النزاعات الوجودية


 

الفراق والحرية

من صحة الفرد الى عافية الامة

 Separation & Freedom

Health of the Individual to the Health of the Nation

فقد الأحبة غربة

على (كرم الله وجهه)

خمس خصال من لم تكن فيه خصلة فليس فيه كثير مستمع، اولها الوفاء، والثانية التدبير والثالثة الحياء والرابعة حسن الخلق والخامسة هي تجمع هذه الخصال: الحرية

جعفر بن محمد الصادق(ع): البحار ج 74


الحديث عن الفراق هو الحديث عن العزلة ايضاً، والحديث عن الحرية هو الحديث عن المسؤولية. التطرق الى الفراق والحرية يشمل جميع ابعاد حياة الانسان طوال العمر ويدخل كذلك في مناقشة عافية المجموعات والامة، ولذلك ليس من السهل مناقشة هذه النزاعات في مقال واحد. هذا المقال يتطرق الى أهمية ملاحظة هذه النزاعات في بعض جوانب الحياة الاجتماعية والطبية النفسية.

النزاعات الوجودية التي تتعلق بالفراق والحرية طالما يربطها المعالج والطبيب النفسي بأعوام المراهقة ولكنها في حقيقة الامر تواجه الأنسان طوال عمره. النزاع الذي يواجه الانسان عند الفراق هو قلقه من العزلة واستحالة تعويض الدفيء الذي كان يشعر به سابقاً. ليس هناك اب او ام لا يلاحظ علامات الحزن على وجه الطفل في اول يوم يصحبه الى المدرسة ولا يشعر هو بالحزن نفسه وهو يسلم رعاية طفله لجزء من اليوم الى أنسان أحر.

اما نزاع الحرية فهو صراع الانسان من اجل التحلي بالسلوك الناضج و المسؤول مع شعوره باكتساب الحرية في مرحلة ما من حياته. ليس هناك حرية مطلقة طوال العمر مع انتماء الانسان الى مجموعة بشرية والتفاعل معها ولا وجود ايضاً لهذه الحرية المطلقة مع ارتباطه بشريكة حياته. ولكن هناك حرية مطلقة للفرد في اتخاذ القرار المتعلق بمصيره هو دون غيره وممارسة أي سلوك ليس من شانه الحاق الأذى بالأخرين. كذلك الانسان له مطلق الحرية في التفكير والتعبير عن آرائه بأسلوب يخلوا من العداء والاستهانة بالأخرين.

يضع الطبيب النفسي هذه النزاعات على بعدين وهما:

1 بعد الفراق – العزلة.

2 بعد الحرية – المسؤولية.

يختلف أسلوب العلاج النفسي الكلامي من طبيب الى أخر، والتطرق الى هذي البعدين قد يحدث في جميع مراحل العلاج النفسي. قد يستعمله المعالج النفسي في الجلسات الأولى واحياناً في نهاية فترة العلاج عندما يلاحظ بعض القلق والخوف من قبل المريض على نهاية العلاج الكلامي. الطبيب او المعالج النفسي يشير الى هذا الجزء من العلاج 4,5  على انه معالجة لظاهرة التحويل Transference في العلاج النفسي و لكن صياغتها بهذا الاسلوب لا يستند على دراسات علمية موثوق فيها و ربما استعمال البعد الوجودي في الفراق و العزلة اكثر استيعابا و اقل تكبراً و افقه لغة من استعمال مصطلح غريب على المريض بل و حتى على المعالج النفسي احياناً.


اعوام المراهقة

يكثر التركيز على اعوام المراهقة عند التطرق الى النزاعات الوجودية اعلاه وربطها احياناً بالعديد من الاضطرابات النفسية. النزاع الوجودي ليس بالضرورة سبباً للمرض ولا يوجد دليل علمي على ربط فشل حسم النزاع الوجودي بالاضطراب العقلي، ولكن الانتباه اليه يسهل عملية استيعاب المعاناة التي يمر بها المريض او المريضة.

القهم العصبي هو من أكثر الاضطرابات العقلية التي تظهر اعراضها في اعوام المراهقة. تفارق المريضة طفولتها مع بداية البلوغ العضوي الذي يسبق احياناً البلوغ العاطفي بأعوام عدة. فراق الطفولة هو فراق العناية المركزة من الام مع غياب الأب من الوسط العائلي منهمكاً بعمله او اتصالاته الشخصية.

اعوام المراهقة تعتبر نقطة انطلاق اضطرابات الشخصية بأنواعها وفي طليعتها هذه الايام اضطراب الشخصية الحدية. هذا الاضطراب أكثر تعلقاً بنزاع الحرية مقابل المسؤولية في السلوك ومن جراء ذلك يعتبره البعض نتاج اباحية القرن العشرين التي يصعب على البعض استيعابها، وتوفر المخدرات بأنواعها يضاف اليها قائمة طويلة من السلوك الذي يلحق الاذى بالذات البشرية.

هذه النظرة الاجتماعية لتفسير اضطراب الشخصية الحدية وربطه بعدم تجاوز النزاعات الوجودية يصعب اثباتها. الاستشارات المنشورة على موقع الصحة النفسية الاجتماعية العربية (موقع مجانين) 3 لا تسند هذه الفرضية فعدد الاستشارات لا تختلف يبين قطر واخر وقلما هناك اشارة الى رحيل مستشيره او مستشير الموقع بعيداً عن المحيط العائلي. يضاف الى ذلك لا توجد أي علامة مميزة للمحيط العائلي لهؤلاء الأفراد سوى تكرار الاشارة الى تاريخ تحرش جنسي عند الطفولة او اعوام المراهقة.

