علاج الازواج


علاج الازواج


يضع البعض العلاقة الزوجية في اطار متصلب: الرجل يبحث عن احترام زوجه لسلطته و المرآة عن احترام زوجها لحبها و اخلاصها و لكن الحياة اكثر تعقيداً من ذلك

الحياة الزوجية أو بالأحرى العلاقة بين رجل والمرأة لا تخلو من الأزمات. الأزمات بحد ذاتها تعد عاملاً من عوامل سعي الإنسان والمجتمعات للتطور والصحوة من سبات عميق. كذلك ليس من الصعب أن نفهم الحياة والعلاقة بين رجل وامرأة كما نفهم فصول السنة الأربعة. هناك فصل صيف ساخن ملئ بحرارة العواطف. هناك ربيع هادئ تزينه الزهور وهناك خريف ينذر بشتاء بارد وأحياناً شديد القسوة.

الأهم من أعلاه هو أن الحياة الزوجية بين رجل وامرأة أشبه بنبات تم غرسه وفي حاجة إلى عناية مستمرة تحميه من نبات حوله وأيام لا تخلو من مفاجأة بعد أخرى.

هذا النبات ينمو إلى حياة مستقرة تنعم بالهناء على الطرفين، وثمارها في الكثير من الأحيان تربية أطفال هم زينة الحياة الدنيا. هناك من لا يحالفهم الحظ، وتقسو الطبيعة عليهم أشد القسوة ولا يقوون على الإنجاب. رغم ذلك ترى الكثير من المجموعة الأخيرة أكثر رأفة بأطفال غيرهم ومنهم من يتولى رعايتهم ويبدع في ذلك.




يكتشف الزوج أو الزوجة أو كليهما بأن هناك تدهورا تدريجيا في العلاقة الزوجية أعراضه متعددة منها:


تعكر المزاج.


كثرة الشكوى.


تدهور العلاقة الجسدية

ضعف في التواصل المعرفي بين الزوجين.


تدهور الأداء التعليمي للأطفال.


انحراف الأطفال اجتماعياً.


يستمر التدهور ويطغي على الحالة الزوجية نوع من اللامبالاة وعدم الاكتراث. هذا الخمول قد يتمثل في عدم عناية الزوج والزوجة بالمظهر والصحة ويبدأ كل منهما البحث عن أصدقاء الطفولة والأصحاب للحديث معهم وقتل الوقت على حد تعبيرهم. بالطبع هذه الأيام هناك الإنترنت والفيس بوك وغيرهما من وسائل الاتصال الإليكتروني التي لا تعوض الإنسان عن علاقته بزوجه وإنما قد تؤدي إلى زيادة النفور في العلاقة. هناك الكثير من الأزواج الذي يتواصل إلكترونياً في شتى الأمور أضعاف ما يتواصل مع زوجه. يولد هذا الاتصال نوعا من الغضب في الشريك ومن جراء ذلك يلجأ الأخير إلى وسائل دفاع نفسية شبه أو غير شعورية كما يلي:


  • عمليات ناضجة: كتم الغضب Suppression والقبول بأن هذه مرحلة مؤقتة سيتجاوزها الزوج قريبا. هناك من يستعمل التسامي Sublimation ويبدأ بالعناية بالبيت والشريك بصورة أفضل.


  • عمليات عصابية وغير ناضجة: يصب الفرد غضبه على الزوج لأتفه الأسباب وبعبارة أكثر تقنية استعمال الإزاحة Displacement للتعبير عن الغضب في مواقف أخرى. أما ثورة الغضب بحد ذاتها والشجار فهي عملية تعبير لمشاعر مكبوتة Acting out بصورة غير ناضجة.

  • عمليات ذهانية: وهذه تتمثل في إنكار Denial وتحوير Distortion الحقيقة. بعبارة أخرى هناك تغافل تام عن أن هناك مشكلة بين الزوجين، وسلوك الزوج أمر طبيعي.


 يتحول التدهور إلى حالة من حالات النكوص أو التراجع الشخصي وأحد مظاهره طغيان الشكوك في ذهن الفرد بوجود علاقة جنسية للزوج. هذا الشك في الخيانة الزوجية يعتبر بحد ذاته كارثة صحية نفسية واجتماعية.

الشك هو فكرة محتواها الظن بوجود خيانة زوجية، ولكن المشكلة لا تكمن في المحتوى وإنما في الإطار الذي يحيط بها. بعض هذه الأفكار تأخذ شكل أفكار حصارية (وسواسية) وهي شائعة في العشاق في بداية العلاقة وتفعل فعلها في زيادة الإثارة في العلاقة بين الطرفين. هذه الأفكار الحصارية قد تكون أحياناً من صنع العشاق أنفسهم بصورة شعورية أو لا شعورية، وبصراحة غيابها في بداية مراحل الحب حالة غير طبيعية.

