انه اختفى من على وجه الأرض ولكن جيناته لا تزال موجودة ومبعثرة هنا وهناك بسبب هذا التزاوج الذي أنتج ذرية قابلة على الحياة. هذه الجينات موجودة في جميع القارات باستثناء الذين هم من اصل افريقي بحت. 

جينات الانسان القديم الموروثة على شكل نمط فرداني تعرضت لدراسات و تم تثبيت وجود علاقة بينها و بين العديد من امراض المناعة مثل داء كرون و الذئبة و السكري. الان تمت إضافة فيروس كورونا او كوفيد الى القائمة٬ و هذا ليس بالغريب اذا تذكرنا بان مسار الإصابة بفيروس كورونا او كوفيد. لا يقرره الفيروس بقدر ما يقرره رد فعل جهاز المناعة.

اول بحث في هذا المجال تم نشره أيلول الماضي حول نمط فرداني مصدره الانسان القديم مرتبط بزيادة خطورة الإصابة بكوفيد وارسال المصاب صوب العناية المركزة. إذا ورث الانسان زوجاً واحداً من أحد الوالدين فاحتمال الإصابة الخطيرة يرتفع اما إذا كان سيء الحظ وورث زوجين من كلا الوالدين فاحتمال الإصابة الخطيرة يتضاعف. انتشار هذه الجينات يقترب من ١٦٪ في اهل اروبا و٦٣٪ في بنغلاديش٬ ومعظمهم من أصول جنوب اسيوية. اما الغريب فان هناك مناطق في شرق اسيا لا تعثر فيها على هذه الجينات. الذي تفعله هذه الجينات من النمط الفرداني هو التدخل بإنتاج البروتين الذي يستقبل كوفيد أولا وكذلك انتاج بروتين ينذر بالإصابة يتم ارسالها الى جهاز المناعة الذي يستجيب أحيانا بإعصار مدمر للفيروس والانسان سوية. 

البحث الثاني في هذا المجال صدر الشهر الماضي و يتعلق بنمط فرداني يتم وراثته من احد الوالدين على كروموسوم ١٢ و مصدره ايضاً الانسان القديم. نسخة واحدة هذا النمط الفرداني تقلل من نسبة الاصابة الخطيرة بمقدار ٢٢٪ و انتشاره يتراوح ما بين ٢٥-٣٥٪ من السكان و اكثر من ٥٠٪ في فيتنام و شرق الصين٬ و لكن لا وجود له في افريقيا و معدلات انتشاره اقل بكثير في سكان أمريكا من أصول افريقية. هذا النمط الفرداني لا يوفر الحماية فقط من كوفيد و انما ضد فيروسات أخرى احدها التهاب الكبد الوبائي C. 

نقاش عام 

هذه البحوث تساعدنا على استيعاب الية الإصابة بكوفيد و اختلاف تأثيرها على انسان دون اخر. بالطبع هناك ظروف بيئية و فردية تلعب دورها. منها السمنة٬ السكري٬ ارتفاع ضغط الدم٬ العقاقير٬ فعالية جهاز المناعة و غير ذلك.

 و لكن في نفس الوقت ترى هناك من تكون اصابته طفيفة و اخر شديدة رغم وجود نفس العوامل البيئية الغير جينية. كذلك تفسر هذه البحوث سرعة السيطرة على كوفيد في الصين و فيتنام و جنوب شرق اسيا مقارنة بأمريكا و أوروبا٬ حيث ان النمط الفرداني الواقي من الإصابة الخطيرة اكثر انتشاراً. 

كوفيد في طريقه الى استيطان المجتمعات البشرية و ربما سياتي اليوم الذي نستطيع فيه تحديد من هو المعرض لإصابة شديدة من خلال دراسة جيناته٬ و معرفة قضائه و قدره.

المصدر

اضغط على الواصل في المقال.

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.