الشراء و التسوق و الوسواس القهري



لا يتوقف المجتمع عن تطبيب السلوكيات البشرية المختلفة بين الحين والاخر. الحقيقة هي ان حياة الانسان تتلخص احياناً في حقيقتين. الأولى هو سعيه للبقاء Survival ومتى ما ضمن ذلك يبحث عن المتعة Pleasure والتي يتم الحصول عليها طبيعياً مع إطلاق اندورفين Endorphins  في الدماغ. يمكن الحصول على هذه الاطلاقات في إطار صحي عن طريق: تحسين اللياقة البدنية يومياً٫ ممارسة الطقوس الروحية٫ الثقافة والتعليم الحضاري٫ الاستماع الى الموسيقى وعمل الخير. ولكن هناك ايضاً طرق مختصرة للحصول على اطلاقات اندورفين مثل استعمال المواد الكيمائية٫ الكحول٫ القمار٫ العبث ومن المؤسف احياناً التسوق. فما هو موقع اضطراب الشراء والتسوق في الطب النفسي و، الذي كان يدعى سابقاً بالشراء القهري.

التبذير او الإفراط في الانفاق المادي كان ولا يزال يعتبر علامة من علامات الهوس Mania او الهوس الطفيف Hypomania ويستدعي أحيانا علاج المريض إجباريا مع استعمال الصلاحيات القانونية للطبيب النفسي في المكان فيه. ولكن الحقيقة هي التبذير لا يقتصر على الهوس هذه الأيام وتراه في الاكتئاب. مقابل ذلك هناك أجماع على ان أكثر من 90% من البشر المبذرين يعانون من مشاكل صحية نفسية.

نظرة عامة

في هذه الأيام هناك مصطلحات عدة للتعبير عن التبذير والإنفاق المادي في المجتمع المعاصر. هناك من يتحدث عن الإنفاق او الشراء القهري Compulsive Spending or buying وهناك من يتحدث عن إدمان التبذير. حضارة اليوم مادية وتشجع على الصرف والتحريض عليه مع استعمال مختلف الوسائل النفسية وتوجه رسالة خفية بان شراء أحدث موضة في الملابس او الحصول على آخر أنواع الجوال وتبديل سيارتك سنوياً هو الطريق نحو السعادة.

الإنسان في المقابل يتوجه نحو الصرف المادي والكرم من اجل الحصول على الأصوات الاجتماعية حاله حال نائب برلماني. الأهداف هي:

• تحسين الصورة الذاتية.

• الشعور بقيمة الذات.

 • الشعور باحترام الذات.

العلاج التجاري

الغالبية من الذين يعانون من التبذير القهري أمرهم غير ذلك ويستعملون الصرف كنوع من أنواع العلاج نسميه العلاج التجاري Retail Therapy. يشعر الإنسان بالحاجة إلى تنظيم عواطفه والتخلص من عواطف سلبية. حين يرى سلعة معينة في السوق او الإنترنت لا يستطيع التخلص من الضغط النفسي بسهولة. تبقى صورة السلعة عالقة في ذهنه لفترة ولا يستطيع التخلص منها، ويحاول الكثير مقاومة هذه الرغبة والضغط. يبتعد عن المتجر ويذهب إلى آخر. كذلك الأمر حين التسوق عبر الإنترنت فترى صورة السلعة لا يمكن محوها مع الانتقال الى موقع أخر.

ولكن هناك جانباً آخر للمشهد أعلاه هذه الأيام فجميع ماكينات البحث الإلكترونية تلاحق الإنسان الذي اطلع على سلعة معينة وكلما دخل عالم الفضاء تظهر صورة السلعة التجارية وقد تعلمه أيضا بهبوط سعرها.

في نهاية الأمر يستجيب الإنسان لاندفاعه ويشتري السلعة وبعدها يشعر بالندم والذنب. الفترة الزمنية ما بين الشراء والشعور بالندم والذنب تتراوح ما بين إنسان وأخر ولكنها نادراً ما تتجاوز بضعة أيام وأحيانا قد تكون مباشرة بعد شراء السلعة. هذا يفسر أحيانا طابور الناس في المتاجر لإعادة ما اشتروه بسبب الإنفاق القهري.

