ذهان الحب



تشريح الحب و  ذهان الحب

Neuroanatomy of Love &Its Psychosis


هناك الكثير من الارتباك في الاعلام وحتى في الطب النفسي عند الحديث عن ظاهرة المطاردة Stalking والحب الوسواسي Obsessional Loveو ذهان الحب. التعريف الاجتماعي والقانوني قد يختلف تماماً عن التعريف الطبنفسي. السرد ادناه يحاول القاء الضوء على هذه المفاهيم وتوضيحها.

مصطلح الحب كثير الاستعمال والسماع٫ ولذلك من الصعب ان تربطه باضطرابات نفسية. ما هو الشائع في الممارسة المهنية بان الانسان الذي يعاني من اضطراب نفسي ذهاني او وجداني يفقد قدرته على الشعور بالحب ويشكوا من ذلك٫ ولكن الحب ايضاً هو محتوى إطار عملية ذهانية وهامية. في هذا الإطار ستتم صياغة الحديث عن حب رجل لامرأة رغم ان وهام الحب اكثر ملاحظة في الاناث.

الحب شعور او عاطفة قلما تفارق الانسان٫ ولكنه قد يمر بفترة سبات بين الحين والاخر بسبب ظروف الانسان البيئية. يمكن تقسيم الحب الى جزأين وهما:

١ الشعور والعاطفة وهذه ظاهرة إيجابية خالية من مشاعر سلبية مثل الغضب والعنف والاكتئاب والقلق المفرط. ربط الحب بمشاعر سلبية تتناقض مع مفهوم الحب.

٢ فكرة تتعلق بإنسان اخر اشبه بصورة جميلة تفاصيلها وزاهية الوانها.

عملية الربط بين الشعور والفكرة اشبه بمعادلة رياضية تتم في داخل دماغ الانسان ولذلك لا بد من تشريح الحب في الجهاز العصبي المركزي لاستيعاب موقعه في الاضطرابات النفسي وبالتحديد ذهان الحب.


تشريح الحب

الحب مكانه واحد وهو الدماغ٫ واستعمال مصطلح القلب استعمال مزاجي لا جدال فيه. هناك ثلاثة ابعاد للحب لها موقعها في الدماغ كما يلي:

١ الشعور والعاطفة وموقعها في الجهاز الحوفي Limbic System. يمكن استيعاب الجهاز الحوفي كبناء أوسط في الدماغ وهو جهاز يتواجد في الطيور ايضاً. تمر عبر الجهاز الحوفي أعصاب الشم والروائح ايضاً ولذلك تسمع ارتباط هذه الاحاسيس في الحب. عبر الجهاز الحوفي يتم خزن ذكريات الانسان في الحصين Hippocampus.

٢ الاندفاع هو البعد الثاني للحب ويتواجد في البناء السفلي حيث يتم افراز وتنسيق مختلف الناقلات العصبية الكيمائية والهرمونات ومنها الهرمونات الجنسية Sex Hormones. البناء السفلي للدماغ يعني بجميع الوظائف الفسيولوجية من اكل وشرب٫ التنفس٫ فعالية القلب والدورة الدموية وحركات الأمعاء.

٣ فكرة الحب والتعامل معها من وظائف البناء العلوي للدماغ حيث تتواجد القشرة المخية والفص الجبهي الامامي للدماغ. يتحكم الفص الجبهي بدرجة تثبيط الانسان لسلوكه والتحكم به.

الشعور بالحب يصاحبه ارتفاع فعالية مناطق الدماغ المعروفة بوفرة دوبامين Dopamine فيها وخاصة منطقة النواة الذيليةCaudate Nucleus وهي منطقة التحري عن المكافآت والبحث عنها٫ ومنطقة السقيفية البطنانية Ventral Tegmental Area المرتبطة بالشعور بالمتعة٫ والانتباه المركز والتحفيز للبحث والحصول على المكافأة. هذه المناطق هي جزء من دائرة المكافأة في الدماغ والتي تحتوي على مناطق أخرى منها اللوزةAmygdala والحصين Hippocampus والقشرة الامامية الجبهية. الناقل الكيمائي الذي يدير هذه الدائرة هو دوبامين والذي يفسر الشعور بالمتعة والاندفاع. ولكن الحب لا يخلوا من مشاعر سلبية احياناً ويمكن البحث عن دائرتين لتفسير ذلك:

١ الدائرة الإيجابية التي تربط القشرة الامامية الجبهية بالنواة المتكئة Nucleus Accumbens.

٢ الدائرة السلبية التي تربط النواة المتكئة باللوزة.

هذا يوضح تفاعل النسان مع مشاعر الحب استناداً الى تجاربه الشخصية في الطفولة والبلوغ حيث يسترجع الذكريات المخزونة في الحصين.


