الشخصية الحدية



الشخصية الحدية

BORDERLINE PERSONALITY

سداد صادق التميمي

اضطرابات الشخصية بحد ذاتها تثير الكثير من الجدال في الأوساط العلمية والممارسة المهنية. كان مصطلح الشخصية الهستيرية شديد الارتباط بالمرأة في الماضي اما اليوم فان مصطلح حدية Borderlineفمرتبط بها وربما مصطلح ال Borderline أكثر استعمالاً حتى في اللغة العربية. ليس هناك حالة مرضية تثير النقاش في مجال الصحة النفسية مثل اضطراب الشخصية الحدية٫ و هناك الكثير من العاملين في مجال الطب النفسي من لا يقر بوجده اصلاً٫ و يعتبره البعض أنه نتيجة لتغير طبيعة الحياة في جميع أنحاء العالم منذ النصف الثاني من القرن العشرين.

اضطراب مصطلحات اضطراب الشخصية


لا يقل اضطراب الشخصية اضطرابا عن المصطلحات التي تستعمل في هذا المجال. هناك ثلاثة

ل مصطلحات كثيرة التداول في هذا المجال وهي:

1- نمط الفرد Style.

2- الشخصية Personality.

3- اضطراب الشخصية Personality Disorder.

لكل فرد أسلوبه في التعامل مع الآخرين وتنظيم أدائه العملي والثقافي ولا يمكن الجزم بطبيعة شخصيته بمجرد الحكم على سلوكه العام. أما الشخصية فهي تحتوي على أبعاد متعددة منها المعرفية، السلوكية، والعاطفية ولا يجوز إصدار الحكم على شخصية الفرد إلا بدراسة جميع هذه الأبعاد بصورة علمية مفصلة. أما اضطراب الشخصية فتراه مصطلحاً يتم استعماله حين يتميز سلوك الفرد وتعامله مع الآخرين بالتأثير سلبيا عليهوعليهم، اجتماعيا وصحياً. لا يقتصر تأثير الفرد على المقربين منه وانما على بقية افراد المجموعة البشرية التي ينتمي اليها والكارثة تكون حين يتسلم هذا الفرد سلطات إدارية او سياسية.

على عكس النمط والشخصية التي تخضع لتغيرات تطورية قد تستمر إلى منتصف العقد الرابع من العمر وحتى بعد ذلك، فإن اضطراب الشخصية تظهر علاماته مع بداية دخول الإنسان مرحلة البلوغ العضوي في النصف الأول من سنين المراهقة.

يتمثل ذلك بوضوح في السلوك العدواني ضد الاخرين عند الأفراد المصابين باضطراب الشخصية المضادة للمجتمع (أو المستهينة بالمجتمعAntisocial Personality Disorder. تظهر معالم هذه الشخصية في النصف الأول من عقد المراهقة ولا علاقة لها بذكاء الفرد وتعليمه. لا يحس بتأنيب الضمر تجاه الغير بسبب سلوكه العدواني و لا يتعظ من تجربته ولا يستجيب للعقاب.رغم أن هذا التمييز بين هذه المصطلحات لا يزال الأكثر وضوحاً، ولكن هناك من يميل إلى أن اضطراب الشخصية المضادة للمجتمع ما هو إلا مجرد اضطراب عصبي تطوري وأن الكثير منهم ربما مصابين باضطرابات متعددة منها اضطراب عجز الانتباه وفرط الحركة Attention Deficit & Hyperactivity Disorder: ADHD.

تكمن مشكلة اضطراب الشخصية الحدية في أنه يختلف كثيراً عن بعض اضطرابات الشخصية الأخرى ويتشابه مع البعض الآخر غير أن هناك صفة واحدة يتميز بها وهي عدم الاستقرار العاطفي والوجداني، ولذلك يفضل البعض استعمال مصطلح اضطراب الشخصية الغير مستقرة عاطفياً أو الانفعالية Emotionally Unstable Personality Disorder. هذا المصطلح هو المتداول في التصنيف العالمي للأمراض العقلية رقم 10، ولكن شيوع استعمال المصطلحات التي يتم استعمالها من قبل الجمعية الأمريكية للطب النفسي طغت على هذا التعبير وشاع استعمال مصطلح اضطراب الشخصية الحدية. يتميز مصطلح اضطراب الشخصية الانفعالية بأنه أكثر تقبلاً من الشخصية الحدية من قبل الكثير من المرضى ولا يحمل في طياته ذلك الارتباك الموجود بلفظ الحدية والذي يعني للكثير بأنه مقاربا للجنون أو للشخصية المضادة للمجتمع. بعبارة أخرى ليس هناك وجود لوصمة عار اجتماعية في مصطلح اضطراب الشخصية الانفعالية على عكس اضطراب الشخصية الحدية.

عدم التنسيق الوجداني أو العاطفي

AFFECT DYSREGULATION OR EMOTIONAL DYSREGULATION


لا شك أن من جراء هذا الاضطراب في المصطلحات هنالك بعض المستشارين في مجال الصحة النفسية يميل إلى استعمال مصطلح أكثر تقبلاً من المريض ومن الكثير من العاملين في مجال الصحة النفسية وهو عدم التنسيق العاطفي. يمكن تعريف هذا المصطلح كما يلي:

وجود نقص في قابلية الإنسان على التمييز، فهم، والقبول بوجود عواطف معينة داخله. يتبع ذلك ممارسة سلوك موجه في الوقت الذي يعاني فيه من عواطف سلبية مع غياب ترنيم شدة ومدة هذه العواطف. لا توجد القدرة على استعمال طرق صحيحة للتخلص من هذه العواطف السلبية إرادياً، ولكنه في عين الوقت في سعي مستمر للوصول إلى أهداف شخصية معينة مع الشعور بهذه العواطف.

هذا المصطلح ربما أكثر فعالية في العلاج ويحمل المريض المسؤولية في السلوك الانفعالي الذي يعاني منه ويعاني الآخرون من حوله بسببه. أما استعمال اضطراب الشخصية الحدية فهو على عكس ذلك فهو يشير إلى أن المريض مصاب باضطراب عقلي لابد من علاجه باستعمال شتى الطرق واللجوء بإسراف إلى وصف شتى العقاقير مع غياب الأدلة العلمية التي تثبت فعاليتها على المدى البعيد والقصير.

