ضغوط و صدمات




الحديث عن الضغوط والصدمات في الطب النفسي أصبح أكثر انتشاراً في الأعوام الأخيرة. تلعب الضغوط والصدمات دورها عموماً في جميع الاضطرابات النفسية كعامل مؤرث Precipitating factor او كعامل يسبب اضطرابات خاصة بحد ذاتها ناتجة من رد فعل الانسان للضغط او الصدمة٫ ولكن ليس من السهولة التمييز بين المجموعتين في إضطرابات القلق والاضطرابات الوجدانية.

 

أنواع الضغوط و الصدمات

العنف المنزلي

الإهمال العائلي

مشاهد العنف المنزلي

الحداد و الفراق

العنف المحلي و الاجتماعي

مشاهد العنف المحلي و الاجتماعي

الاعتداء الجنسي و الاغتصاب

حواد السير

الكوارث الطبيعية

الحروب الاهلية

الصدمات العاطفية

ارتباك المصطلحات

مصطلح ضغط ومصطلح صدمة يتم استعمالهما سوية للتعبير عن أي حدث يواجه الانسان ويؤدي الى ردود فعل نفسية وهذا يثير الكثير من الارتباك.

الضغط Stress هو أي حدث يؤدي الى عدم توازن الانسان بيولوجيا او نفسياً٫ وقد يصاحبه رد فعل ينجح لا ينجح في استرجاع التوازن لفترة زمنية.

اما الصدمة وأحيانا يتم استعمال مصطلح الضغط الصدمي Traumatic Stress فيتم تمييزها بما يلي:

١ تأثيرها الشديد على الانسان.

٢ كثافتها.

لذلك فان تحول الضغط الى صدمة يعتمد على عاملين فقط وهما الانسان نفسه والصدمة نفسها. هناك من الصدمات ما تؤدي الى اضطراب كرب تالي للرضحPost Traumatic Stress Disorder(PTSD) في الغالبية العظمى من البشر مع التعرض لحوادث مروعة٫ ولكن هناك احداث يتصورها الكثير طفيفة تؤدي الى اضطراب كرب تالي للرضح في الأقلية من الناس. القاعدة العامة هي ان التعرض للصدمات المتكررة قد يؤدي الى انخفاض عتبة للإنسان للإصابة باضطراب كرب تالي للرضح.

الاضطرابات الخاصة بالضغوط والصدمات 

حين يتعرض الانسان لضغط او صدمة فان رد فعله يتكون عموماً من ٣ أجزاء:

١ رد فعل عاطفي من قلق واكتئاب واعراض جسدية.

٢ استراتيجيات مواجهة الضغط او الصدمة.

٣ استعمال اليات دفاع نفسية لا شعورية.

القاعدة العامة هي ان كان الضغط يتميز بالتهديد فرد الفعل هو القلق وان يتميز بالخسارة والفقدان مثل الحداد فرد الفعل هو الاكتئاب.

هناك تصنيفات عادة لهذه الاضطرابات وعموما يمكن حصرها في أربعة مجموعات جميع تحمل في طياتها اعراض قلق واكتئاب وهي:

١ اضطراب الكرب الحادAcute Stress Disorder وقد يدوم أسبوعا واحدا.

٢ اضطراب التكيف او التأقلم Adjustment Disorder ومدته لا تزيد على ١٢ أسبوعا في الغالبية ولكن هناك من تستمر اعراض الاكتئاب فيه الى عام واحد او اثنين.

٣ هناك اضطراب كرب تالي للرضح وقد يدوم عاما واحداً و احيانا يتحول الى اضطراب مزمن.

٤ وهناك اضطراب التفارقDissociative Disorder حيث يشعر الإنسان بفقدان التكامل بين وعيه وعاطفته ومحيطه. قد يحدث لوحده أو عند عدم شفاء الإنسان من الاضطراب الثالث.


مواجهة الضغوط

الاستراتيجيات التي يستعملها الانسان عند مواجهة الضغوط يمكن استيعابها من مدرستين وهما الاجتماعية التي تتطرق الى استراتيجية المواجهة الواعية٫ والنفسية التي تتطرق الى اليات الدفاع النفسية. وظائف استراتيجية المواجهة هو حل الازمة او التخلص من الضغط والسيطرة على شدة العواطف المرافقة للضغط النفسي والتوتر. استراتيجية حل الازمة:

١ جمع المعلومات اللازمة للحصول على العون والمساندة.

