التوحد في البالغين


التوحد في البالغين



رغم ان مصطلح الاسبرجر تم حذفه من المجد التشخيصي الخامس لجمعية الطب النفسي الأمريكية(الطبعة الخامسة) DSM V ٫ و لكنه لايزال شائع الاستعمال بين الأطباء و الجمهور و الاعلام.


ليس هناك اضطراب يثير الجدل هذه الأيام مثل اضطراب الأسبرجر في مجال الصحة النفسية للبالغين. هناك من العاملين في الصحة النفسية الذي يعرف نفسه أخصائياً بتشخيص هذا المرض، والقليل منهم تجاوز ذلك وشكل موقعاً إلكترونياً للمصابين بهذا الاضطراب..... ولكن هناك أيضا من العاملين في الصحة النفسية من لا يكتم غيظه من كثرة استعمال هذا التشخيص ويعتبره مصطلحاً خالياً من أي معنى.


على ضوء أعلاه يمكن القول بأن هناك استقطاباً في الآراء حول تشخيص هذا الاضطراب، ومعناه، والأسوأ من ذلك علاجه. بلا جدال ليس هناك علاج لهذا الاضطراب، وهي حقيقة يجب ألا يتغافل عنها الطبيب النفسي.


مصادر الإحالة إلى الطبيب النفسي:


١ تشخيص تم تحميله عبر الإنترنت: هناك الكثير من الأفراد الذين يقضون ساعات متعددة يومياً يتنقلون من موقع إلى آخر، ومن خلال هذه الفعالية يتوصل الفرد صدفة إلى هذا المصطلح ويعتقد بأنه مصاب بهذا الاضطراب. تنصح جميع المواقع مراجعة طبية نفسية للحصول على التشخيص، وبعدها تبدأ رحلة المريض من طبيب إلى آخر.


٢ عائلة المريض نفسياً: هناك الكثير من عائلات المرضى المصابين بأمراض ذهانية وبالتحديد الشيزوفرانيا الذين لديهم تنافر فكرى Cognitive Dissonance حول إصابة ابنهم بهذا المرض، وتراهم في سعي مستمر للحصول على تشخيص بديل. هذا السعي لتفسير الحالة الطبية النفسية قد يستمر عدة سنوات، وتراه أكثر شيوعاً في الحالات المزمنة من عمر مبكر.


٣ تشخيص بديل لاضطرابات الشخصية: هناك العديد من المرضى الذين تم تشخيصهم باضطرابات الشخصية الذي يبحثون عن تشخيص بديل وتنتهي رحلتهم بالوصول إلى اضطراب الأسبرجر صدفة. هذا المصدر للتحويل تراه أكثر شيوعاً في الأفراد المصابين باضطراب الشخصية الحدية من الشخصيات الأخرى، وخاصة في العائلات الميسورة مادياً.


٤ مصادر قانونية: يتم إحالة بعض الأفراد إلى الطب النفسي عن طريق الادعاء العام أو الدفاع في قضايا زيارة مواقع إباحية متطرفة تعتبر خارجة عن القانون. يتم إلقاء القبض على هؤلاء الأفراد بعد مراقبتهم من رجال الشرطة لفترة ويتم ضبط تحميلهم لصور جنسية إباحية للأطفال.


٥  مصادر طبية: قد تتم إحالة مريض نفسي من طبيب إلى آخر لتوضيح التشخيص الطبي.


متلازمة الأسبرجر:


إن متلازمة الأسبرجر مفهوم غربي يتميز بثلاثة أبعاد نفسية سلوكية وهي:

١  اختلال في التفاعلات الاجتماعية.

٢  اهتمام محدود بفعالية شخصية.

٣ سلوكيات تختلف عن ما هو مألوف في مرض التوحد.