تاريخ اضطراب الشخصية الحدية

 

تم إدخال هذا المصطلح في المجلد التشخيصي والإحصائي الثالث لجمعية الطب النفسي الأمريكية في عام 1980DSM IIIولكنه لم يظهر في تصنيف الأمراض العالمي لمنظمة الصحة العالمية حتى عام 1992في المجلد العاشرICD 10.

اعتمادا على الكثير من الأبحاث الميدانية فإن هذا الاضطراب هو أكثر اضطرابات الشخصية شيوعاً و يتواجد في 2-3% من السكان 4. رغم أن الرقم الأخير قد يصعب القبول به وخاصة عند الحديث عن الشخصية الحدية واضطراب الشخصية الحدية ولكن هناك إجماعاً على أن المصابين بهذا الاضطراب يحتلون 25% من أسرة ردهات الأمراض النفسية وما لا يقل عن 15% من مراجعات العيادة الخارجية لقسم الأمراض النفسية.

إن اعتماد تشخيص اضطراب الشخصية الحدية كمرض عقلي له أبعاده العملية على تقديم الخدمات الصحية في مجال الطب النفسي. هناك إجماع بين العاملين في هذا المجال الصحي أن الخدمات الصحية في الطب النفسي يجب أن تكون موجهة نحو توفير العلاج في كافة المجالات للمرضى المصابين بالأمراض العقلية الخطيرة وبالذات الشيزوفرانيا والاضطراب الثناقطبي الأول (دون الثاني). يتم تقييم مستوى الخدمات الصحية في الطب النفسي على مدى عنايتها ووصولها إلى المرضى المصابين بالأمراض الذهانية، وعلى ضوء ذلك يمكن استيعاب أسباب العداء الخفي من قبل العاملين في خدمات الصحة النفسية، للمصابين باضطرابات الشخصية وخاصة اضطراب الشخصية الحدية حيث يعتقد الكثير منهم بأنهم يستهلكون المصادر المادية والبشرية للطب النفسي بشكل غير متناسب وان اصلاح امورهم يجب ان يتم عن طريق المجتمع وتحملهم المسؤولية.

تاريخ مصطلح الحدية


الترجمة الحرفية لمصطلح Borderline هو خط الحدود وأول من أدخل هذا التعبير (خط الحدود أو الحد) هو سيغموند فرويد في دراسته للحالة المعروف بالرجل الذئب Wolf Man. تتعلق هذه الحالة برجل من أصل ارستقراطي من روسيا تم تحليله نفسياً من قبل فرويد، وكان يعاني من اكتئاب شديد. كان فرويد مولعاً بتفسير الأحلام، وكان حلم هذا الرجل يتعلق بذئاب بيضاء اللون. لكيلا يطول الحديث عن هذه الحالة وملابساتها والتي تم نشرها بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، يمكن اختصارها بأنها تتعلق بمراهق متمرد كثير التعبير عن مشاعره.

لم يتم استعمال هذا المصطلح مرة ثانية حتى عام 1938حين تطرق إليه أدولف شترن Adolph Sternواصفاً به المرضى الذين يتجاهلون ويستخفون بالحدود المهنية في العلاج النفسي. هذا الاستخفاف ومحاولة البعض تجاوز الحدود المهنية كان ولا يزال أحد المشاكل في جميع أنواع العلاج النفسي ولا يقتصر فقط على التحليل النفسي، وكثيرا ما هو أحد أسباب فشل هذا العلاج وتدهور العلاقة بين المعالج او الطبيب النفسي ومريضه. يجب أن يحرص المعالج النفسي على مراقبة الحدود المهنية وعدم السماح للمريض وعدم السماح كذلك لنفسه تجاوزها، وعلى أن يقتصر الاتصال بينهما في أوقات علاج تم تحديد أوقاتها مسبقاً. لا يقتصر الأمر على الأوقات فقط ويجب مراقبة ما يُقال أثناء أوقات العلاج وملاحظة طبيعة السلوك، ومنع الاتصال الهاتفي.

شاع استعمال هذا المصطلح بعض الشيء في الأربعينيات وبدأ الكثير يستعمله وأصبح تشخيصاً يتم إلصاقه بالمريض بعد إلقاء حالته في سلة المهملات بسبب استحالة علاجه او رفضه التغيير. يسمى ذلك بتشخيص سلة المهملات Wastebasket diagnosis على حد تعبير نايت Knight 1954. الحقيقة هي ان الكثير لا يزال يعتقد بان هذا التشخيص هو أقصر الطرق احيانا للتخلص من المريض وعدم علاجه4.

في عام 1967تطرق كيرنبرغ Kernbergإلى تنظيم الشخصية الحدية Borderline Personality Organisation بالتفصيل وشاع استعمال هذا المصطلح في أوساط الطب والعلاج النفسي 4. بعدها أشار كرنكير Grinkerوزملاؤه في عام 1968إلى أن الشخصية الحدية ما هي إلا نتاج التغيرات الاجتماعية التي حدثت عالمياً في النصف الغربي من العالم في القرن العشرين. هذه المقالة لا تخلو من الصحة وربما هذه التغيرات الاجتماعية تفسر شيوع مثل هذا التشخيص في الغرب والشرق هذه الأيام.

ظهر بعد ذلك مصطلح متلازمة الشخصية الحدية Borderline Personality Syndrome في منتصف السبعينيات، وأصبح استعماله شائعاً ومرتبكاً في وقت واحد وأصبح الكثير يتصور بأنه الحد الفاصل بين الأمراض الذهانية والعصابية. هذا الاعتقاد لا يزال سائداً إلى اليوم لكثرة استعمال الحد أو خط الحدود في الصحة النفسية مثل خط حدود الذكاء Borderline Intelligence وكذلك خط حدود الذهان Borderline Psychosis. المصطلحات الأخيرة مصطلحات مرتبكة ويفضل عدم استعمالها جزافاً في الممارسة المهنية.