٢ تنفيذ خطة لحل الازمة والتخلص من الضغط.

٣ مواجهة الازمة عن طريق التحدي واقناع الاخرين بحقوقه.

اما استراتيجية السيطرة على شدة العواطف فأكثر ما يلجأ اليه الانسان هم التعبير عن مشاعره والعثور على من يستمع اليه من الناس. يحاول الانسان مراجعة تقييم وأسباب الازمة بصورة إيجابية ويسعى الى تجنبها في المستقبل.

خضعت آليات الدفاع النفسي Defence Mechanisms لدراسات علمية عديدة ويمكن قياسها سريرياً. يلجأ الإنسان إلى هذه الآليات في مواجهة كل ما / أو من يتعرض له يومياً ويمكن للمعالج التخمين وتعريف الآلية من خلال دراسة حديث الفرد أو تصرفاته. تتميز هذه الاليات بما يلي:

١ غير واعية.

٢ قد تكون صحية أو مرضية وبالتالي تؤدي إلى سلوك غير طبيعي.

٣ وظيفتها الأولى والأخيرة هي حماية الذات أو النفس من القلق والفشل.

يمكن تقسيمها اعتماداً على طبيعتها إلى ما يلي:

١ آليات التوجه نحو الآخرين Turning Against Othersو سلوك عدواني.

٢آليات الإسقاط (إلقاء اللوم على الآخرين Projective Defences والدخول في نزاعات جديدة.

٣ الأليات التثقيفية أو المبدئية Intellectualization.

٤ آليات التوجه نحو النفسTurning against Self والتوجه نحو إيذاء النفس واستعمال الكحول والعقاقير المحظورة.

٥- آليات عكسية Reversal Defences مثل انكار الواقع والحقيقة.

يمكن تلخيص ذلك إن الإنسان عندما يواجه ما يتصوره جرحاً لكرامته أو انتقادا ينتقص من مكانته تراه لا شعورياً قد يهاجم الآخرين، أو يلقي اللوم عليهم، أو يحاول استعمال معلومات ثقافية خاطئة، أو يلقي اللوم على نفسه، وأخيراً قد يكبت الأمر في داخله.

 

عواطف الانسان

لاستيعاب تأثير الصدمات على الانسان لا بد من الالمام بمفهوم العاطفة وموقعه في العلوم النفسية. يصنف الكثير العواطف الى خمسة رئيسيه وهي:

١الفرح.

٢ الحزن.

٣ الغضب.

٤الخوف.

٥الاشمئزاز.

ثم يضيف البعض الذهول والاحتقار ولكن هناك من يقول ان العواطف هذه العواطف ليست ثابتة ومطلقة وينظر إلى العواطف على شكل محاور ثلاثة وهي:
١     محور اليقظة والنشاط Arousal Activity.
٢     التكافؤ Valence ويعني مزاج إيجابي إلى سلبي.
٣     محور الخضوع والتسلط Submission & Dominance .


ذكريات العواطف

هناك ثلاثة مناطق تتعامل مع العواطف وخزنها وهي الجزيرة Insula واللوزةAmygdala والحصين حيث يتم خزن الذكريات.

منطقة الجزيرة Insula هي تحت القشرة المخية. هذه المنطقة كانت لا ثير الاهتمام حتى نهاية التسعينيات حين نشر عالم أعصاب أمريكي أنطونيو داماسيو فرضيته المعروفة المسجل الجسدي Somatic Marker وهي أن التفكير العقلاني لا يمكن فصله عن المشاعر والعواطف. عين العالم يومها بأن منطقة الجزيرة في الدماغ تستلم الأحاسيس حالها مناطق دماغ أخرى وتعطيها درجة معينة تماما كما يتم تقييم ما تكتبه في الامتحان وتستلم درجة مقبول إلى امتياز وأحيانا صفر ويعني ذلك بأن ما كتبته لا يستحق النجاح.

