تقييم الخطر



ليس هناك جانباً من الطب النفسي و الصحة العقلية عموماً ما يثير قلق العاملين في هذا الحقل و الجمهور مثل تخمين الخطر او تقييمه من قبل الفريق الصحي. ليس هناك دولة من دول العالم لا توجد فيها تشريعات قانونية خاصة بالصحة العقلية و المرضى المصابين بأمراض عقلية الذين يقحمون أنفسهم في أزمة قانونية. بسبب ذلك نرى بان الصحة العقلية تعني بتخمين الخطر اكثر من اَي اختصاص طبي اخر٫ و لا يمكن القول بان الطبيب النفسي او اَي عامل في الصحة العقلية يؤدي واجبه تجاه المراجع و المجتمع اذا لم يسعى الى تقييم الخطر و تدوينه و يشارك به فريقه و الجهات المسؤولة. اذا لم يفعل الطبيب النفسي او غيره ذلك فهو لم ينصف مريضه و زملائه و نفسه أيضاً.

ابعاد الخطر في الصحة العقلية

هناك ثلاثة ابعاد للخطر في الصحة العقلية و هي:

١ خطر الانسان على الآخرين

٢ خطر الانسان على نفسه

٣ خطر الانسان على صحته

هناك من المراجعين من لا يلتزم بالعلاج و لا النصائح الطبية و هناك خطورة على نفسه بسبب تدهور صحته الجسدية و العقلية. هناك من يشكل خطراً على صحته و كذلك على نفسه و يقدم على الانتحار. هذه الشريحة من المراجعين تشكل الأغلبية و خطر الانسان على نفسه لا يمكن فصله من خطره على صحته. هناك قاعدة طبنفسية أزلية و هو ان احتمال الانتحار يرتفع مع مراجعة طبنفسية واحدة سواء لطبيب نفسي او غيره. ترتفع نسبة الانتحار في الاضطرابات العقلية مع وجود أي تشخيص لاضطراب عقلي و ترتفع اكثر مع وجود اكثر من تشخيص.

نسبة الانتحار في الاضطرابات العقلية

تشخيص

جميع المرضى

تشخيص واحد

تشخيص<واحد

دماغ عضوي

1.2%

0.7%

2.6%

ذهان

6.9%

3.1%

10.4%

اكتئاب

6.3%

6.0%

6.6%

قلق

3.3%

2.5%

4.25

اخرى

3.1%

2.7%

3.7%

الكحول

6.8%

4.7%

3.7%

لا يوجد

0.3%




المصدر: Holmstrand et al: Acta Psychiatr Scand 2015: 132: 459-469 


اما خطر الانسان على غيره فهو ما يثير قلق المجتمع و يشكل السبب الرئيسي في التمييز ضد المصابين بالامراض العقلية و إلحاق الوصمة بهم. الجريمة التي يرتكبها مريض مصاب بمرض عقلي تثير انتباه الجمهور رغم ان الغالبية العظمى من الجرائم يرتكبها إنسان لم يطرق باب خدمات الصحة العقلية يوماً من الأيام. رغم ذلك فان هناك حقيقة لا يمكن غض النظر عنها و هو ان احتمال ارتكاب الجريمة في مريض مصاب باضطراب عقلي اعلـى من البقية.


و الاحتمال الاخر هو ان ارتكاب الجريمة في مريض مصاب بمرض عقلي قد يكون مصدره واحد من اثنين:

١ وجود النية و ارتكاب الفعل لا علاقة له بأعراض المرض العقلي

٢ النية و ارتكاب الفعل يرتبط بصورة مباشرة مع العملية العقلية المضطربة.

الطبيب النفسي المختص في هذا المجال يبدي رأيه في الموضع و لكن القرار الاول و الاخير هو للحاكم و المحلفين.