من جراء ذلك ترى أن تشخيص حال اضطراب الشخصية الحدية ليس سهلاً وطالما ما يحدث الارتباك من جراء تفسير سلوك المريض بسببه رغم وجود أعراض مرضية أخرى. هناك العديد من الأفراد التي يمكن وصف تنظيم شخصيتهم بكونها حدية من جراء استعمالهم لطرق دفاع نفسية مشابهة لتلك التي يتم استعمالها في اضطراب الشخصية الحدية. يتطلب تشخيص الشخصية الحدية وجود أعراض مرضية معينة لا تقل عن الأربعة ولكن وجود عدد أقل من هذه الأعراض أو كانت تلك الأعراض دون العتبة التي عندها توصف تلك بأنها مرضية يستحسن استعمال مصطلح المتلازمة.

يوضح الرسم التوضيحي أعلاه كيف يمكن حدوث هذا الارتباك من جراء ما تم التطرق إليه أعلاه. بسبب التركيز على استعمال مصطلح الحدية كاضطراب او متلازمة او تنظيم يحدث الارتباك في التشخيص بسبب التركيز عليه رغم ان المريض قد يعاني من اضطراب نفسي اخر.

معايير اضطراب الشخصية الحدية

  • تبدد الشخصية Depersonalisation.
  • تبدد الواقع Derealisation.
  • تجارب زورانية Paranoid Experiences.
  • أوهام بصرية Visual Illusions.
  • تفكير مشوش Muddled Thinking.
  • تفكير سحري Magical Thinking.
  • أفكار مرجعيةIdeas of Reference.
  • طريقة كلام غريبة Odd Speech.
  • تفكير مرتبك Disturbed Thinking.


الطب النفسي بين الممارسة والنظرية


في هذا الحقل حول اضطراب الشخصية الحدية Borderline Personality Disorder سأتطرق إلى تشخيص هذه الحالة في مجال الطب النفسي ومشاكله وما يعنيه ذلك للمريض والطبيب والمعالج النفسي.

يتميز اضطراب الشخصية الحدية عن غيره من اضطرابات الشخصية باحتمال ظهور الأعراض التي تؤكد تشخيصه في أعمار مختلفة. أما بقية اضطرابات الشخصية فيمكن تتبع علامات وأعراض الاضطراب إلى بداية سن البلوغ في الغالبية العظمى منها ويمكن تجاوز ذلك والقول جميعها.

يمكن تصنيف بداية ظهور علامات اضطراب الشخصية الحدية كما يلي:

  • 15% بين عمر 13– 17عاماً
  • 50% بين عمر 18– 25عاماً.
  • 25% بين عمر 26- 30عاماً.
  • 10% بين عمر 31– 48عاماً.


هذا الاختلاف في بداية ظهور أعراض الاضطراب يفسر تلكؤ بعض العاملين في تشخيص هذه الحالة وكذلك عدم القبول بها ورفضها إطلاقاً. بدلاً من تشخيص الحالة يقول البعض لابد من التركيز على احتياجات المريض وتلبيتها علاجياً بدلاً من الخوض في تعابير طبية نفسية لا تخلو من وصمة عار للمريض ومن يعيش معه. رغم أن هذا الكلام قد يكون صائباً ولكنه في عين الوقت لا يساعد على قيام تحالف علاجي Therapeutic Alliance بين المعالج والمريض لعدة أسباب:

  • أن تشخيص الحالة يعطي للمعالج والمريض توقعات دقيقة عن مسار الاضطراب.
  • الصراحة في تشخيص الحالة وإعلام المريض بها هي القاعدة الأساسية للتحالف العلاجي.

لا يخلو اضطراب الشخصية الحدية من أزمات شخصية وسلوك انتحاري وتفاعلات مع الفريق المعالج يمكن وصفها بغير المقبولة، وعلى ضوء ذلك يتهيأ المعالج وفريقه لما تخفيه الأيام من مشاكل قد تمتد لعدة سنوات.

الشخصية الحدية و الشخصية المعادية للمجتمع

من الصعب الاعتماد على إحصائيات دقيقة حول حدوث Incidence الحالة في اضطراب الشخصية الحدية وغيرها من اضطرابات الشخصية ولذلك ترى معظم الدراسات العلمية الموثوق بها تتحدث عن انتشارPrevalence الحالة. عند دراسة انتشار الحالة فالحديث يكون عن السكان عموماً وبين المرضى المراجعين لمراكز الطب النفسي. يمكن إيجاز هذه الدراسات كما يلي:

  • 0.4– 3% في السكان عموما.
  • 15-25% بين المراجعين لمراكز الصحة النفسية.

لا يصعب ملاحظة التفاوت الموجود في هذه الدراسات والذي يمكن تفسيره بالصعوبات التي تواجه أي باحث في التشخيص الدقيق لهذه الحالة. أما انتشار هذا الاضطراب بين طبقات المجتمع عموماً فإن هناك إجماعا على عدم وجود أي فرق في تشخيص هذه الحالة سواء كان المراجع من طبقة غنية أو معدمة.

غير أن هناك اختلافا في انتشار هذه الحالة بين الرجال والنساء. هناك إجماع على أن ثلاثة أرباع (75%) المرضى المصابين بهذا الاضطراب هم من الإناث. وليس من الصعب تفسير هذا الاختلاف بين الذكور والإناث إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن هناك بعض الصفات التي تجمع بين اضطراب الشخصية الحدية واضطراب الشخصية المعادية للمجتمع Antisocial Personality Disorder (أو المستهينة بالمجتمع Dissocial Personality Disorder) حيث أن نسبة الذكور في الحالة الأخيرة أكثر من الإناث وعلى ضوء ذلك يمكن تصور حدوث توازن بينهما.بعبارة أخرى لو تم جمع عدد الذكور المصابين باضطراب الشخصية الحدية والمستهينة بالمجتمع فان يساوي عدد الإناث المصابات باضطراب الشخصية الحدية واضطراب الشخصية المستهينة بالمجتمع.

 يشترك اضطراب الشخصية الحدية مع بعض مظاهر اضطراب الشخصية المعادية للمجتمع. ترى الشخصيتان تجتمع فيها الملاحظات التالية:

  • التهور بأنواعه ويكون على أشده فيهما في العلاقات مع الآخرين.
  • الغضب وفقدان التوازن في التعامل مع الآخرين لأتفه الأسباب.
  • المجازفة والاستهتار في الحياة مهنياً واجتماعياً.