يستلم الانسان الاحاسيس من كل منطقة من مناطق الجسم ويتم إعطائها درجة معينة وبالتالي تدفعك لعمل شيء ما. الجوع يدفعك للأكل والعطش للشرب ووخزة في مكان ما قد توحي لك بأنك مصاب بمرض ما وهكذا. تفسر هذه المنطقة إدمان الإنسان على ما يدمن عليه من سلوك ومواد كيمائية.

الجزيرة موجودة في الكائنات الحية الأخرى ولكنها في الإنسان تتميز بأن مقدمة الجزيرة في النصف الأيمن من الدماغ متوسعة والنصف الأيمن من الدماغ هو الذي يتعامل مع العواطف والمشاعر أكثر من النصف اليسر. من المعروف ان فقدان الجزيرة يؤدي الى فقدان التلذذ بالأصوات والموسيقى تماما والشفاء من كل إدمان. بعد ذلك يتم التعامل مع العاطفة في منطقة اللوزة. ما ندركه اليوم بأن اللوزة Amygdala يمكن تسميتها بمركز عاطفي يتعامل مع العاطفة الواردة من تجارب الإنسان.

لا يفقد الإنسان ذكرياته بسهولة إلا إذا تم تدمير الحصين الأيمن والأيسر تماما وهذا نادر جدا في الممارسة السريرية. تم ملاحظة ذلك في الخمسينيات بعد عملية جراحية لمريض تم استئصال الحصين الأيمن والأيسر معا. أما كاتب السطور فلم يشاهد إلا حالة واحدة لمريض في بداية العقد الخامس من العمر أصيب بنزيف حاد في المخ.

الصورة أدناه توضح مكان اللوزة والحصين في الدماغ وتلاحظ اقترابهما من مناطق الدماغ الأخرى. يمكن دراسة خريطة الدماغ تشريحيا أولا وبعد ذلك دراسة وظائف المناطق المختلفة واتصالاتها مع بعضها البعض، ومن ثم يتم رسم خريطة وظيفية تساعد في فهم عواطف الإنسان وتفاعله مع الأحداث استنادا إلى تجاربه السابقة وذكرياته كما هو موضح في الصورة الثانية.

 

الذكريات

يتم تقسيم الذكريات في الطب النفسي الى:

١ ذاكرة طويلة الأمد Long term.
٢ ذاكرة قصيرة الأمد Short term.


الذاكرة القصيرة الأمد لا تختلف كثيرا عن محاولة الإنسان حفظ رقم هاتف معين بسرعة للاتصال بأحد دون تسجيل هذا الرقم والاحتفاظ به. متى ما انتهت المكالمة الهاتفية انتهى أمر الرقم. يمر الإنسان بهذه التجارب المتعددة بدون أن يبالي بخزنها كما هو الحال أحيانا عند قراءة خبر أو موضوع لا يثير الاهتمام. ولكن في مجال العواطف والذكريات فإن الذاكرة الطويلة الأمد أكثر أهمية من القصيرة الأمد.

يتم تقسيم الذاكرة الطويلة الأمد إلى صنفين:
١    الذاكرة التصريحية أوالبيانية (الإعلانية) Explicit or Declarative يتم خزنها في الحصين.
٢ الذاكرة الضمنية أو الكامنة أو الإجرائية Implicit or Procedural ويتم خزنها في المخيخ والعقد القاعدية في الدماغ. خير مثال على ذلك حركات الأصابع عند عزف مقطوعة موسيقية وإتقان عملية ميكانيكية.

حين تدرس موضوعا ما وتعمل تجربة علمية أو تتعلم قيادة السيارة فالذاكرة البيانية أو التصريحية تتعلق بالدرس نفسه وما حفظته منه. أما اكتساب المهارة الناتجة من هذا الدرس فهي ذاكرة ضمنية. تتذكر ما عملته في التجربة العلمية في كامل وعيك ولكن المهارة التي اكتسبتها تتذكرها بصورة تلقائية وبدون التفكير بها أصلاً.