الشعور بالحب او بالأحرى الوقوع فيه يؤدي الى وفرة مواد كيمائية متعددة في الجسد وأحدها هرمون كورتيزون ويقابل ذلك انخفاض تركيز الناقل العصبي الكيمائي سيروتونينSerotonin . هذه المعادلة ربما تفسر السلوكيات القهرية التي تصاحب الشعور بالحب وتركيز الانسان على من يحب دون غيره.

هناك ايضاً افراز هرمونات أخرى وهي اوكسيتوسينOxytocin وفاسوبرسين Vasopressin و هي كثيراً ما يزداد افرازها مع التلامس الجسدي حتى ان هرمون اوكسيتوسين يسمى بهرمون الحب٫ و يتم افرازه مع الرضاعة في حين ان هرمون فاسوبرسين كثير الافراز في العلاقات الزوجية الأحادية.


الحب في الطب النفسي

هناك كلمتان تثير قلق الطبيب النفسي عند تقييم الحالة العقلية لمراجعه وهم الحب و الغيرة.  المراجع قلما يشكي من الحب وانما من عدمه٫ ولكن الذي يحدث أحيانا يتم التركيز على حب المراجع لامرأة. الحب في هذا الإطار قد يكون كالاتي:

١ فكرة طبيعية وحديث المراجع عن خيبة امله في عدم قدرته على تحقيق امنيته بسبب قلقه الاجتماعي وضعف مواهبه الشخصية الاجتماعية.  هذا الحديث كثير الملاحظة مع اضطرابات القلق والشخصية.

٢ فكرة وسواسية وحالها حال جميع الأفكار الوسواسية بكونها مزعجة ويحاول الانسان مقاومتها متعارضة مع قيمه الشخصية. لكن الانسان يستعمل مصطلح الوسواس Obsession في الحب للتعبير عن إلهامه بمن يحب.

يتم استعمال مصطلح اضطراب الحب الوسواسي OLD (Obsessional Love Disorder) احياناً في الاعلام للتعبير عن وهام الحب. الحقيقة هو ان لا وجود لمثل هذا المصطلح في تصنيفات الاضطرابات النفسية٫ وهو مصطلح مصطنع يوضح ظاهرة مطاردة الرجل للمرأة سواءً كان ذلك على ارض الواقع او عبر استعمال الهاتف الجوال والانترنت. يمكن القول بان هذا المصطلح يتعلق بسلوكيات غير طبيعية ومن علاماته ما يلي:

١انجذاب قوي لأنسان اخر.

٢ التفكير المستمر بإنسان اخر.

٣ الشعور بضرورة حمية الانسان الاخر.

٤الشعور بالغيرة من علاقات الانسان الاخر.

٥ تدني احترام الذات

٦ ارسال رسائل عبر الجوال بكثرة.

٧ الحاجة للشعور بالطمأنينة على الاسنان الخر.

٨ تدني العلاقات الاجتماعية.

٩ مراقبة الانسان الاخر.

١٠ التدخل في شؤون الانسان الاخر. 

وجود مثل هذه العلامات يثير الريبة في وجود عملية ذهانية او سلوك غير طبيعي مرضي بسبب اضطرابات نفسية أخرى منها:

١ اضطرابات التعلقAttachment Disorder والتي تبدأ في مراحل الطفولة وتؤثر سلبيا على أداء الفرد اجتماعيا في علاقاته مع الاخرين. في الغالبية العظمى هناك علامات اضطراب شخصية بعد البلوغ.

٢ اضطراب الشخصية الحدية التي يتميز باضطراب العلاقات الشخصية مع المقربين من المريض.

٣الهوس الشبقيErotomania والمعروف متلازمة De Clerambault. هذه المتلازمة يعود تاريخها الى عام ١٩٢١ ومنسوبة الى اسم الطبيب النفسي الفرنسي الذي استعمل مصطلح ذهان الحب Psychose Passionelle . تم استعمال مصطلحات أخرى لوصف هذه الظاهرة ولكن في يومنا هذا يتم حصرها ضمن أضطراب الوهام Delusional Disorder.المتلازمة اصلاً لأنسة تعتقد بحبها لأنسان من مستوى طبقي عالي والأهم من ذلك تعتقد بان هذا الكائن يحبها بجنون وان الناس تقف حاجزاً بينه وبينها و ان  سعادتها وسعادة من تحب لا وجود لها بدون اتصالهما حتمياً. تم تقسيم المتلازمة الى صنفين من قبل De Clerambault كما يلي:

١ متلازمة أولية بدون اعراض أخرى.

٢ ثانوية مع وجود اعراض ذهانية أخرى.

