النظريات



نظريات الحصار المعرفي(الوسواس القهري)


على مدى أكثر من قرن من الزمان تم حصر نظريات الحصار المعرفي في قطبين. القطب الأول هو الذهني والذي يؤكد على أن الفكرة هي مصدر الاضطراب والتفاعل العاطفي لها ثانوي. بعبارة أخرى إن الفكرة منشأها داخلي من جراء ذكريات وتجارب الفرد وبعدها يحدث خطأ في تفسيرها، وهذا التفسير الخاطئ يؤدي إلى تفاعل عاطفي مرضي ومن هنا تبدأ حلقة مفرغة تؤدي إلى استمرار الفكرة والقلق منها. هذا هو ما صرح به جانيت Janet في بداية القرن الماضي.

أما القطب الآخر المعاكس فيتمثل بالنظرية السلوكية والمعرفية التي ترعرعت في السبعينيات. على ضوء هذه النظرية فإن الطقوس والأفكار المعرفية التي تحاصر الفرد ما هي إلا رد فعل لعاطفة القلق. يشترك هذا النموذج مع نظرية التحليل النفسي التي تعتبر أعراض الحصار المعرفي عملية دفاعية نفسية غير شعورية للتخلص من القلق.

تأثر علماء الجهاز العصبي وليس الطب النفسي بنظرية جانية المعروفة بالهزال النفسي Psychasthenia وبدأ الطريق يتجه نحو اكتشاف الارتباطات الدماغية المختلفة لتفسير ما نعرفه الآن بالحصار المعرفي:

  • عرف جانيه الهزال النفسي على أنها حالة عجز أسبابها فطرية (أساسية) أو مكتسبة بسبب عوامل أخرى.
  • تؤدي هذه الحالة إلى فقدان السيطرة على الأفكار الواعية اللاإرادية.
  • تشجع إطلاق سراح محتوى الأفكار ذات الطابع العدائي، العنيف والجنسي وحركات ذات قالب معين من المناطق السفلى غير الواعية من الدماغ، ومن جراء ذلك:
  • يحدث نقص في التعبير عن السلوك ذات الصفات المناسبة أو المبتكرة أو الاستكشافية.
  • يتم تعطيل عملية التفكير المنطقي واتخاذ القرار.

 هذه النظرية مطابقة للدراسات العلمية المختبرية في العشرين سنة الماضية التي أثبتت إفراط الفعالية الجبهية في المخ التي تعكس صراع الإنسان ضد الحصار المعرفي واضطرابات المناطق التحت القشرية في الدماغ والتي هي مصدر السلوك الحركي الإجباري.

 

الفص الجبهي والحصار المعرفي

هناك عدة مسارات للإرسالات العصبية الكيمائية ولكن في علاج الأمراض النفسية ثلاثة منها تشغل المحيط الأوسع وهي:

  • مسارات السيروتونين Serotonin Pathways  
  • مسارات الدوبامين Dopamine Pathways
  • مسارات النورادرينالين Noradrenaline Pathways

 

يستجيب 40% من مرضى الحصار المعرفي للكلوميبرامين Clomipramine وعقاقير مثبطات إعادة قبط السيروتنين الانتقائية (الم.ا.س. ا)او المعروفة بالحروف اللاتينية SSRI. ويستجيب عدد أكبر من المرضى للعلاج عند إضافة مضادات الذهان التي تعمل على منع فعالية الدوبامين. هذه الملاحظات العلاجية التي تكرر إثباتها تؤكد بأن المسار الأول للسيروتنين والثاني لدوبامين يلعبان الدور الأكبر للتكوين المرضي الكيمائي لهذا المرض.

هناك ثلاث طرق مباشرة وغير مباشرة تربط الفص الجبهي بأجزاء الدماغ السفلى وفي هذا المجال يكون الحديث عن ثلاثة دوائر عصبية تتحكم بفعالية الفص الجبهي في مجال الحصار المعرفي وهي:

١ الدائرة المحجرية الجبهية Orbito-Frontal Circuit تتحكم في السلوك الحضاري والاجتماعي.

٢ دائرة التلفيف الحزامي Cingulate Circuit في  السلوك الاندفاعي.

٣ الدائرة الظهرية الجانبية Dorsolateral Circuit تتحكم في الفعاليات الادارية التي تضمن تقييم الفرد لمحيطه والتخطيط للعمل وحل المشاكل.

أما أجزاء الدماغ السفلى فهي المخطط Striatum الذي يرتبط أولاً بالفص الجبهي وبعد ذلك يرتبط بالمهاد Thalamus. بعد وصول الإشارات إلى المهاد تبدأ المسارات الأخرى متجهة من المهاد إلى الفص الجبهي. على ضوء ذلك فإن الحصار المعرفي ناتج عن عدم التوازن في هذه المسارات التي من خلالها تزداد فعالية الفص الجبهي وأجزاء الدماغ التحت القشرية. لتنظيمها علاجياً يتم الاستعانة بعقاقير مضادة للاكتئاب فعاليتها تعتمد على تحفيز السيروتنين، والعقاقير المضادة للذهان التي تحد من فعالية الدوبامين في الأجزاء تحت القشرية.

هناك القليل جداً من المرضى المصابين بأشد أنواع الحصار المعرفي والذين لا مفر لهم إلا بعلاجهم جراحياً بقطع الاتصال بين الفص الجبهي وأجزاء الدماغ التحت قشرية أعلاه أو استعمال تحفيز الدماغ العميق Deep Brain Stimulation الذي يحتاج إلى دارسات أكبر لإثبات فعاليته.

تطور العلم خلال قرن من الزمان والتزم نظرية الهزال النفسي لدراسة الحصار المعرفي التي تحدث بها جانية في بداية القرن العشرين. على مدى أكثر من عشرين عاماً شهد الطب النفسي مئات الدراسات المختبرية والسريرية التي أكدت دور الفص الجبهي في تفسير اضطراب الحصار المعرفي. يمكن أن تستنج بأن الحصار المعرفي اضطراب تطور عصبي يتفاوت في شدته من فرد إلى آخر، متى ما كان طفيفاً نظرنا إليه على أنه مجرد اضطراب من اضطرابات القلق. ومتى ما كان شديداً في فعاليته نتأكد من أنه جزء من مجموعة اضطرابات التطور العصبي. لكن هناك حقيقة واحدة لابد من قبولها وهي أن الوسواس لا دخل له بهذا الاضطراب.