تتفرع الذاكرة البيانية إلى نوعين. النوع الأول هو ما نسميه بذاكرة السيرة الذاتية أو الحدثية Autobiographical or Episodic والنوع الثاني هي الذاكرة الدلالية Semantic. يتم خزن الأولى في الحصين ويتم التعامل مع الثانية في الفص الجبهي الأمامي. حين يمر الإنسان بتجربة معينة فسيتم خزن هذه التجربة في الحصين. أما الذاكرة الدلالية فهي تتعلق بالأفكار والمفاهيم التي يكتسبها الإنسان من التعليم وتجارب الحياة. لذلك ترى بأن الإنسان لا يكتفي بخزن تجاربه وإنما الدلالات عليها كذلك ويستعملها عند مواجهة تحديات أخرى في المستقبل. بعبارة أخرى لا يكفي أن تخزن التجارب وتعيدها وإنما أن تتعلم منها وتتذكر ماذا تعني أصلاً.

أما آلية الخزن بحد ذاتها فيمكن تسميتها بعملية الاختزال Recapitulation وهي أكثر تعقيدا ولكن التجارب العلمية على الحيوان تشير إلى أن عملية الاختزال تشبه ما يحدث في الدماغ أثناء عملية النوم المصحوب بحركات العين السريعة. هذه العملية سريعة جدا وآليتها في الإنسان لا تزال غير واضحة.

ما نعلمه هذه الأيام بأن هناك مناطق لتخزين الذكريات المختلفة مثل وجوه الاخرين وأجزاء الجسم والكتابة. قد تتذكر أحيانا وجه إنسان قابلته ولا تتذكر اسمه أو تتذكر المكان ولا تتذكر ما حدث فيه وهكذا.

اضطراب كرب تالي للرضح

يتم تعريف الصدمات الجسدية بالدمار الذي تسببه في جسد الإنسان أو أعضائه الداخلية. أما الصدمة النفسية فيتم تعريفها برد الفعل العاطفي القصير المدى والبعيد المدى كذلك.
الدمار الذي تسببه الصدمة الجسدية يعتمد على قوة الصدمة وكذلك على قوة الجسم ولكن متى ما وصلت قوة الصدمة إلى درجة معينة من الشدة فالاحتمال الكبير بأنها ستسبب دمارا ما في جسم كل إنسان. ولكن الصدمة النفسية غير ذلك ولا يمكن التنبؤ بالدمار الذي ستسببه على المدى القريب والبعيد. الأكثر تعقيدا من ذلك هو تعريف الصدمة النفسية واضطراب الكرب التالي للرضح (أ.ك.ت.ر.Post-Traumatic Stress Disorder. هذا الاضطراب أكثر شهرة من غيره من الاضطرابات النفسية عند الحديث عن الصدمة النفسية وله أبعاد سياسية واجتماعية وقضائية ودولية.
الخوف هو أحد العواطف الرئيسية السبعة أعلاه والعاطفة التي يحاول الإنسان تجنبها وترتبط ارتباطا وثيقا بالسلوك التجنبي الذي يمارسه الإنسان حفاظا على حياته وكيانه.

الخوف الشديد الذي ينهك الإنسان ويقضي عليه أيام الحروب والصراعات يعود تاريخه لأيام بلاد الإغريق القديمة وتم تدوينه في كتب التاريخ أيام حروب طروادة. كان يُعرف في القرن التاسع عشر بعقبة السكك الحديدية Railway Spine اعتقادا بأن ضحايا حوادث السكك الحديدية يصابون بالهستيريا من جراء الضغط على العمود الفقري. أما أيام الحرب العالمية الأولى فكان يسمى إرهاق المعركة Battle Fatigue أو فؤاد الجندي Soldier’s Heart ولكن المصطلح الأكثر شيوعا كان صدمة القذيفة Shell Shock ولا يزال هذا المستعمل شائع الاستعمال حتى يومنا هذا. جميع هذه المصطلحات مشتقة من معاناة الجنود المصابين بـ أ.ك.ت.ر. بعد رجوعهم من ساحات القتال وتعرضهم لصدمة بعد أخرى من فظائع الحروب بين البشر.

