العلاج الجنسي للزوجين


العلاج الجنسي للزوجين


د. سداد جواد التميمي


المقدمة:


هنالك الكثير من البشر، ان كانوا يراجعون اخصائي في الصحة النفسية آو يقابلون من حولهم من البشر، من الصعب ان تتوصل الى الحقيقة حول سلوكهم و كلامهم و شكواهم. في الحياة هناك   هذه الاحتمالات:

1 رواية الانسان نفسه.

2 رواية  الاخرين عنه.

3 الحقيقة.


  تنطبق القاعدة أعلاه على مسألة الافراط الجنسي  التي تتميز بكونها ظاهرة نادرة في مشاكل الطب النفسي عموماً. تثير مسألة الافراط في العمل الجنسي الكثير من الريبة و التساؤلات. الفرد الذي يدعي أصابته بالعلة نفسها  قد يشكوا منها و يسأل ان كان طبيعياً اما لا. في احيان آخري الشريك الجنسي يشكو من سلوك الفرد المبتلى بالحالة.  و لكن شكوى الفرد آو الشريك الجنسي قلما تطرح على الاقارب و الاصدقاء و قد تنتهي على مكتب الطبيب  العام و يتم تحويلها على الطبيب النفسي.


ترى الريبة في كلام الطبيب العام و يفضل عندها تحويل شكوكه الى الطبيب النفسي. الأخير بدوره قلما يقبل مثل هذا التحويل، و الكثير يبدأ بتسفيه القضية التي امامه و قد لا يقبل رؤية المريض.


يستمع الاخصائي النفسي الى الشكوى من الانسان نفسه و لشريكه الجنسي. دوره هنا الوصول الى الحقيقة، و لكن في الكثير من الحالات قد ينتهي أمر المريض بجلوسه امام أخصائي آخر في الطب النفسي لديه المام  بحالات الاضطرابات النفسية الجنسية. لكي نحاول ان نفهم طبيعة هذه الحالات لا بد من التمعن في مراجعة من واقع الحياة.


1 رواية الرجل: رجل في الخمسين من عمره  ذهب الى طبيبه العام شاكيا من كثرة فعاليته الجنسية مدعياً انه لا يتوقف عن مطالبة زوجته التي تصغره بخمسة سنوات بممارسة الجنس والعادة السرية عدة مرات يومياً ولم يشعر بالرضى لمدة ثلاثة اعوام. الرجل يعمل مهندساً كهربائياً، و والداً لشابين في العشرين من العمر أحدهما مصاب بشلل جزئي طفيف منذ الولادة.


كان الرجل مولعاً بقيادة الدراجة البخارية و تعرض الى حادثة سير قبل خمس سنوات تطلبت المراقبة في المستشفى العام لمدة24 ساعة فقط.  ليس هناك في تاريخه الشخصي ما هو غير الطبيعي، و ليس هناك تاريخ لمرض نفسي في العائلة. أنكر و جود علاقات خارج نطاق الزوجية، و لكنه يخشى ان تؤدي طاقته الجنسية التي لا حدود لها الى عمل متهور  و ستكون عواقبه شديدة دون شك.


2رواية المرأة: لم تكن المرأة في غاية الرضى على الحضور و بعد أكثر من طلب أدلت بقصتها. ليس لديها اي رغبة في الجنس لعدة اعوام، و مصابة بالكآبة مع الشعور المزمن بالتعب و الارهاق مع السمنة المفرطة .تعمل ربة بيت منذ أكثر من عشرين عاماً، و لكن الطبخ، التنظيف، و مكوى الملابس  اصبحت مهمة رب البيت و لا شان لها بها.   بدأت بعلاج الاكتئاب منذ عشرة سنوات، و كان رأيها بان دواء الباروكستين   Paroxetine هو سبب   فقدان رغبتها الجنسية، غير انها أكدت ان تلك الرغبة لم تكن عالية طوال العمر.


3 البحث عن الحقيقة:  ان الخطوات الواجب اتباعها في التحري عن الحقيقة هي:


هل هناك حالة افراط جنسي: ان تعريف الافراط الجنسي  Hypersexuality يتطلب مدة لا تقل عن ستة أشهر عن افراط في الخيال الجنسي ، او/و  الرغبة الجنسية أو/ و العمل الجنسي مما تسبب في عمل ضيق نفسي للفرد.  في هذه الحالة و على حسب مقولة المريض لا مجال للشك بإضافة هذا التعبير في تحليل الحالة المرضية.


بعد ذلك تم أتباع الخطوات التالية:


 الخطوة الاولى: التأكد من عدم وجود اضطراب عضوي دماغي، و اول ما يخطر على بال الطبيب في هذه الحالة هو وجود اضطراب وظيفي في الفص الامامي للمخ

 Frontal Lobe Dysfunction.