أما الإطار الآخر الذي يحيط بأفكار الشك فهو الوهام. هنا يبدأ الزوج أو الزوجة بالبحث عن الأدلة لإثبات الخيانة، وإن وجد أحدهما الدليل أو لم يجده يستمر في البحث. بعد البحث يبدأ الاستجواب، وتصبح العلاقة الزوجية أشبه بقضية شرطة يحققون في جريمة لا يمتلكون الدليل القاطع لتوجيه الاتهام وإحالة الملف إلى النائب العام القانوني. غير أن قضايا الشرطة ينتهي التحقيق فيها بعد مدة زمنية، ولكن الشك لا نهاية له وقد لا يقضي على الحياة الزوجية فحسب وإنما على أحد الطرفين.
إن ممارسة سلوك البحث عن أدلة للخيانة الزوجية سلوك مرضي بحد ذاته والأخطر من ذلك أنه يتصدر قائمة الأعراض الطبية النفسية التي تؤدي إلى جرائم القتل.


الحل الأمثل هو السعي لإدراك واستيعاب مشاكل الحياة الزوجية وحلها إن كان ذلك ممكناً.

لا أحد ينكر بأن العلاقة الزوجية تنتهي بالانفصال والطلاق قانونياً، ويبدأ الزوج والزوجة البحث عن شريك آخر. الطلاق قد يكون شأنه عظيم، ولكن الانفصال الروحي والعاطفي بين رجل وامرأة يعيشان تحت سقف واحد قد يكون أكثر قسوة من الطلاق ومشاكله القانونية والاجتماعية. من هذا المنطلق لا بأس لو وضع الزوج والزوجة في تفكيرهما قواعد عامة تساعد كل منهما على فهم وإدراك تصرفات الشريك أحياناً ومحاولة العمل من خلالها لتجاوز أزمات حادة وأحياناً مزمنة.




البحث عن علاج للمشاكل الزوجية


يكثر الحديث في الوسط الطبي النفسي عن العلاج الزوجي Marital Therapy هذا المصطلح بدأ يقل استعماله هذه الأيام وتم استبداله بعلاج الأزواج Couple Therapy في الغرب وبعض بلاد الشرق يتوجه الأزواج إلى معالج نفسي في محاولة للحفاظ على العلاقة الزوجية. لكن الكثير في بلاد الشرق والعالم العربي بالتحديد يتم اللجوء إلى أحد كبار العائلة من الطرفين لحل المشاكل.

في حقيقة الأمر مهمة المعالج النفسي وكبير العائلة لا تختلفان تماماً وكلاهما:

يحرص على الاستماع إلى كلا الطرفين، وقد يستعين برجل أو امرأة أخرى لحل الأزمة.



قد يشير على الزوجين بأن الانفصال والطلاق ربما هو الحل الأفضل.



رغم أن اللجوء إلى طرف ثالث لتجاوز الأزمة يمكن النظر إليه كأسلوب متحضر لحل الأزمات، ولكنه في عين الوقت يعكس ضعف أحد الجانبين أو كليهما ويثير الشكوك بأن هناك مخططا في الخفاء من قبل أحدهما لإنهاء العلاقة، واللجوء إلى العلاج ما هو الا وسيلة دفاع نفسية غير شعورية يتخلص من خلالها الفرد من الشعور بالذنب. بعبارة أخرى يتهيأ الفرد للإجابة عن سؤال المستقبل ويقول قد تم استنزاف جميع الجهود لإنهاء الأزمة ولم يكن هناك بديل للطلاق. هذه حقيقة يكثر ملاحظتها من قبل بعض مستخدمي الصحة النفسية العائلية حيث ترى مثلاً الزوج أكثر الطرفين تحمساً للعلاج الزوجي ولكنه أيضاً قلما يتخذ الخطوات اللازمة للخروج من الأزمة.

لو تمعنت في هذه الإجابة لرأيت أن العلاقات بين الدول المختلفة والعلاقات بين الأحزاب في البلد الواحد لا تختلف أبداً عن العلاقة بين رجل وامرأة في ظل علاقة زوجية.



أما الحل المثالي فهو أن يبحث الزوج أو الزوجة عن الحل في داخل البيت الذي هو أشبه بوطنهما الصغير، دون اللجوء إلى وسيط. على ضوء ذلك لابد أولاً من وجود النية الخالصة لحل الأزمة. متى ما حدث ذلك يمكن القول بأن تجاوز الأزمة والعثور على حل لها أصبح سهلاً.



فهم العلاقة بين الطرفين:

تمر الحياة الزوجية بظروف متعددة ولكنها بعد بضعة أعوام وأحياناً بضعة شهور تبدو وكأن الحياة لديها جدول أعمال أسبوعي أو يومي قلما يطرأ عليه تغيير ملحوظ. هناك خروج الزوج مع أصحابه، زيارات الأهل، اتصالات هاتفية مع الأم، تقسيم جدول الأعمال المنزلية، بل وحتى تنظيم العلاقة الحميمية بين الطرفين ضمن جدول الأعمال. الجميع يقبل بهذا النظام على قاعدة تأثير ضغوط الحياة العملية والوظيفية. هذه المسيرة المنتظمة لا تختلف عن الحياة من جميع جوانبها، وتراها تتعرض لأزمة بعد أخرى. من هذا المنطلق وأثناء هذه الأزمات لا بأس من استيعاب العلاقة الزوجية من خلال بعدين كما يلي:




البعد الأول:
في البداية هناك شعور يهاجم الزوجة أو الزوج بين الحين والآخر تجاه الطرف الآخر، وفي هذا المجال الحديث عن العواطف السلبية مثل الغضب، النفور، القلق، وأشدها الشك. هذه المشاعر تكون في البداية قصيرة وقلما تدوم أكثر من ساعات معدودة، ولكنها أحياناً تبدأ بالتكرار بصورة منتظمة حتى تطغى على العواطف الأخرى. مع الأيام تتحول العاطفة السلبية إلى العاطفة البؤرية التي تحكم قبضتها على الزوجة.

عندما تصل المرأة إلى هذه المرحلة لابد من أن تسأل السؤال التالي وتحاول البحث عن الإجابة: ما هو شعوره نحوي؟.
إن الإجابة على هذا السؤال عسيرة للغاية عندما تسيطر على المرأة عاطفة سلبية تجاه زوجها. قد يكون الجواب أحياناً "لا يزال يحبني" وفي هذا نوع من تحوير الحقيقة. الجواب الآخر "أظنه يكرهني" وفي هذا تبرير أحياناً للعاطفة السائدة على مشاعر المرأة نفسها. هناك أجوبة متعددة ولكن الجواب الأول والأخير هو الذي يصدر من الزوج نفسه. على ضوء ذلك ليس هناك حرجاً في الحديث الصريح مع الزوج أحياناً عن العواطف السلبية التي بدأت تخترق النفس البشرية بين الحين والآخر. هذا الحديث يجب أن تكون بدايته الإفصاح عن هذه المشاعر وتوجيه السؤال نفسه إلى الزوج مثل: "بدأت أشعر بالغضب مؤخراً ولا أدري ما هو تفسيرك لهذه المشاعر".

السؤال الأخير يعطي الفرصة للمقابل بالتصريح عن مشاعره على عكس توجيه السؤال الآتي: "ما هي مشاعرك نحوي هذه الأيام" أو "هل تحبني أم لا؟". الأسئلة الأخيرة قلما تحفز المقابل عل التصريح عن مشاعره بصدق وإنما تؤدي إلى جواب دفاعي تلقائي لا يخلو من تحوير للحقيقة على أقل تقدير.

البعد الثاني: 
علاقة الرجل والمرأة أو بالأحرى علاقة أي منهما بالآخرين لها قالب معين تمت صياغته منذ مراحل الطفولة. هذا القالب في العلاقات مقاومته للكسر قوية ولا تقوى العلاقة العاطفية بين الرجل والمرأة على تدميره بسرعة واستبداله بقالب آخر بمجرد الانتقال من البيت العائلي إلى بيت الزوجية.

في العالم الغربي تسنح الفرصة للرجل أو المرأة بالانتقال من بيت العائلة إلى بيوت الطلبة بعيداً عن البيت. هذا الفراق يعطي الفرصة لتغيير قالب العلاقات، ولكن رغم ذلك ترى علاقة الفرد بالزوج أو بالآخرين تستمر على القالب الذي تمت صياغته منذ مراحل الطفولة. أما في العالم الشرقي ففراق بيت العائلة أقل نسبياً ومقاومة قالب العلاقات للكسر أكثر نسبياً.

إن استيعاب طبيعة علاقات الزوج بالآخرين على خلفية البيئة العائلية التي نشأ فيها تعطي الفرصة للزوجة للعمل على صياغة قالب جديد للعلاقة بينها وبين زوجها. هذا القالب الجديد مع مرور الوقت يستبدل القالب الأول ويضعه على هامش الحياة الزوجية. لكن ليس كافياً الحديث عن صياغة قالب جديد للعلاقات بدون أن تفهم الزوجة أيضاً قالب علاقتها مع زوجها ومع الآخرين والتي حملته من بيت الأهل إلى بيت الزوجية.
ليس هناك أفضل من التطرق إلى طبيعة وقالب علاقات الفرد بالآخرين بين الحين والآخر واستيعاب آثارها السلبية على الحياة الزوجية أثناء الأزمات.


الخلاصة:
غاية هذا المقال إعطاء القارئ بعض الأبعاد النفسية لطبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة في الحياة الزوجية. تتأثر هذه العلاقة بقالب العلاقات الشخصية الفردية الذي تتم صياغته في مراحل الطفولة. يتم استحداث وصياغة قالب آخر مع الحياة الزوجية يطغي على القالب الأول. خلال فترة الأزمات لابد من معالجة الأزمة وإدارتها من خلال البعد العاطفي وبعد العلاقات وتأثيره على الحياة الزوجية.
يبقى الشك وأسلوب البحث عن الأدلة من أشد أنواع السلوك المدمر للحياة للزوجية في إطاره ومضمونه. بدلاً من ذلك يستحسن الرجوع إلى معالجة الأزمات من خلال البعدين أعلاه.