اللوزة في الدماغ هي التي تتحكم في الخوف وتقرأ جميع الإشارات الواردة من التجربة ومن ضمنها الصوت واللون والرائحة. تبعث اللوزة هذه المعلومات باتجاه الفص الجبهي من أجل تصفية هذه الإشارات والاستعداد لرد فعل مناسب مثل الهرب من الموقف المرعب. ولكن عدم وجود إمكانية لرد الفعل وهول التجربة نفسها قد تؤدي إلى كبت فعالية الفص الجبهي الذي يقرر رد الفعل. بعبارة أخرى هناك من التجارب لا تختلف تماما عن وضع الإنسان في قفص حديدي لا باب للخروج منه. من جراء كبت الفص الجبهي يحتفظ الإنسان بذكريات بدائية أو أولية مثل اللون والرائحة والصوت التي لم يتم تصفيتها. تزور هذه الذكريات الإنسان بصورة منتظمة بعد ذلك في صحوه ومنامه وبسرعة البرق.

يؤدي استرجاع الذكريات البدائية أو الأولية إلى أعراض قلق مثل زيادة سرعة دقات القلب والرعشة والشعور بالهلع وهذه الأعراض بدورها تؤدي إلى تجنب كل ما قد يذكره بالحدث واسترجاع هذه الذكريات. تصبح درجة يقظة الإنسان عالية ولا يستطيع النوم بسهولة وإن فعل تزوره الكوابيس التي لا معنى لها. يؤدي ذلك تدريجيا إلى مضاعفات نفسية أخرى واكتئاب وإدمان على الكحول والعقاقير المهدئة. يتدهور أداء المريض المهني والاجتماعي والشخصي ويتم تهميشه تدريجيا.

ذكريات الصدمة
تمسك الطب النفسي وعلم النفس لعقود من الزمن بنظريات المدرسة التحليلية التي تتمركز حول مفهوم كبت Repression الذكريات الرضحية والتي لا يقوى الإنسان على استرجاعها أو استردادها بسهولة وبالتالي لا يقوى على تجاوز أعصابه والقلق. استرجاع الذكريات المكبوتة عن طريق العلاج الكلامي أو التنويم لا مكان له في العصر الحديث وهذه العملية قد تؤدي أحيانا إلى استرجاع ذكريات مزيفة.

تتم معالجة الذكريات بمرحلتين. يتم ترجمة المعلومات إلى ترابطات عصبية Neural Correlates في المرحلة الأولى. بعد ذلك يتم تعزيز الترابطات العصبية في المرحلة الثانية عن طريق حدوث تغيرات في الاتصالات بين الخلايا العصبية المختلفة.
الذاكرة هي عملية بيولوجية بحتة حالها حال أي عملية بيولوجية أخرى.

القاعدة العامة هي أن الإنسان يتخلص من ذكريات صدمة أو تجارب لا فائدة منها ويضعها جانبا وهذا ما يفعله الكثير وهذه العملية تُعرف بآلية الوقاية من الذكريات Memory Prevention Mechanism. اضطراب أ.ك.ت.ر. هو عملية فشل هذه الآلية ويمكن أن يحدث ذلك لعدة أسباب منها:
١ تكرار التعرض للصدمة وهذا كثر الملاحظة في العنف المنزلي والقسوة على النساء والأطفال.
٢التعرض للصدمة بصورة مستمرة أثناء التعذيب حتى يصل كل إنسان إلى عتبة يتم تدميره نفسيا حينها. صور ذلك بوضوح الكاتب جورج أوريل في روايته الشهيرة 1984 عن الغرفة 101 للاستجواب والتعذيب.
٣التحرش الجنسي والاعتداء على الأطفال في عمر مبكر حيث يكون الدماغ في عملية نمو وتطور وغير قابل على معالجة الصدمات بصورة فعالة.
٤ كذلك يتم التخلص من الذكريات الرضحية مع مساندة الإنسان اجتماعيا وتفاعله الإيجابي مع الآخرين وبالتالي تؤدي التجارب الإيجابية إلى انقراض الذكريات الرضحية وهذه العملية تُعرف بانقراض الذكرىMemory Extinction ولا تحصل هذه العملية مع غياب المساندة الاجتماعية وتسفيه الآخرين لرد فعل الإنسان المصاب باضطراب نفسي من جراء الصدمة واتهامه بالضعف والتمارض.