هذه الصفات الثلاثة قد يكون لها تأثيرها في تشخيص الحالة وليس من الغريب أن ترى بعض العاملين يستعمل مصطلح شخصية معادية مع صفات حدية أو العكس تماماً وهو شخصية حدية مع صفات مضادة للمجتمع. رغم أن هذه المصطلحات المتداولة مقبولة ولكنها لا تساعد في التخطيط للعلاج النفسي واتخاذ الاحتياطات المناسبة لتفادي الأخطار حاضراً ومستقبلاً.

هناك صفات تراها في الشخصية المعادية للمجتمع دون الشخصية الحدية وهي:

  • الإفراط في استغلال الآخرين.
  • عدم الشعور بالذنب إطلاقاً من جراء إلحاق الأذى بالآخرين.
  • ترى غياب التعبير العاطفي في كلامهم عن ماضيهم وحاضرهم ومصير ضحاياهم.

أما الشخصية الحدية فهم على عكس المعادين للمجتمع:

  • جميعهم يبحث عن من يساعدهم لاجتياز أزماتهم.
  • الإفراط في التعبير عن احتياجاتهم العاطفية والشخصية وخاصة لمن يعيش معهم. قد ينتقل هذا العوز الذي لا نهاية له من العائلة إلى الفريق المعالج مما يستوجب الانتباه إليه.

تميل الشخصية الحدية إلى الإفراط في وضع الناس في إطار لا حدود له من المثالية يوماً ما أو في إطار  لا قيمة له إلى حد الإسراف في تسفيه ونقد الآخرين.

لتوضيح ذلك يرجى مراجعة الجدول أدناه.

 معادية للمجتمع Antisocial

سمات مشتركة بين الشخصيتين

 حدية Borderline

الاستغلال

عدم الشعور بالذنب

غياب التعبير العاطفي

 

التهور

Recklessness

المجازفة

Risk Taking

الغضب

Anger

 

البحت عن العون

احتياجات لا حدود لها

الميل إلى تسفيه

أو تعظيم الآخرين

 



يمكن القول بأن 25% من الشخصيات المعادية للمجتمع يضاف إليهم تشخيص اضطراب الشخصية الحدية والعكس صحيح كذلك.

الشخصية الحدية والشخصية النرجسية

أما الشخصية النرجسية Narcissistic Personality فأمرها لا يختلف كثيراً عن الشخصية المعادية للمجتمع، ولكن يجب الانتباه إلى أن الصفات النرجسية عموماً وليس اضطراب الشخصية النرجسية Narcissistic Personality Disorder ، شائعة في عصرنا هذا والسبب في ذلك أننا نعيش في حضارة نرجسية بكل معنى الكلمة.

يشترك اضطراب الشخصية الحدية مع اضطراب الشخصية النرجسية بالصفات التالية:

  • كثرة الحساسية عند توجيه الانتقاد إليهم أو رفض سلوكهم ومقترحاتهم.
  • الغضب العارم لأتفه الأسباب أحياناً.
  • كثرة الحديث عن حقوقهم والتي تبدو أحياناً وكأنها لا حدود لها.

لكن الشخصية النرجسية تتميز عن الشخصية الحدية بوجود الصفات أدناه:

  • لديهم صورة ذاتية تتصف بالفخامة.
  • لديهم إحساس بأنهم أكثر قدرة وعظمة من بقية البشر.
  • الحاجة إلى أن يعلن الناس عن إعجابهم بشخصيتهم.
  • لا هم لهم سوى موقعهم بين الناس وإنجازاتهم. باختصار حالهم حال الطغاة الذين يتسلطون على البشر والشعوب وخاصة في العالم العربي.
  • سيمة التهور.
  • عدم القدرة على تحمل الوحدة والخوف الدائم من هجرة الآخرين لهم.
  • أحد همومهم قبول وعناية الآخرين بهم.

لتوضيح هذا التعقيد يرجى مراجعة الجدول أدناه:

 نرجسية Narcissistic

سمات مشتركة بين الشخصيتين

 حدية Borderline

الفخامة

التعالي على الآخرين

الحاجة إلى إطناب الآخرين

العناية بموقعهم الاجتماعي

 

حساسية تجاه النقد

Sensitivity to criticism

الغضب

Anger

المطالبة بالحقوق

Claim Rights

 

تهور

الخوف من الوحدة

القلق من رفض الآخرين

 

يمكن القول بأن 25%من يتم تشخيصهم اضطراب الشخصية النرجسية يتم تشخيصهم كذلك بالشخصية الحدية و15 % ممن يتم تشخيصهم بالشخصية الحدية يضاف إليهم تشخيص اضطراب الشخصية النرجسية بعد ذلك.

الشخصية الحدية والاضطرابات الوجدانية


يكثر تشخيص الاكتئاب (50%) والاكتئاب الجزئي (70%) في المصابين باضطراب الشخصية الحدية. يتعرض المصابون باضطراب الشخصية الحدية لضغوط اجتماعية متكررة تؤدي بهم إلى الشكوى من أعراض الاكتئاب لفترات طويلة وقصيرة ولكن قلما تكون بنفس مسار وحدة الاكتئاب في المرضى الذين لديهم ميل بنيوي للإصابة بهذا المرض. كذلك فإن استجابتهم للعلاج يصعب التخمين بها5، وإن استجابوا للعلاج فمن الصعب التأكد إن كان العلاج نفسه هو السبب في تحسنهم.

هناك قاعدة عكس ذلك وهي أن 10– 15% من الذين يشتكون من الاكتئاب يتم تشخيص اضطراب الشخصية الحدية فيهم. على ضوء ذلك لابد من الانتباه إلى القواعد التالية:

  • غياب الطاقة الشخصية وكثرة الشكوى من التعب والإرهاق.
  • الظهور بشكل رديء وسيء أمام الآخرين ويشير ذلك إلى الاكتئاب.
  • وجود معالم لسلوك اتكالي على الغير.

غير أن مرضى الاكتئاب تكثر فيهم أعراض القلق والشعور المتواصل بعدم الأمل والخيبة الدائمة. أما اضطراب الشخصية الحدية فترى كثرة التهور، تسفيه الآخرين، واضطراب العلاقات الشخصية ناهيك عن كثرة شكواهم من الغضب والوحدة والشعور بالملل.


رغم كل ذلك فقلما ترى مريضاً مصاباً باضطراب الشخصية الحدية لا يتعاطى عقاقير مضادة للاكتئاب رغم عدم فعاليتها في معظم الأحيان.