يتميز الفص الامامي للمخ بانه احدث منطقة من مخ النسان و تتحكم بدقة  وظائفه الادارية مثل التركيز و التنسيق و التخطيط و هي وظائف يمكن  تشبيهها بوظيفة المدير التنفيذي لدائرة او مصنع يضمن ان الانتاج و سير العمل يتم على ما يرام و يتكلل بالنجاح دوماً. و لكن  اعظم مهمة لهذا الجزء من الدماغ هو تحكمه في سلوك ازالة التثبيط     Behavioural Disinhibitionأو بعبارة اخرى الحرص على عدم التهور في السلوك و اتخاذ القرار.


هناك عتبة تتفاوت درجتها من انسان لأخر في التحكم في سلوك ازالة التثبيط. كلما ارتفعت هذه العتبة كلما كان الانسان أكثر تحكماً في سلوكه و حكمة ادارته لفعالياته الفكرية و الاخلاقية. كلما انخفضت هذه العتبة ترى الانسان أكثر تهوراً و اقل حكمة في ادارته لأمور الحياة. هذه العتبة هي على رأس وظائف الفص الامامي للمخ المحفوظ خلف جبهة الوجه.


بعد أجراء الفحوصات السريرية اللازمة و الاختبارات النفسية مع مساعدة من أجهزة الكمبيوتر تبين ان الفص الامي للمخ سليم. على الطبيب النفسي بعد ذلك اتخاذ القرار اللازم لعمل فحوص إشعاعية ان لزم الامر. في هذه الحالة و في غياب الادلة النفسية العلمية بعد عمل الاختبارات لا يوجد اي دافع او سبب علمي لعمل فحوص أشعة للمخ أو قياس تركيز هورمون التستوستيرون  Testosteroneو الذي غالباً يتم القاء اللوم عليه بدون شرعية علمية.


الخطوة الثانية: بعد التأكد من غياب عوامل عضوية لا بد من التوجه نحو تقييم الحالة النفسية للمريض دون التركيز على مسألة الافراط الجنسي.  وصف المريض عدة اعراض للقلق و الاكتئاب مدتهh 6 أشهر و لكن لم تكن لديه افكار انتحارية. لم يكن راضياً عن ادائه الوظيفي و يشكو من عزلته من الناس و الاصدقاء. تطرق بعد ذلك الى اكتئابه  بعد الرجوع الى البيت و القيام بأعمال منزلية متعددة بالإضافة الى قلقه الدائم عن مستقبل ابنه المصاب المعاق. تطرق كذلك الى ان لا مستقبل له و الكوارث ستنهال على بيته و اسرته و ينتهي مشرداً لا بيت له و لا دخل يعينه. يضاف الى ذلك قلق متواصل من جراء مطالبة زوجته بالطلاق و تصفية ملكية البيت و النفقة. في  خلال جلستين لم يتطرق الى الافراط الجنسي أبداً.


في هذه المرحلة لا بد من التفكير بالنموذج الطبي فهو مصاب باكتئاب حاد يصاحبه افكار اطارها اليأس و مستقبل مرعب. وافق المريض على تناول العلاج التالي:

1 سيترالين  Sertraline  100 مغم يومياً.

2 أميسلبرايد Amisulpiride 50  مغم صباحاً و مساءاً.


اختيار العلاج الاول لا يخلو من الانتقاد فهذه العقاقير معروفة أحياناً بانها قد تؤدي الى هبوط عتبة سلوك ازالة التثبيط، و لكنها في نفس الوقت اكثر اماناً اذا فكر المريض بتناول جرعة كبيرة منها لغرض الانتحار. كان العامل الثاني سبباً في ترجيح اختيار الدواء.


اما العلاج الثاني فهو عقار مضاد للذهان يتميز كذلك بتحفيزه افراز هورمون البرولاكتين  Prolactin  و الذي بدوره يساعد في تقليل الرغبة الجنسية عند الرجل. يتميز هذا الدواء عن غيره من العقاقير المضادة للذهان بعمله على المسارات العصبية الوسطية الى القشرة المخية. رغم ان ليس هناك دليلا سريريا يرجح بان هذه الفعالية ترجح استعمال هذا الدواء في مثل هذا الحالة و لكن التفكير المنطقي و التجربة الطبية تدفع الطبيب احياناً لاختيار و تفضيل دواء على اخر عند التفكير بعلاج حالة مرضية معين


الخطوة الثالثة: تحسن حال المريض بعد ثمانية اسابيع  و في نفس الوقت التزم بالتعليمات الموجهة له كما يلي:

1 عدم الحديث عن الجنس.

2 عدم ممارسة الحالة السرية.

3 تنظيم ايقاعه اليومي.

4 الاتفاق مع الزوجة بتأجيل مناقشة الانفصال و الطلاق لمدة ثلاثة أشهر.

5 العمل على طلب المؤسسات الاجتماعية بالمساعدة في رعاية الابن المعاق.


كانت هذه المرحلة هي وضع القيود اللازمة على سلوك المريض في داخل البيت و الذي بدأ يؤثر سلبياً على الاتصال بين الزوج و الزوجة.  بعد 12 اسبوعاً تم توجيه الدعوة الى الزوجة للحضور مع زوجها لمراجعة الحالة المرضية و سير العلاج. 