العلاج
التوجيهات الصحية حول علاج أ.ك.ت.ر. هذه الأيام ضرورة الانتظار لمدة شهر بعد تعرض الفرد لصدمة نفسية قبل تقديم العلاج له. الغالبية العظمى من البشر يتجاوزون أعراض الاضطراب ولكن الأعراض قد لا تتحسن تلقائيا في بعض منهم وهم بحاجة إلى علاج معرفي سلوكي يتمركز حول الرضح نفسه Trauma Focused Cognitive Behavioural Therapy والبعض منهم قد يحتاج إلى تعريض نفسه عن طريق العلاج للمحفزات التي يتجنبها ويسمى ذلك العلاج التعريضي Exposure Therapy .

أما دور العقاقير فهو ثانوي وإن كان لابد منها فهناك عقار الميرتازابين Mirtazapine المضاد للاكتئاب أو عقار مضاد للاكتئاب من صنف ثلاثية الحلقة.
أما علاج استخلاص المعلومات Debriefing Therapy 5 مباشرة بعد تعرض الفرد للصدمة فلا يوجد دليل قاطع على فعاليته في منع إصابة الإنسان بالاضطراب.

نقاش
موضوع العاطفة والذكريات والصدمات له جوانب متعددة منها الفلسفية، النفسية، العلمية، السياسية والاجتماعية. لا وجود الآن لنظريات تفصل بين عقل الإنسان وعواطفه. قلب الإنسان الذي يتحكم في عواطفه مكانه في الدماغ وفي اللوزة بحد ذاتها وليس في القلب أو الفؤاد. هذا الجزء من الدماغ يتحكم في الإشارات التي يستلمها الإنسان في تجاربه اليومية ويتم توزيعها نحو مناطق أخرى من الدماغ لمعالجتها وتصفيتها أولا وبعد ذلك خزن ما يستحق الاحتفاظ به واسترجاعه متى يشاء والتخلص من المعلومات التي لا فائدة منها وعدم الاحتفاظ بها.

يصاحب التجارب البشرية عواطف متعددة. هناك من التجارب ما يرتبط بعاطفة إيجابية وهذه تستحق الاحتفاظ بها كذكرى كما يحتفظ الإنسان بصور المناسبات والأفراح. لكن الصور التي يتم الاحتفاظ بها في عقل الإنسان وخاصة في منطقة الحصين تتميز عن الصور التي تحملها بالجوال بارتباطها بعاطفة أو خليط من العواطف. يمكن أن تتخلص أيضا من الصور البشعة والذكريات الأليمة الموجودة في ألبوم الصور وترميها في سلة المهملات ولكن قلما تقوى على التخلص من الصور التي تحتفظ بها في الحصين والمشحونة بالعواطف التي تم خزنها مع الصور.

يلجأ الإنسان إلى استعمال آلية الوقاية من الذكرى وعدم الاحتفاظ بالذكريات السلبية ولكن هذه العملية قد تفشل لأسباب متعددة تتعلق بظروف التجربة وتكرارها. دماغ الطفل غير دماغ الإنسان البالغ ولا يزال في عملية نمو وتطور وتعرضه لتجربة ولو واحدة من اعتداء جنسي أو جسدي قد تترك خلفها ذكريات تؤثر عليه سلبيا مدى الحياة. تكرار التجربة1 يفعل فعله أيضا وخاصة في ضحايا العنف المنزلي من النساء وكذلك التعذيب في السجون والمعتقلات.

جميع هذه الظروف تشترك بأن الإنسان أشبه بسجين في قفص حديدي لا يقوى على الهرب منه وبالتالي يفشل فصه الجبهي في الدماغ في معالجة الإشارات التي يستلمها من اللوزة ولا يتم تصفيتها ومن ثم يتم خزنها بصور مضطربة لكي تهاجم الإنسان بين الحين والآخر كالحيوان المفترس. في الوقت الذي يكون الخوف والرعب هو محور الذكريات الصدمية أو الرضحية فإن استردادها يضاعف من شدتها في استعمال عاطفة أخرى وهي المفاجأة. هذا ما يحصل في أ.ك.ت.ر وتهاجم الذكريات البدائية الإنسان على حين غفلة في صحوه ومنامه ولا يفهم منها شيئا سوى الخوف والمفاجأة. هذه الذكريات الخاطفة مثل لون وظلام غرفة التعذيب ورائحة الجاني والصراخ جميعها تمثل ذكريات رضحية أولية.