مواجهة النزاعات الوجودية وحسمها قد يسبب اعراض نفسية معظمها لا تصل الى درجة العتبة المرضية ولا تتجاوز في مدتها اسابيع معدودة. هذه الاعراض تشمل القلق والاكتئاب والأرق. هناك من يشكوا من اعراض حصاريه او وسواسية في تلك الفترة الزمنية وهي ايضاً قلما يمكن تصنيفها بأعراض مرضية غير طبيعية.

فراق المراهق للبيت في العالم الغربي 1 يعتبر مرحلة انتقال طبيعية، وزيادة نسبة الشباب من عمر 15 – 19 عاماً مع الركود الاقتصادي الحالي يبعث على قلق المؤسسات التربوية. تشير الإحصائيات على ان ما يقارب ال 40% من الشباب يعيشون في البيت هذه الأيام، ولكن الرقم يشمل جميع الطلبة الذين يعيشون في الاقسام السكنية الجامعية. مغادرة البيت العائلي للعيش في السكن الجامعي يكاد يكون امراً مفروغا منه حتى وان كانت الجامعة في نفس مدينة البيت العائلي رغم ان غالبية الطلبة يفضل الالتحاق بجامعة بعيدة عن مدينته لاكتساب الخبرة في الحياة.

هذه الاحصائيات من الصعب العثور عليها في العالم العربي، ولكن استمرار المراهق في العيش ضمن العائلة الممتدة هو المألوف وفراقه البيت حتى عند العثور على عمل ليس شائعاً. ألكثير منهم يتزوج ويشكل اسرة ضمن عائلته. ربما تلعب الظروف الاقتصادية الدور الأكبر في استمرارية نظام العائلة الممتدة في معظم البلاد العربية، ولكن لا يمكن استبعاد عوامل اخرى تتعلق بالمفاهيم الاجتماعية الموروثة. لا توجد دراسات ميدانية يمكن الاستناد عليها حول مقدار تأثير هذه العوامل في مختلف المجموعات البشرية في الغرب، ومقارنة المجموعات الاسيوية (الهندية، والباكستانية، والصينية) بالمجموعات العربية عملية احصائية لا جدوى منها.



الفراق والحرية بعد الارتباط

يدخل الأنسان في علاقة عاطفية ويبدأ مرحلة جديدة من حياته تختلف عن مراحل الطفولة. هذه المرحلة الجديدة تختلف عن سابقتها وتبدأ بحرية الفرد في اختيار من تشاركه الحياة وعندها يتجاوز العزلة ويحرص على عدم الفراق.

هذه المرحلة تواجه الازمة الوجودية الموازية لازمة الفراق – العزلة وهي الحرية والمسؤولية. يجد الأنسان نفسه داخلاً في مؤسسة الزواج التي تفرضه عليه المسؤولية ولكنها في نفس الوقت تقوض حريته التي اكتسبها بعد البلوغ. يشبه الطب النفسي العلاقة بين الرجل والمرأة دوماً بالأناء ومحتوى الإناء، فكلاهما يلعب دور الإناء ومحتوى الإناء، وبدون ذلك قد يبقى الأناء فارغاً والمحتوى ضائعاً. ليس من الغريب الاستنتاج التي وصلت اليه الدراسات المتعددة بان خير مناعة ضد الاكتئاب هو علاقة حميمية بين الرجل والمرأة.

الدراسات والاحصائيات حول الارتباط بين الجنسين هي أحد الابعاد التي يمكن الاستناد عليها لدراسة عافية الامة. الاحصائيات الغربية 2 تستعمل عدة مصطلحات منها الزواج، العيش سوية، الشراكة المدنية، وفي علاقة. يمكن القول بان 50% من الرجال والنساء يدخلون عش الزوجية في منتصف العقد الثالث من العمر. تزداد النسبة تدريجياً وتصل الى أكثر من 80% في بداية العقد الخامس من العمر. تنتهي العلاقة الزوجية بالطلاق بعد خمسة سنوات في 20% من الزيجات وتصل الى 50% بعد 20 عاماً. احتمال زواج المرأة بعد الطلاق او الدخول في علاقة مستمرة يقارب 80-90 % والرجل ما يقارب 70%.

اما الإحصائيات في العالم العربي فهي غير متوفرة للتدقيق ومعظم النشرات والمقالات تتطرق الى مشكلة العنوسة. مصطلح العنوسة بحد ذاته صعب التعريف ولا يمكن الاستناد عليه، ويتم تعريفه في مصر بعدم زواج المرأة بعد دخولها منتصف العقد الرابع من العمر. بعض النشرات تشير الى ان حظ المرأة في تتزوج أضعف بكثير لو كانت تعيش في لبنان والأمارات العربية المتحدة و أفضل لو كانت تعيش في فلسطين. يتجاوز عدد العوانس في مصر العشرة ملايين على اقل تقدير.

هذه العناوين تثير الكثير من القلق ولا بد من ان تعتمد الدول العربية على احصائيات أفضل من ذلك بكثير من اجل وضع خطة لدراسة نمط العلاقات بين الرجل والمرأة وربطها بعوامل اقتصادية واجتماعية و العمل على تجاوزها بعد ذلك.




 المصادر

  1. Aquilino, W. S. and Supple, K. R. (1991), 'Parent-child relations and parent's satisfaction with living arrangements when adult children live at home. Journal of Marriage and the Family, Vol.53, pp.13-27.
  2. Census Analysis (2014). How living arrangements and marital status changed in England and Wales changed since 2001. UK government.
  3. Maganin.com(2013). Consultations.
  4. Malan, D. & Coughlin Della Selva, P. (2006). Lives transformed: A revolutionary method of dynamic psychotherapy (Rev. ed.). London: Karnac Books
  5. Menninger, K. (1958). Theory of psychoanalytic technique. New York, Basic Books