هرمون الجنس الذكوري


مقدمة


تغير العالم مع اتساع المعرفة عن هورمونات النساء وبدأت الناس تتحدث عن ضرورة تحديد النسل وفتح أبواب الحرية الجنسية. بعدها تغيرت المعايير في العلاقات بين الرجل والمرأة مع ولادة حبوب منع الحمل في بداية الستينيات، وأصبحت هذه الهورمونات النسائية المصنعة متوفرة في كل مكان. رغم كل الأعراض الطبية الجانبية، والبعض منها مخيفة، لكن العالم أجمع على أن هذه الهورمونات وأخطارها أفضل بكثير من مشاكل الولادة والإجهاض.


بعدها سمع العالم عن تعويض الهورمونات للنساء في نهاية الثمانينيات، وانتشر استعمالها تدريجياً ثم انخفض بصورة ملحوظة مع انتشار الوعي الصحي بعلاقة هذا العلاج بأروام الثدي.


يمكن الاستنتاج بأن دراسة الهورمونات الأنثوية كان لها أبعاد اجتماعية ونفسية وطبية. أما هورمون الجنس الذكري فإنه لم يحظى بالاهتمام العلمي الواسع وأبعاده الاجتماعية والنفسية والطبية حديثة العهد ولا تزال موضع جدل ونقاش علمي. لا يتطرق المقال إلى الصحة الجنسية وإنما يتناول الأبعاد النفسية وبالذات السلوكية.

هورمون الجنس الذكري

على العكس من هورمونات النساء فإن هورمون الرجال (التستوستيرون Testosterone )لا يحمل معه إلا الخبر المزعج لكل من يقرأ عنه ومنذ نصف قرن من الزمان هورمون سيء السمعة من ناحية أبعاده النفسية والاجتماعية استعماله كمنشط في الرياضة و بناء العضلات كارثة صحية.

يتم صنع معظم هذا الهورمون في الخصيتين وبمعدل 7 مغم يومياً. يتم نقله بعد ذلك مرتبطاً إما ببروتين الغلوبيولين Globulin(44%) أو بروتين الزلال Albumin(54%)، والباقي منه يكون حراً في الدم (2%). الجزء الفعال من هذا الهورمون هو القسم الحر Free Testosterone وذلك المرتبط ببروتين الزلال أما البقية فهي أشبه بالهورمون الاحتياطي المخزون. يفعل هذا الهورمون فعله على جميع خلايا الجسم والحركة الجنسية في الذكر وجزء من الفعالية الجنسية للمرأة.

يشترك الرجال مع النساء في وجود هذا الهورمون في أجسادهم غير أن نسبته في الذكور هي على أقل تقدير ثمانية أضعاف نسبته عند الإناث، وبسبب ذلك هناك العديد من البحوث العلمية التي بدأت تتطرق إلى علاقة هذا الهورمون بالسلوك البشري.


البدانة و هرمون تستوستيرون


ما هو المعروف عن هرمون الذكور علاقته بالبدانة و النشاط الرياضي. هناك علاقة طردية مع النشاط البدني و خاصة التمارين الرياضية لتنمية العضلات. في نفس الوقت هناك علاقة عكسية بينه و بين الوزن. تشير دراسة المانية هذا العام بان استعمال الهرمون في الذكور الذين يعانون من البدانة المفرطة يساعد على انخفاض الوزن ٬ و ان مفعوله يقترب من التداخل الجراحي لعلاج البدانة. يجب توخي الحذر من القبول بنتائج دراسة واحدة عينتها بالعشرات فقط.

الأبعاد النفسية السلوكية

يمكن إيجاز القواعد العامة في هذا الأمر كما يلي:

1- إن الهورمونات تلعب دورها في دفع الإنسان لاتخاذ القرار. في هذا المجال اللاعب الرئيسي هو هورمون التستوستيرون.

2- إن ارتفاع تركيز التستوستيرون في الجسم يؤدي إلى الشعور بالنشوة.

3- الشعور بالنشوة يؤدي إلى تخفيض عتبة تثبيط السلوك في الإنسان. القاعدة العامة أن هذه العتبة تتناسب عكسياً مع سلوك التهور البشري.

4- من جراء سلوك التهور يبدأ الإنسان باتخاذ قرارات خاطئة تكون نتائجها سلبية على الفرد.

5- النتائج السلبية بدورها تؤدي إلى حالة من التوتر النفسي المزمن من جراء استمرار الغدة فوق الكلية في إفراز هورمون الكورتيزون.


إن إفراز هورمون الكورتيزون له وظيفته الوقائية في جميع الكائنات الحية ويكمن ذلك في تهيئة الكائن الحي للخطر. بعبارة أخرى يمكن أن نسمي الكورتيزون بهورمون الإنذار المبكر أشبه بصفارات الإنذار التي تنطلق أسبوعياً في مكان العمل للتأكد من سلامتها إن نشب حريق وجهاز الإنذار المبكر للسونامي في المحيطين الهادي والهندي والذي لم يثبت فعاليته حتى يومنا هذا. أما في الإنسان فتراه له وظيفة أكثر أهمية وهي مساعدة الإنسان لاسترجاع ذكرياته من الفص الصدغي للدماغ ومراجعة أخطائه وتقييم سلوكه.