أما الحيرة في التشخيص فتكمن في التمييز ما بين اضطراب الشخصية الحدية واضطراب الثناقطبي. اضطراب الثناقطبي الأول Bipolar I Disorder يسهل تمييزه من اضطراب الشخصية الحدية في معظم الحالات إن كان هناك تعمقاً وحرصاً في دراسة حالة المريض. رغم ذلك ترى أن 15% من المصابين بهذا الاضطراب يضاف إليهم اضطراب الشخصية الحدية مع مرور الأيام و5% من المصابين باضطراب الشخصية الحدية تظهر لديهم اضطراب الثناقطبي الأول.

الصعوبة الكبرى هي في تشخيص اضطراب الثناقطبي الثاني Bipolar II Disorder. يتفق الكثير بأن مسار وتاريخ الاضطرابين متشابه إلى حد ما وتكثر نسبة الإناث فيهما. كلاهما يحمل في طياته خطورة الانتحار بصورة متشابهة (1.5%) وعلى ضوء ذلك ترى بعض المقالات تنصح بأن يفكر الطبيب النفساني بأنهما اضطراب واحد، رغمأن هذه المقالة ظهرت قبل شيوع وانتشار علاجات نفسية خاصة باضطراب الشخصية الحدية ولكن الحقيقة بأن معظم الأطباء يميل إليها في الممارسة العملية بل ويفضل الكثير استعمال مصطلح الثناقطبي لإرضاء المريض والاكتفاء بوصف عقاقير يطلق عليها عقاقير تنظيم المزاج رغم أن معظمها لم تولد من أجل ذلك الفعل.

تشترك الشخصية الحدية في اضطرابها مع الثناقطبي الثاني بما يلي:

  • التهور او الاندفاع.
  • عدم الاستقرار أو التوازن الوجداني.
  • كثرة مظاهر الغضب في السلوك.
  • الحديث عن الانتحار والسلوك الانتحاري.
  • غياب الاستقرار في العلاقات الشخصية.
  • كثرة الحساسية لتفاعل الآخرين وفراق المقربين.
  • قلما ترى شخصية حدية لا تحمل معها انطباعا رديئا عن ذاتها لا يصعب اكتشافه إن طال الحديث معها. أما الثناقطبي فتراه على العكس من ذلك حيث ترى المصابة بهذا الاضطراب قليلة الحساسية في العلاقات الشخصية ولديها شعور وإحساس بالعظمة والتكبر على الآخرين لا يخفى على أي من يتحدث معها أيام حصول الاضطراب الوجداني.
  • هناك ملاحظات أخرى للتمييز بين الاضطرابين لو تمسك بها الطبيب لا يصعب عليه التشخيص وهي:
  • أن التهور وعدم انتظام المزاج يزداد في الشخصية الحدية نتيجة رد فعل لأزمات شخصية أما في اضطراب الثناقطبي فهو تلقائي.
  • ترى المزاج والوجدان في الشخصية الحدية كثير العمق والقوة ويسهل الإحساس به من قبل الآخرين. أما في الثناقطبي فهو على عكس ذلك سطحي في مظهره ويميل كثيرون لإضافة تعبير السخافة إليه.
  • سلوك الشخصية الحدية في سعي مستمر للحصول على عطف بقية البشر وكثير الحساسية لأية إشارة بالرفض. أما الثناقطبي فلا يهمه هذا الأمر من قريب أو بعيد.
  • أما إذا تمعن الطبيب النفسي وحرص على صياغة الحالة بصورة نفسية حركية لاكتشف أن الدفاع النفسي اللاشعوري في الشخصية الحدية يتصف بالانشقاق أو الانفلاق Splitting وعلى ضوء ذلك يتم استقطاب Polarization الدنيا والبشر في قطبين لا غير ومن جراء ذلك يكثر الشعور بالغضب. أما الثناقطبي فهو ينكر الحقيقة ويحورها استجابة لمزاجه ومتى ما طلبت منه أن يتفحص الحقيقة استهزأ بك.

إن القاعدة الرابعة هي من أهم القواعد ولو بذل الطبيب جهداً أكثر في دراسة الحالة لما صعب عليه التشخيص واستغنى عن قاعدة تخلو من أي استناد علمي وهي أن استجابة المريضة لعقار ملح الليثيوم بصورة جيدة تعني الاضطراب الثناقطبي (Links et al 1990) ونصيحة لكل طبيب أن لا يفعل. لتوضيح ذلك يرجآ مراجعة المخطط ادناه.


الشخصية الحدية واضطراب الكرب التالي للصدمة (أو التالي للرضح POST-TRAUMATIC STRESS DISORDER)


هناك حقيقة علمية وهي كثرة ملاحظة تاريخ ماضي للتحرش الجنسي أو بالأحرى الاعتداء الجنسي أيام الطفولة Childhood Sexual Abuse إذ تتراوح التقديرات في هذا الأمر بين 40% إلى 75% من المرضى إلى إخبار المعالج عن اعتداء جنسي أيام الطفولة ولكن من جهة أخرى الثلث ينكرون ذلك. كذلك الربع منهم يخبرون عن اعتداء جسدي أيام الطفولة Childhood Physical Abuse. تكمن مشكلة هذه الأرقام في ربط الاعتداء الجنسي واضطراب الشخصية الحدية في إن كان الأول هو السبب الأول والأخير لظهور أعراض الاضطراب.

البعض من العاملين يتصور أن هذه الأرقام من نسج خيال المريضة وهذا إن لم يكن خطأً بحد ذاته فهو خالٍ من التقمص العاطفي Empathy الواجب في التعامل معها. ولعل هناك سبباً آخر لمحاولة بعض الأطباء عدم الخوض في هذا الأمر وهو التعقيدات الاجتماعية والعلاجية الناتجة عنه. هذه الظاهرة يجب الانتباه إليها اجتماعياً وإن كان الاعتداء الجنسي يجري خلف الستائر في الكثير من الحالات ولا يتم الافصاح عنه ولا يصل الى مراكز الطب النفسي. ولكن الحقيقة المرة ايضاً هي الاعتداء الجسدي والضرب المبرح للأطفال قلما يتم استنكاره من المجتمع العربي.