مثال: مريض يعاني من الفصام في العقد الثالث من العمر. كان يقود سيارته في شارع ريفي. أصدمت سيارة يقودها رجل في العقد السابع من العمر بخلف سيارته. بدلا من تبادل وثائق التأمين٫ خرج السائق الاول و سحب الثاني من سيارته وطعنه بسكين. رجع الى بيته و حرص على تنظيف ملابسه و تخلص من سلاح الجريمة. تم القبض عليه بعد خمسة ايّام. لاحظ رجال الشرطة سوء حالته الصحية و تم الكشف عليه و مراجعة ملفاته الطبية التي اثبتت إصابته بمرض عقلي جسيم. رغم ذلك فان المحكمة لم تقرر إرساله الى مصحة عقلية و حكمت عليه بالسجن المؤبد و علاجه في السجن لاستناجها بان الجرم بحد ذاته ضعيف التعلق بعمليته الذهانية.


معادلة تخمين الخطر

هناك معادلة عامة لتخمين الخطر و هي:

الخطر = احتمال تكرار الفعل xشناعة الفعل او احتمال الاذى

الفعل الشنيع مثل القتل او محاولة الانتحار شنقاً او القفز من علو يؤدي الى ارتفاع الخطر في المستقبل حتى لو حدث مرة واحدة. تكرار الفعل حتى و لو كان طفيفاً نسبيا مثل قطع الجلد او استعمال جرعة عالية من أقراص ٫ او الاعتداء على الآخرين شفويا او تهديدهم هو الاخر يؤدي الى ارتفاع احتمال نجاح الفرد في الانتحار يوماً ما او الاعتداء على الآخرين.

هذه المعادلة التي لا جدال في صحتها تعكس جسامة التحديات التي تواجه خدمات الصحة العقلية و تقييم المخاطر و الأهم من ذلك تفاديها. العوامل التي تتفاعل مع السلوك الانتحاري او الاعتداء على الآخرين و حتى خطر الانسان على حياته يتم تصنيفها الى مجموعتين و هي:

١ عوامل ثابتة Static Risk Factors

٢ عوامل حركيّةDynamic Risk Factors

العوامل الثابتة لا تتغير و لا يمكن التأثير عليها و وجودها ينبه العامل في الصحة العقلية الى ارتفاع خطورة الانتحار او الاعتداء او تدهور الصحة في مراجعه. هذا بدوره يدفع الفريق الصحي الى الانتباه الى العوامل الحركية التي يمكن التدخل فيها و تفادي الخطر.


العوامل الثابتة في السلوك الانتحاري متعددة جداً و يمكن تصنيفها بعضها كالاتي:

١ بيانات ديموغرافية مثل: ذكر بعد العقد الثالث من العمر و مطلق او اعزب.

٢ تاريخ سابق لسلوك انتحاري

٣ تاريخ سابق للعنف و الاعتداء على الآخرين

٤ صفات شخصية

٥ تاريخ عائلي للانتحار و ظروف بيئية قاهرة في الطفولة

٦ مراجعة مركز للصحة العقلية

اما العوامل الحركية التي تتطلب التدخل السريع فهي الاخرى متعددة و معالجتها يؤدي الى انخفاض الخطر و لكن لا يمليه ابدياً. من أمثلة العوامل الحركية في الانتحار مثلا:

١ التفكير الانتحاري الحاد و التحضير للانتحار

٢ أعراض إضطراب عقلي حاد

٣ استعمال عقاقير الادمان بأنواعها

٤ تغير السلوك و التهور مجدداً

٥ عوامل اجتماعية قاهرة جديدة و ديون مادية

٦ كثرة الاتصال مع اخرين يفكرون بالاعتداء على الآخرين او الانتحار عير المواقع الاجتماعية.

 

الخلاصة

الانتباه الى عوامل الخطر و تقييمها من اهم وظائف خدمات الصحة العقلية و لا بد من دراستها في كل مراجع و تدوينها. احتمال ان يقتل المريض المصاب بمرض عقلي نفسه لا يقل عن عشرة اضعاف قتل اخر٫ و احتمال ان يكون ضحية عنف و اعتداء الاخرين اكثر بكثير من اعتدائه على غيره.