مشاكل تشخيص أ.ك.ت.ر.
تشخيص أ.ك.ت.ر. يختلف عن بقية الاضطرابات الطبنفسية2،3بأنه لا يكتفي بأعراض الاضطراب وإنما يضيف إليها السبب وهي الصدمة. على ضوء ذلك لكي تشخص الاضطراب عليك أن تدون الصدمة والأعراض كذلك.
كان تشخيص الاضطراب (ولا يزال في رأي كثيرين) يعتمد على تعرض الإنسان لصدمة يمكن وصفها بأنها تسبب الخوف والذعر ولا يقوى أي إنسان على تحملها. ولكن هذا المعيار في تشخيص الاضطراب توقف عن وصف ودراسة الصدمة نفسها وأصبح4 يركز على التجربة الشخصية للفرد.

على ضوء ذلك يمكن اعتبار أي تجربة شخصية يمر بها الفرد ويستوعبها على أنها صدمة كافية للتشخيص. وصلت درجة تشخيص الاضطراب مشاهدة مقطع من فيلم رعب على شاشة التلفزيون أو الكمبيوتر. كان قرب المريض من الحدث Proximity في غاية الأهمية لتشخيص المرض وخاصة في الدعوات القضائية ويعني ذلك أن تكون قريبا من مكان حدث ما وتشاهده بأم عينيك ويسبب الرعب والخوف. لكن هذا الشرط تغير وخاصة في التشخيص الطبي وإن كان القضاة يعملون به.

أما الأعراض التقليدية لتشخيص الاضطراب فكانت تدور حول الذكريات الرضحية الأولية واسترجاعها بهذا الإطار والمحتوى وبصورة متكررة وسريعة. يسترجع المصاب بالاضطراب هذه الذكريات أيضا عن طريق كوابيس لا يستطيع وصفها. كان الطبيب النفسي يستعمل وصف الذكريات والكوابيس كوسيلة للتمييز بين المريض المصاب ب أ.ك.ت.ر. والمتمارض حيث يميل الأخير إلى الإسهاب في وصف الذكريات بالتفصيل على عكس الأول. ولكن معيار الأعراض تغير وأصبح التشخيص يعتمد كليا على وصف المريض لأعراضه ولا تزيد قيمة معيار الأعراض عن معيار الصدمة نفسها. بعبارة أخرى أصبح تشخيص الاضطراب عملية قريبة من عملية شخص نفسك بنفسك وهناك الكثير من الأفراد الذين يشخصون أنفسهم بهذا الاضطراب عن طريق الإنترنت أو يساعدهم في ذلك رجال المحاماة والمنظمات الخيرية.

لعبت القضايا القانونية في تعويض المصابين باضطراب نفسي بعد عمليات عسكرية وخاصة بعد حرب فيتنام دورها في تخفيض عتبة الإصابة ب أ.ك.ت.ر. ولكن يد رجال المحاماة امتدت إلى الحصول على أفضل تعويض لضحايا حوادث السير والعنف وكافة أنواع الحوادث. لعب الإعلام دوره أيضا في الترويج لهذا الاضطراب بين الحين والآخر رغم أن أ.ك.ت.ر. هو ليس الاضطراب النفسي الوحيد الذي يحصل بعد تعرض الإنسان لصدمة.

أكثر من 35% من البشر يتعرضون لصدمات نفسية1 ولكن أ.ك.ت.ر. لا يصيب إلا 2 % منهم مقارنة باضطرابات نفسية أخرى تصل نسبتها إلى 20% من الضحايا. ولكن تعرض الإنسان إلى 3 أو أكثر من الصدمات يؤدي إلى الإصابة ب أ.ك.ت.ر فيما لا يقل عن 13% منهم ولكن نسبة المصابين باضطرابات نفسية أخرى يتجاوز ال 40% ويعني ذلك 3 أضعاف الاضطراب الأول.