يميل بعض الأطباء إلى تشخيص اضطراب الكرب التالي للصدمة دون الشخصية الحدية حتى في وجود الاضطراب الثاني بوضوح. يمكن ذلك إذا تم ملاحظة الأعراض التالية:

  • ذكريات عن الماضي بدائية المعالم.
  • كثرة الأعراض الانفصالية.
  • الابتعاد واعتزال الناس اجتماعياً.
  • أما المصابات اضطراب الشخصية الحدية فهن متعطشات لجذب عطف من حولهم والمطالبة بالحماية ويضاف إلى ذلك شعورهن بالغضب إن تعرضن إلى أذى عاطفي. لا يتوقف اضطراب الكرب التالي للصدمة في تاريخ المريضة الشخصي الماضي ولكن ترى 40% منهن قد يصيبهن هذا الاضطراب من جراء التهور والفعالية العاطفية التي تفعل فعلها بين الحين والآخر مما يعرضهن للصدمات والاستغلال من بعض البشر.

اضطرابات الطعام (الأكل) العصبي والشخصية الحدية

 

تكثر ملاحظة القهم العصبي Anorexia Nervosa في اضطرابات الشخصية الحدية (5%) بينما يتم إضافة اضطراب الشخصية الحدية إلى 20% من المصابات بالقهم العصبي. أما النهم العصبي (أو النهام العصبي) Bulimia Nervosa فتراه فيما لا يقل عن 20% من المصابات باضطراب الشخصية الحدية ويتم إضافة الاضطراب الأخير إلى 20% أيضاً من المصابات بالنهم العصبي. يضاف إلى ذلك ترى السمنة في 5% من المصابات باضطراب الشخصية الحدية ويضاف اضطراب الشخصية الحدية إلى 10% من اللاتي يتم تشخيصهن بهذه العلة.

يجب ملاحظة أن اضطراب الشخصية الحدية قلما يتم تشخيصه في الفتيات المصابات بالقهم العصبي الواضح ومن عمر مبكر على عكس النهم العصبي حيث هو أكثر شيوعاً. يقول البعض أن العلاقة بين هذه الاضطرابات والشخصية الحدية يمكن تتبعها إلى علاقة الفتاة بأمها وتصميمها على معاقبتها من جراء تعلق غير صحي. كذلك يجب الانتباه إلى أن هناك علاقة بين السمنة والاعتداء الجنسي في الطفولة والذي قد يفسر ارتباط السمنة بالشخصية الحدية.

الشخصية الحدية واضطرابات أخرى

 



تكثر ملاحظة اضطرابات معاقرة المواد (35%في اضطرابات الشخصية الحدية والتي قد تشكل عائقاً في تقديم الخدمات العلاجية. الكحول لوحده تتم ملاحظته في الربع من الحالات. أما الاتجاه المعاكس لإضافة الشخصية الحدية للمصابين بمعاقرة المواد فهو 10% لجميع المواد و 5% للكحول.

كذلك يكثر ملاحظة الاضطرابات الجسمانية النفسية في 5% من الحالات بينما يتم إضافة اضطراب الشخصية الحدية إلى 10% من المصابين بهذا الاضطرابات. لذلك يجب على جميع العاملين في مجالات الطب الإلمام بالشخصية الحدية والانتباه إليها.

العلاج


التوجيهات المبدئية لعلاج الاضطرابات النفسية بدأت بالانتشار في عالم الطب والصحة النفسية منذ تسعينيات الألفية الماضية. هذه التوجيهات تم استحداثها لعدة أسباب في مقدمتها ضغوط شركات التأمين في الولايات المتحدة الأمريكية والتي تتولى دفع مصاريف العلاج الطبي والنفسي، حيث تطلب هذه الشركات تشخيصاً واضحاً وصريحاً، وتتوقع أن العلاج سيتم في ضوء التوجيهات التي تنشرها الجمعية الأمريكية للطب النفسي.

أما العامل الثاني الذي لا يقل أهمية عن الأول فهو الضغط الاقتصادي على المؤسسات الطبية الحكومية منها والأهلية. ما أن وصل حزب العمال إلى الحكم في بريطانيا في الالفية الثالثة حتى حرصت الدولة على استحداث المعهد الوطني للممارسة السريرية المتميزة (National Institute of Clinical Excellence (NICEوبرغم أن ليس هناك ما يلزم الطبيب بالالتزام بتوجيهات المعهد 2، إلا أنها تعتبر مقياساً لتقييم الخدمات أحياناً، ومن الحماقة ان لا يلتزم الطبيب بها في كافة مجالات الممارسة. هذه التوجيهات بدأت تنتشر وتشكل جزء لا يتجزأ من تعليم طلبة كلية الطب.

بعد هذه المقدمة، السؤال الذي يطرح نفسه: ما هو موقع العقاقير الطبية في علاج اضطراب الشخصية الحدّيّة ضمن هذه التوجيهات؟الجواب ببساطة هو: التوجيهات تقول إن لا دور للعقاقير في علاج الشخصية الحدّيّة. ولكن الممارسة الطبية تثبت عكس ذلك تماماً؛ قلمّا ترى مرضى هذا الاضطراب يراجعون العيادات الطبية، وهم لا يتعاطون عقاراً أو أكثر، ما هي الأسباب؟:

  • هناك من يقول أن التوجيهات لم تستحدث إلا لسبب واحد وهو أنها معرضة للتجاوز. رغم أن هذه المقولة لا تخلو من الصحة، إلا أنها أقرب إلى الاستثناء منها إلى العموم في الممارسات الطبية. لكن السبب الأقرب إلى الحقيقة هو أن المصاب باضطراب الشخصية الحّديّة في عملية تحدٍّ مستمرة وصراع مع من يقوم بعلاجه، أكان ذلك طبيباً نفسانياً أو معالجاً نفسياً. عملية التحدي هذه تتطلب جهوداً لفظية وسلوكية يصعب توفيرها في مساحة زمنية ضيقة، واللجوء إلى العقاقير ربما يكون أقصر الطرق للوصول إلى هدف معين في فترة زمنية محددة.
  • السبب الآخر هو أن سلوك المريض أحياناً لا يمكن فصله عن اضطراب اكتئاب أو قلق أو ذُهان حادّ. يتوخى الطبيب الحذر ويلجأ لاستعمال العقاقير خشية تعرضه للانتقاد مستقبلاً إذا ما حدث ما لا تحمد عقباه كنتيجة لسلوك التهور وإلحاق الأذى بالنفس. نسبة الانتحار في اضطراب الشخصية الحدّيّة يتراوح بين 1– 3%، وفي الاكتئاب بين 10– 15%! في ضوء ذلك، ليس من الصعب الاستنتاج أن الاكتئاب الحاد قد يكون السبب وراء حالات الانتحار المنتهية.
  • ربما يمكننا إدراج سبب آخر لشيوع استعمال العقاقير في اضطراب الشخصية الحدّيّة يتعلّق بالعوامل النفسية الديناميكية للاضطراب نفسه. يميل المريض إلى استعمال الاستقطاب في تعامله مع معالجه و/أو طبيبه النفسي. هذا الاستقطاب بدوره قد يكون عاملاً لرد فعل طبيّ لا يقل استقطاباً، ويبدأ الطبيب بدوره باللجوء إلى استعمال العقاقير مستنتجاً أن مريضه مصاب بأعراض ذهانية ووجدانية بينما يترك التفسيرات العلاجية النفسية جانباً.
  • اضطراب الشخصية الحدّيّة كتشخيص لا يتقبله الكثير من المصابين به. هناك من يفضّل استبدال هذا التشخيص باضطراب الثناقطبي الثاني أو الأول، وهناك من يتجاوز ذلك ويقبل حتى بتشخيص الفصام. الثناقطبي والفصام يعفي المريض من مسؤوليته عن سلوكه، وربما يكون أقل عناءً للطبيب أو المريض أو كليهما، وهو ما قد يفسر استعمال عقار 3لا يخلو من أعراض جانبية مريعة في هذا الاضطراب ألا وهو الكلوزابين Clozapine.


التوجيهات العامة

الحقيقة هي أن 90% من المصابين باضطراب الشخصية الحدّيّة يتناولون عقاقير طبية نفسية، بيد أن تقييم تأثيره ليس سهلاً لعدة أسباب وهي:

  • الأعراض النفسية التي يستهدفها العقار تعتمد كثيراً على ظروف المرحلة العلاجية وسياق الحالة المرضية.
  • العقاقير بحد ذاتها كثيرة الاستعمال، وكأنها واسطة نقل لعملية إسقاط نفسي لعواطف متأججة عند المريض والطبيب على حد سواء.
  • فعاليتها على المدى البعيد والقصير نادرة للغاية.
  • العقاقير قد تساعد في علاج الحالة لكنها ليست بديلاً للعلاج النفسي والاجتماعي.
  • الحذر من رفع معنويات المريض بأن العقاقير هي العلاج الذي سيحل مشاكله.
  • التركيز على الأعراض التي يتم استهدافها بالعقار وتوضيح ذلك للمريض مع وضع جدول زمني لاستعمال العقار وسحبه.
  • تشجيع المريض على الاطلاع والقراءة حول فعالية العقار وأعراضه الجانبية.
  • التأكيد على المريض أن هناك صعوبة في تقييم فعالية الدواء، ونصيحته بضرورة تعاطيه بانتظام في تلك المرحلة.

تصنيف المرضى علاجياً


يحرص الطبيب النفسي دوماً على تصنيف حالة المريض إلى خمسة أصناف، وهي:

  • الصنف الوجداني Affective.
  • الصنف التهوري Impulsive.
  • الصنف العدائي Aggressive.
  • الصنف الاعتمادي (أو الاتكالي) Dependent.
  • الصنف الخالي Empty.

أهداف العقاقير

يمكن تقسيم أهداف استعمال العقاقير في علاج اضطراب الشخصية الحدّيّة إلى ثلاثة أهداف:

  • السلوك.
  • المزاج .
  • الأداء المعرفي.

السلوك الذي يشكل خطراً على المريض وعلى من حوله يستهدف أحياناً باستعمال العقاقير؛ مثل التهور وإلحاق الأذى بالنفس وتعاطي مواد كيمائية محظورة، وغير ذلك. يمكن ملاحظة التحسن مع استعمال عقاقير مضادة للصرع مثل الكاربامازابين Carbamazepine والفالبرويت Valproate، ومثبطات إعادة قبط السيروتنين الانتقائية (م.أ.س.أ)SSRI .في حين أن الليثيوم والعقاقير المضادة للذهان أقل فعالية من العقاقير السابقة، ويستحسن تجنّب عقاقير "الزاء" (البنزوديازيبن) Benzodiazepines مثل الدايازيبام Diazepam. التعبير عن المزاج والحالة الوجدانية في المرضى المصابين باضطراب الشخصية الحدّيّة يتصف بغموضه وقوته. الغموض في التعبير عن الحالة الوجدانية يمكن تفسيره بكثرة الشعور بالغضب، فنرى استعمال تعبير "اكتئاب مع ألم" أكثر شيوعاً من التعبير عن الاكتئاب وحده. عند استهداف الحالة الوجدانية يستحسن استعمال عقاقير م.أ.س.أ، ويمكن إضافة الليثيوم أو عقاقير مضادة للذهان، أمّأ عقاقير "الزاء" والمضادة للصرع ليست ذات فعالية 5.

يقصد بالأداء المعرفي هنا هو كثرة استعمال الإسقاط Projection كعملية دفاعية ينتج عنها الشك بالآخرين وإلقاء اللوم عليهم. كذلك يشمل الأداء المعرفي أعراضاً انفصالية مثل تبدد الشخصية والشكوى من صورة الجسم Body Image، والنصيحة هنا هو تجنب العقاقير جميعها.

خلاصة الأمر؛ إن موقع العقاقير في علاج اضطراب الشخصية الحدّيّة لا يخلوا من الشبهات، وهو غير مدعوم بدراسات علمية قاطعة لا تقبل الجدال.