الخطوة الرابعة: في هذه المرحلة تمت العودة الى قصة المرأة. كانت ولادة ابنها و اصابته بشلل خيبة امل لها و لكل أم. لكنها لم تتهرب من العناية به و لكن اصبحت أسيرة البيت. بدأت تشكي من قلق و اكتئاب و فقدان الرغبة في العمل الجنسي، و تسلط غضبها على الرجل الذي يعمل من التاسعة صبحاً حتى الخامسة  عصراً و بعدها يقابل رفاقه بين السابعة و التاسعة ليالً بكل انتظام و لمدة ثلاث مرات في الاسبوع ناهيك عن 5 ساعات كل يوم سبت . استشارت طبيب نفسي و تم تشخيص القلق و الاكتئاب  و بدأ الباروكستين يتبوأ مقعده في حياتها. شعرت ببعض التحسن و تم زيادة الجرعة الى 60 مغم. مع الوقت تغير حالها و اصبحت:


1 تحمل وزناً يزيد على 80 كغم.

2 لا وجود حافز للتغيير.

3 عدم الاكتراث و اللامبالاة.

4 غياب الرغبة الجنسية.

5 عدم قدرتها على الارجاز Anorgasmia.


ان الاعراض الجانبية لعقاقير مضادة للاكتئاب  تمثل أشكالاً للكثير من المرضى و خاصة النساء في مجال  الحياة الجنسية. قلما تتطوع المريضة بالإفصاح عن عدم قدرتها على الارجاز و تحاول تعليله بالاكتئاب و الطبيب النفسي قلما يسألها عنه و ينتهي الامر بالقضاء على الحياة الجنسية. يمكن تبسيط هذه العلاقة بالرسم أدناه:








اقتنعت المرأة بسحب الدواء تدريجيا و العمل على تنظيم ايقاعها اليومي و العمل على تخفيض وزنها لتفادي مشاكل صحية في المستقبل. بدأت بالعناية بجسدها بعد إهمال دام أعوام و بدأت تسترجع أنوثتها التي القت بها في سلة مهملات .


الخطوة الخامسة:

تمت العودة بعد ذلك الى مناقشة الحياة الجنسية للرجل و المرأة بعد ان أتفقوا على تأجيل الحديث عن الطلاق و الفراق لمدة ستة اشهر. تم الكشف عن ما يلي:

1 لا توجد لهم تجارب جنسية سابقة.

2 لم يكن هناك شكوى من الحياة الجنسية و التي وصفتها المرأة بانها 15 دقيقة كل ثلاثة ايام في العام الاول فقط و بعدها تلاشت تدريجياً.

3 لم تكن هناك شكوى من الرجل و لم ينتقد عدم اعتناء زوجته بجسدها معللاً ذلك بان الحب و الاخلاص هو الاهم. أما المرأة فصرحت بانها ضاقت ذرعاً بأفراطه عن التعبير عن حبه لها و احتضانها و دون ان يتطرق يوماً الى جمالها و عنايتها بجسدها و خاصة في الأعوام الاولى.  رغم انها لم تشك بإخلاصه و لكنها لم تشعر بانها امرأة ذات جاذبية.

4 قلة المداعبة قبل الفعل الجنسي.

5 قصر مدة العمل الجنسي.

6 شكوك المرأة في وصولها الذروة أو الارجاز في العمل الجنسي.


الخطوة السادسة:

تم ارشاد الرجل و المرأة الى مراجعة الاتصال بينهم و التأكيد على القواعد العامة منها:

1 ان الاتصال الجنسي بين الرجل و الامرأة عملية مستمرة و ليست مجرد عملية جماع جنسي.

2 مراجعة ما هي احتياجات الرجل و ما هي احتياجات المرأة من عملية الاتصال الجنسي.

3 عدم التردد في توجيه الانتقاد لإهمال أي من الطرفين لجسده.

4 التأكد من وصول المرأة للذروة او رعشة الجماع Climax حالها حال الرجل. 


النهاية:

لم يتطرق الرجل بعد المراجعات الاولية بعد ظهوره على مسرح المراجعة الطبية النفسية الى الإفراط الجنسي. العكس هو صحيح. لم تكن حياته الجنسية ناجحة و جلبت التعاسة لزوجته. من جراء ذلك تعرض النظام العائلي للكثير من الضغوط بعد رعاية طفل مريض ذو احتياجات معقدة.

لعب عقار مضاد للاكتئاب دوره في تعقيد الحياة الزوجية و من الضروري أحياناً مراجعة و تطبيق جميع نماذج الصحة النفسية في دراسة الحالة المرضية و عدم الاكتفاء  بوصف عقاقير لا تخلو من أعراض جانبية على المدى البعيد و قد تؤدي الى تغيير سلوك و شخصية الانسان.


ان الاتصال الجنسي بين الزوج و زوجته هي فعالية مستمرة لا تتوقف طوال الوقت و ان كانت تتفاوت في شدتها بين الحين و الاخر. المتعة الجنسية هي أخذ و عطاء. دون ذلك هي عملية فسيولوجية قد يضجر منها الانسان عاجلاً ام آجلاً.