غير أن الأمر لا ينتهي عند مراجعة وتقييم الذات لأن عواقب الأمور في هذه الأيام أكثر ألماً وتأثيرا على الإنسان ذلك بدوره يؤدي إلى استمرار إفراز هورمون الكورتيزون، واعتماداً على نظرية مارتن سيلكمان Martin Seligman في الستينيات والمعروفة بتعلم العجز أو العجز المتعلمLearned Helplessness فإن زيادة نسبة الكورتيزون في الجسم تؤدي ذلك إلى درجة من اليأس. يزداد الأمر سوءاً مع مرور بضعة أشهر وتبدأ أعراض قلة النوم وضعف التركيز وغيرها ويتحول شريط الذكريات إلى فلم كئيب لا ألوان فيه. لا يتوقف الأمر عند الاكتئاب واليأس وإنما تبدأ مقاومة الإنسان تضعف لدرجة زيادة تعرضه لجميع الأمراض المزمنة والخطيرة. هذا بالطبع يفسر الاعتقاد العام بأن الضغط النفسي المستمر والمزمن يؤدي إلى تدهور الصحة وبصراحة هذا المعتقد لا غبار عليه عكس ما يتصور الكثير من الناس. مع الوقت قد لا يجد الإنسان أمامه سوى أفكار انتحارية قد لا يستطيع مقاومتها.


سن يأس الرجال

هناك العديد من البحوث التي تتناول دخول الرجال في مرحلة طبية مشابهة لما يسمى بسن اليأس عند النساء. بدأت الكثير من وسائل الإعلام تتحدث عن هذه المرحلة مصورة للناس بأن الرجال أسوة بالنساء في هذا الأمر وتجاوز البعض الحدود العلمية مصرحاً بضرورة تعويض الرجال بالتستوستيرون.


على عكس النساء، فإن هورمون الجنس الذكري يبدأ بالانخفاض في مرحلة مبكرة من العمر. تبدأ عملية انخفاض تركيز التستوستيرون عند الرجال منذ الأعوام الأولى للعقد الثالث من العمر وتستمر مدى الحياة. معدل انخفاض الهورمون عند الرجال تتراوح ما بين 0.8% إلى 1.7% سنوياً. يتراوح الرجال في معدل تركيز الهورمون في الجسم مع العمر وترى أن أقل من 20% يكون الرقم دون الطبيعي قبل العقد السادس من العمر وأقل من 40% بقليل بعد العقد الثامن من العمر. أما عند النساء فإن الهورمونات الأنثوية لا تتوقف تدريجياً وإنما بصورة حادة وتدخل هذه المرحلة.


إن مسألة تعويض الهورمون عند الرجال بعد العقد الخامس من العمر لا يمكن الاستناد عليه علمياً. إن نقص الهورمون قد يؤدي إلى ضعف العضلات والعظام، ضعف الرغبة والأداء الجنسي وتدهور المزاج والشعور بالعافية، ولكن لا يوجد دليل واضح على تدهور الفعالية المعرفية. قد يؤدي تعويض الهورمون إلى زيادة الرغبة الجنسية دون الأداء الجنسي وهذا الأمر كارثة بحد ذاته وقد تؤدي إلى زيادة سلوك التهور.


الأحاديث الإعلامية

تكثر الإشارة الى هرمون الذكور في تفسير سيرة الزعماء في جميع انحاء العالم٫ ويعلل الكثير ميلهم الى التهور بسبب هذا الهرمون وخاصة مع انخفاض معدل اعمار رجال السياسة هذه الأيام. هذه الأحاديث لا تستند على ادلة علمية تستحق الذكر. كذلك يشير الاعلام الى الأزمات المادية، وما عمله بعض الصبية في الأسواق العالمية وعبثهم برؤساء الأموال من جراء هذا العبث والاستمرار في المقامرة تدهورت عتبة تثبيط السلوك لديهم وانتهى الأمر بكساد اقتصادي لا أحد يعلم نهايته. على ضوء ذلك لا عجب أن يتحدث الناس اليوم عن هذا الهورمون ويصفونه بمادة الحيوية غير العقلانية. هذه الأحاديث هي الأخرى لا تستند الى ادلة علمية ومجرد فرضيات لمن يكتب عنها.


الاستنتاج:

إن مسألة سلوك الرجال تخضع لاندفاع عضوي من جراء تأثير هورمون طبيعي يفرزه الجسم. هذا الهورمون، والذي نعرفه بالتستوستيرون له الكثير من الوظائف العضوية ولكنه أيضاً ذا تأثير سلوكي وهو سيف ذو حدين. هناك حد يدفع بالإنسان نحو التطور والكفاح ولكن هناك عتبة إن تجاوزها سقط إلى هاوية التهور والدمار. يجب على الإنسان إدراك هذا الأمر وعلاقته بتركيبته الكيمائية. لا عجب أن تسمع الناس تقول وراء كل عظيم امرأة، والسبب في ذلك يرجع إلى أن المرأة أكثر حذراً وانتباهاً إلى تلك العتبة التي تنقل الإنسان من النجاح إلى الهاوية.