الاكتئاب والتبذير

الإنفاق المادي النموذجي في الاضطرابات الوجدانية هو الإسراف بدون توقف في حالات الهوس وعدم الإسراف في الاكتئاب بسبب اليأس والشعور بالخوف من الفقر في المستقبل. لكن التبذير أحيانا علامة من علامات الاكتئاب الغير النموذجي Atypical   Major Depression ويتم تفسيره من قبل المريض بالبحث عن الشعور بالسعادة. كذلك فان التبذير والإنفاق القهري قد يكون نتيجة عدم الشعور بالسعادة في البيت والعمل ولا يدخل ذلك ضمن الاضطراب لكن الحقيقة المعروفة ان هذا السلوك نفسه يؤدي تدريجيا الى الاكتئاب الجسيم Major Depression.

التبذير والعلاقات الزوجية

كثير الملاحظة في الأزمات والخلافات الزوجية التي تصل عيادات العلاج النفسي. شكوى الزوج من تبذير الآخر ضمن عدة خلافات بينهما وفي الكثير من الأحيان يعكس عدم سعادة أحدهما في الزواج. لا يمكن استبعاد السلوك أحيانا كوسيلة ضغط وابتزاز أحد الطرفين للآخر.

الأسباب الأخرى

التبذير أحيانا علامة من علامات الخلل الوظيفي للفص الجبهي Frontal Lobe Dysfunction والذي يؤدي إلى انخفاض عتبة السيطرة على النفس وبالتالي الإفراط في الإنفاق المادي. كثيرا ما يكون المريض عرضة لاستغلال الاخرين. هناك خيار أمام الطبيب النفسي وهو استعمال الصلاحيات القانونية الطبية والتوصية باتخاذ الإجراء القانوني اللازم لحماية المريض من الاستغلال.


مناقشة عامة

السلوك البشري في العلاقات العامة والاقتصادية يختلف ما بين إنسان وأخر. يتحكم الجهاز العصبي المركزي عن طريق الفص الجبهي في تحديد عتبة الإنسان لممارسة سلوك معين يحاول ان يتجنبه وهذا ما نسميه أحيانا عتبة التثبيط. هناك من البشر عتبته عالية ولا يفقد سيطرته وتوازنه بسهولة ولا يستجيب لرغباته في ممارسة سلوك يعلم جيداً بانه غير مقبول وقد يندم بعده. ولكن هناك من هو عتبته لفقدان السيطرة والتوازن منخفضة لأسباب صحية او بيئية وتراه يميل إلى التسرع في اتخاذ القرار ومنها الاستجابة لرغبته في شراء سلعة جذبت نظره.

مهما كانت ظروف الإنسان البيئية فان مسؤولية الإسراف في الإنفاق او التبذير المادي تقع على عاتقه ولا يمكن تعليلها وصياغتها في إطار سلوك الإدمان والشراء القهري. يتحمل المدمن على الكحول والمواد المحظورة المسؤولية وعليه السير في طريق رحلة الشفاء. ولكن يستثنى من هذه القاعدة المريض المصاب بالهوس او الاختلال الوظيفي للفص الجبهي. الإسراف في الإنفاق المادي قد يصاحب الاكتئاب غير النموذجي أحيانا ولكن في اغلب الحالات هو نتيجة سلوك انسان تتراكم عليه الديون ويشعر بالاكتئاب بعدها.

الشراء القهري بحد ذاته ليس من علامات الحصار المعرفي حيث يكون البخل أكثر ملاحظة في شخصية حصارية. مشكلة هذه المجموعة من المرضى تكمن في تأخر اتخاذ القرار وليس التسرع فيه. ولكن الطب النفسي أيضا يتحمل المسؤولية أحيانا في صياغة السلوك البشري في إطار طبنفسي وتضخيم قائمة المتلازمات الطبنفسية وبعدها تقديم العلاج من عقاقير وكلام.

الحقيقة ان مثل هذه الحالات دون وجود علامات اضطراب آخر لا تثير اهتمام الطب النفسي مثل حالات الاضطرابات الجسيمة المصاحبة للتبذير والاستغلال المادي.