هذا التقسيم لا يزال قائماً الى يومنا هذا حيث هناك اضطراب وهامي يتميز بوهام الحب فقط٫ او وهام الحب هو أحد اعراض اضطراب ذهاني اخر. مسار الاضطراب قد يكون مزمناً كما هو الحال في الاضطراب الاولي او يميل الى التكرار مع انتكاسة اضطرابات ذهانية أخرى يتميز مسارها بفترات هدأة وانتكاسة. يجب التركيز  على انظاهرة ذهان الحب ليس حديثة وتم وصفها من قبل سقراط.

سلوك المطاردةStalking Behaviour

 ما تم التطرق اليه أعلاه هو ظاهرة ما يسمى بالحب الوسواسي وذهان الحب. كلاهما يمر بطريق يؤدي الى الخدمات الصحية والقانونية بسبب سلوك مطاردة انسان لأنسان اخر ولجوء الضحية الى الجهات المختصة.  يتم تقسيم المطارد الى خمسة أصناف كما يلي:

المطارد المنبوذ

Rejected Stalker

الباحث عن علاقة حميمية

Intimacy seeker

المطارد الغير كفوء

Incompetent Stalker

المطارد المستاء

Resentful Stalker

المطارد المفترس

Predator Stalker



المنبوذ من مجموعة المطاردين يتميز بغضبه حول نهاية علاقة عاطفية او الطلاق٫ و البعض منهم يخوض في قضايا قانونية حول رعاية الأطفال. هدف المطارد المنبوذ هو دوماً الانتقام٫ و في غالبية الحالات كل ما يحتاجه للشفاء اتقان الانتقال من موقع الغضب الى موقع القبول بالأمر الواقع.

الباحث عن علاقة حميمية هو من صنفين. الصنف الأول هو المصاب باضطراب الحب الوهامي٫ و الثاني مصاب باضطراب ذهاني احد اعراضه وهام الحب٫ و كلاهما بحاجة الى عقاقير مضادة للذهان.

المطارد الغير كفوء يفتقر الى المهارات الشخصية و الاجتماعية لإقامة علاقة حميمية٫ و في جميع الأحوال يقبل بان من يحب لا يبادله الشعور. الكثير منهم يرسل مئات الرسائل الهاتفية هذه الأيام٫ و مصدر ازعاج مستمر لضحيته.

المطارد المستاء  يشعر بالاهانة بسبب نهاية علاقة عاطفية ٫ و يتصور نفسه ضحية من يحب. لا يحمل هذا المطارد مشاعر حب تجاه ضحيته.

اما المطارد المفترس فيتميز بتعدد ضحاياه و متعته فقط سلوك المطاردة و مضايقة ضحيته.

العلاج

لا يصل المريض طوعاً الى مراكز الطب النفسي٫ و في غالبية الأحوال يتم تحويله من قبل جهات رسمية بسبب شكوى ضحيته. يكثر استعمال مصطلح وسواس الحب و لكن مثل هذا المصطلح لا يعني الكثير وربما له صلاحيته في جلسات الطب النفسي لأنسان يعاني من أزمات شخصية او اضطراب الشخصية. اما المصاب باضطراب الوهام فهو لا يقبل سوى حقيقة واحدة وهي ان من يحب يبادله الشعور وبقية البشر تقف حاجزاً بينهما. هذه الملاحظة في غاية الأهمية لتمييز الاضطراب الوهامي.

علاج اضطراب وهام الحب لا يختلف عن علاج بقية أي اضطراب وهامي اخر سوى ان على الطبيب  النفسي و فريقه ضمان سلامة ضحيته و يتم ذلك عبر التعاون مع الجهات الأمنية و الاجتماعية. هناك الحاجة احياناً لعلاجهم قسراً استناداً الى اللوائح القانونية و المهنية المحلية. يستفاد الكثير  منهم من استعمال العقاقير المضادة للذهان اذا تم استعمالها بصورة منتظمة٫ و لكن الفكرة الوهامية بحد ذاتها لا تتلاشى. الدراسات حول المسار الطولاني للاضطراب ضئيلة٫ و في البعض منهم تظهر اعراض سالبة و موجبة أخرى بعد عدة أعوام تشير الى وجود عملية فصامية مزمنة(خبرة الكاتب).

اما سلوك المطاردة فهو الاخر نادراً ما يصل الى مراكز الطب النفسي بصورة طوعية. تأثير هذا السلوك على الضحية اصبح اكثر تعقيداً هذه الأيام بسبب استعمال الهاتف الجوال حيث تتم مطارة الضحية عبر المواقع الاجتماعية وارسال رسائل هاتفية. لكل مطارد ازمته التي تحتاج الى مشورة نفسية يقدمها من له خبرة في هذا المجال.

المصادر

اضغط على الواصل في المقال.