المستقبل
دراسة العواطف والذكريات فتحت أبوابا جديدة في الطب النفسي والعلوم النفسية وانتقلت إلى مرحلة بيولوجية تعتمد على التجارب والأدلة العلمية. رغم أن أ.ك.ت.ر له شهرته الجماهيرية ولكنه ليس هو المرض الوحيد الذي يصيب ضحايا الصدمة كما يتصور غالبية الناس. انخفاض عتبة تشخيص الاضطراب لا تساعد الطب النفسي كثيرا ولا المجتمع الذي بصورة عامة. ولكن رغم ذلك لا بد من استحداث فريق خاص يعني بتشخيص هذا الاضطراب وعلاجه ورعاية المصابين به سواء كان المريض ضحية اعتداء جنسي في الطفولة أو ضحية من ضحايا الحروب أو الإرهاب أو السجون والمعتقلات.

دور العقاقير لا يزال محدودا واستعمال العقاقير المضادة للصرع لا مكان له ودور العقاقير المضادة للاكتئاب لا يتجاوز سوى المساعدة في تنظيم الحالة الوجدانية الاكتئابية. خير عقار لعلاج أ.ك.ت.ر هو لا عقار.
لا يزال العلاج المعرفي السلوكي هو العلاج الذي يجب تقديمه للمرضى المصابين ب أ.ك.ت.ر. اشتهر كذلك علاج التحصين وإعادة المعالجة بحركات العين بين المعالجين والأطباء النفسيين قبل أكثر من 20 عاما. العلاج يستند على فرضية أن الذكريات الخاطفة التي تداهم الإنسان يمكن مراجعتها وتصفيتها عن طريق حركة العين. لا يوجد دليل مقنع يسند أفضلية هذا العلاج على غيره من العلاجات النفسية.

هناك حقيقة لا تقبل النقاش وهي أن المصاب ب أ.ك.ت.ر يستفيد من العلاج مقارنة بدون علاج ولكن الدراسات العلمية حول فعالية العلاج تعاني من مشكلتين. المشكلة الأولى تكمن في السيطرة على العوامل المختلفة التي قد تؤثر على النتائج والثانية تتعلق بشريحة المرضى الذين يتم علاجهم. عتبة تشخيص هذا الاضطراب بدأت تنخفض تدريجيا4 وربما الكثير من الذين يعانون من الاضطراب الشديد لا يشاركون في هذه الدراسات أو بالأحرى لا أحد يرغب بضمهم. يمكن إدراك مشكلة هذا الاضطراب في مقالات من الولايات المتحدة التي تدعي بأن 50% من السكان يتعرضون لصدمة و8 % منهم يصابون ب أ.ك.ت.ر. لا شك بأن هذا الرقم يثير أكثر من علامة استفهام حول تعريف مفهوم الصدمة والاضطراب نفسه.


المصادر


1- DorringtonS,Zavos H, Ball H, McGuffin P, Rijsdijk F, Siribaddana S, Sumathipala A, Hotopf M(2014). Trauma, post-traumatic stress disorder and psychiatric disorders in a middle-income setting: prevalence and comorbidity. he British Journal of Psychiatry Nov 2014, 205 (5) 383-389.
2- Kessler, R.C., &Ustun, T. B. (Eds.). (2008). The WHO World Mental Health Surveys: global perspectives on the epidemiology of mental disorders. New York: Cambridge University Press, 1-580
3- Rose, S., Bisson J. &Wessely S. ( 2002) Psychological debriefing for preventing post-traumatic stress disorder. Cochrane Library, issue 2. Oxford: Update Software.
4- Rosen GM, Spitzer RL, McHugh PR. Problems with the post-traumatic stress disorder diagnosis and its future in DSM-V. Br J Psychiatry 2008; 192: 3–4.
5- Wessely, S., Bisson, J. & Rose, S. ( 2000) A systematic review of brief psychological interventions (’debriefing’) for the treatment of immediate trauma related symptoms and the prevention of post-traumatic stress disorder. In Depression, Anxiety and Neurosis Module of the Cochrane Database of Systematic Reviews (eds M. Oakley-Browne, R. Churchill, D.Gill, et al). Oxford.