العلاج الجدلي السلوكيDIALECTICAL BEHAVIOURAL THERAPY(DBT)

العلاج الجدلي السلوكي هو أحد أنواع العلاج الكلامي والذي يرتبط دوماً بعلاج اضطراب الشخصية الحدية. تسمية العلاج تحتاج الى بعض التوضيح وبالذات مصطلح الجدلي. كلمة Dialectتعني اللهجة الخاصة بمجموعة بشرية وفي هذا العلاج تعني الى ان العالم الذي يحيط بالإنسان يحتوي على حقيقة هي نتاج الصراع بين وجهات نظر مختلفة متعاكسة تماماً وبدلاً من القول بان هذا الاستنتاج هو الأفضل ترى الانسان يتمسك بوجهة نظر واحدة بعد فترة تحتوي على النقيضين. بعبارة أخرى قد ينظر الانسان الى والده ويقول هو بانه كان شريراً قاسيا لا يعرف الرحمة ولكنه ايضاً حريصا وحنينا على العائلة. الغالبية العظمى تصل الى نتيجة واحدة وهي بانه في نهاية الامر ساعدني في الوصول الى اهدافي في الحياة وينتهي الامر ولكن المصاب باضطراب الشخصية الحدية يتمسك بالقوة والتساوي بالنقيضين. بعبارة أخرى اضطراب الشخصية الحدية يصاحبه دوماً الشعور بعاطفة تتغير بسرعة وسلوك يتوازى مع هذه العاطفة وهذه هي القاعدة التي تتطلق منها اعراض الاضطراب كلها.

هذا النوع من العلاج الكلامي يؤكد على ما يلي:

  • القبول بالمريض كما هو.
  • الحاجة الى التغيير.

المعالج يعطي المريض ثقته ويقبل بان السلوكيات التي تعصف به تمثل أفضل جهوده للتعامل مع الحياة بصورة عامة ولكن في نفس الوقت يشجعه على التغيير لان بدون ذلك لا قيمة لوجوده ولا قيمة للحياة اصلاً. يجب القبول بان العالم الذي نعيش فيه واحد يتكون من عدة أجزاء تتصل بعضها بالبعض الاخر.

يستعير هذا النوع من العلاج العديد من الأفكار وطرق العلاج من بوذية زين Zen Buddhismوفي مقدمتها مفهوم اليقظة Mindfulnessوالذي يركز على ضرورة الوعي الكامل بالعاطفةوالفكرة والإحساس بالجسد في أية لحظة من اجل الشعور بالسيطرة على الحياة.

الانسان المصاب باضطراب الشخصية الحدية حين يمارس سلوكاً يصاحبه الغضب ويلحق الأذى بنفسه وأحيانا بالأخرين، فتراه في حالة انفصال عن الوعي Dissociation. يستهدف العلاج رفع وعي الأنسان لاستعمال التعقل والجدل الفكري لاستيعاب سلوكه وعلاقته بمحيطه. ويستهدف العلاج احيانا ا تشجيع الانسان على الانفصال عن الواقع من اجل السيطرة على محيطه دون الحاق الأذى بنفسيه او الاخرين.

بوذية زين لا تخلوا من المتناقضات احيانا وتركز على استيعاب الانسان لتجربته والتعبير عنها في ممارساته اليومية عن طريق شعوره بالأخرين. هنا أيضا يسعى الأنسان ذو الشخصية الحدية على قبوله بتجاربه الصدمية الماضية من اجل تغيير حاضره فبدون ذلك يبقى كما هو غير قابل للتغيير.شعار بوذية زين بان الالم الذي يشعر به الانسان ليس بسبب تغير الأخرين و لكن بعدم قبوله هو بان لا بد من يتغير و عليه ان يتغير بالفعل. هذا هو بالفعل ما يحدث في علاج اضطراب الشخصية الحدية.

من صفات العلاج الجدلي السلوكي هو التزامه بالواقعية في التواصل مع المريض واستعمال مصطلحات عامة يفهمها المريض ويستوعبها. كذلك يتغير تفاعل المعالج مع مريضه مع الظروف ولكن لا بد من استمرار عملية التفاعل حتى الوصول الى اهداف العلاج. يشبه البعض التفاعل بين المعالج والمريض كرقصة بين اثنين ان تحرك أحدها تحرك الاخر وبسرعة من اجل استمر العملية والانتقال من نقطة ما الى أخرى وهكذا.

تكاليف العلاج الجدلي السلوكي أكثر بكثير من بقية أنواع العلاج الكلامي ويمكن القيام به في العيادات الخارجية والمستشفيات اليومية Day hospitalوردهات الصحة النفسية ومدة العلاج لا تقل عن عام واحد على الأقل ويتضمن ما يلي:

  • لقاء اسبوعي بين المريض والمعالج.
  • لقاء جمعي كل أسبوع لتحسين المهارات الشخصية.
  • اتصال هاتفي بين الجلسات لتحسين المهارات الفردية في التعامل مع الازمات.
  • لقاء اسبوعي بين أعضاء الفريق المعالج دون المريض.

تكمن فائدة العلاج في الحد من السلوك الانتحاري والانتحار بحد ذاته ولكن تأثيره اقل من ذلك في السيطرة على الاعراض الوجدانية.

رغم ان الكثير من العاملين في الطب النفسي يترددون في تقديم هذا العلاج و لا حتى يقبلون به و لكن الحقيقة هي بان العلاج الوحيد الذي تم تصميمه لاضطراب الشخصية الحدية و لا بديل له.


المصادر


  • 1 Blechner M (1994). Projective identification, countertransference, and the "maybe-me. ". The Journal of Psychotherapy Practice and Research (8): 155–161
  • 2 Borderline Personality Disorder: Nice Guidelines. Nice.org.uk. 28 January 2009.
  • 3 Chengappa, R; Ebeling, T; Kang, J.; Levine, Joseph P(1999). Clozapine reduces severe self-mutilation and aggression in psychotic patients with borderline personality disorder. G Clin Psych 60(7), 477 – 484.
  • 4 Gunderson J (2001). Borderline Personality Disorder A Clinical Guide. American Psychiatric Association. Washington DC.
  • 5 Koenigsberg HW, Harvey PD, Mitropoulou V, et al. (2002). Characterizing affective instability in borderline personality disorder. Am J Psychiatry 159 (5): 784–8.
  • 6 Panos P, Jackson J, Hasan O, Panos A( 2014). Meta-Analysis and systematic review assessing the efficiency of Dialectical Behaviour Therapy(DBT). Research on Social Work Practice 24(2): 213-223.
  • 7 Rinne T, Wim van den Brink, Luuk Wouters, Richard van Dyck, (2002). SSRI Treatment of Borderline Personality Disorder: A Randomized, Placebo-Controlled Clinical Trial for Female Patients With Borderline Personality Disorder. Am J Psychiatry 159:2048-2054.