وصف هذا الاضطراب 1 الطبيب النمساوي هانز آسبرجر Hans Aspergerوأطلق عليه أولا السايكوباثية التوحدية Autistic Psychopathy مشيراً إلى أن هذا الاضطراب ما هو إلا اضطراب شخصية مستقر يتميز بالعزلة الاجتماعية.دخل هذا المفهوم بهدوء في الطب النفسي في عام 1944 من القرن الماضي ولكنه لم يكن معروفاً في البلاد الناطقة باللغة الإنكليزية. ولكي نتصور متلازمة الأسبرجر لابد من الاطلاع على حالة سريريه كالآتي:

حالة سريريه:

فرد في التاسعة والعشرين من العمر، أبيض البشرة والعرق، تم حضوره أمام الخدمات الصحية النفسية في عمر 23 عاماً بعد شكوى والدته من كثرة انعزاله وغرابة أطواره. كان تشخيص الفريق الطبي الأولى بأنه مصابٌ بالشيزوفرنيا. لم يتم أثبات ذلك وخرج من المستشفى بعد ثلاثة أسابيع.


لم يكن له صديق مقرب في المراحل التعليمية، ولا هوايات سوى الولع بدراسة الفيزياء. كان موفقاً في دراسته ودخل جامعة عريقة. بعد عام نصحه رئيس القسم بالخروج من دراسة الفيزياء والتحول إلى دراسة العلوم الدينية. وتخرج بدرجة مقبول ولم يعمل من يومها.


تراه حنيفاً لا يصوب نظره نحو من يكلمه، ولا يمد يده لمصافحة أي كان. يغادر البيت يومياً على دراجته الهوائية، حاملاً دوماً أطروحة كتبها لتفسير النظرية النسبية، متوجهاً نحو مكتبة المدينة المركزية . تركت أمه بيت الزوجية بعد دخوله الجامعة، وعاش مع والده الذي فارق الحياة قبل 3 أعوام. لا يبالي من بعيد أو قريب بتقسيم الإرث بينه وبين أخته ،مصراً بأن العيش في بيت والده حق ديني.

تراه مولعاً دوماً بصبغ بعض الجدران الخارجية للبيت بالصبغ الأسود وبصورة منتظمة لا تخلو من الإبداع الفني. يرفض استلام المعونات الحكومية رغم أنها تدفع في حسابه بصورة منتظمة دون علمه.

رجل مسالم لا يتعرض لأحد ولا أحد يتعرض له في الحي الذي يعيش فيه. لا علم له بما يجري في هذه الدنيا ويقضي جميع وقته بإضافة المعلومات وتنقيح أطروحته التي لا تنتهي.


هذا هو بالضبط اضطراب الأسبرجر الأصلي وعلاماته كما يلي:


فقر شديد في الاتصال الـ"غير الكلامي" أو "غير اللفظي" مع الآخرين.

ضعف شديد في التقمص العاطفي.

الإسراف في استذهان العواطف.

الحديث بأسلوب واحد مع عدم التغير في نبرة الكلام وأحيانا غير مفهوم على الإطلاق.

إن رأيتهم حسبتهم أساتذة صغارا في تصرفهم Little professors.

فعاليات حركية لا تتصف بالدقة أبداً.


نشرت السيدة لورنا ونك 2 Lorna Wing مجموعات من الحالات في عام 1981 لحالات تشابه متلازمة الأسبرجر أعلاه، وتم تقديم هذه المتلازمة إلى اللغة الانكليزية. لكن الذي حدث هو اختلاط وجمع لمرض التوحد الذي و صفه كانر 3 Kanner ومتلازمة الأسبرجر الذي وصفه هانز اسبر جر والسبب يعود في ذلك إلى أن بعض الحالات المرضية التي أدخلتها في دراساتها شملت الإناث وحالات من الأطفال المصابين بالعاهات التعليمية. من جراء نشرات السيدة ونك انتشر مفهوم الأسبرجر ولكنه أيضاً أصبح مشعشعاً وغير دقيق بالمرة ولا يزال الحال كما هو إلى يومنا هذا.


التشخيص السريري الحالي:

رغم أن هناك أكثر من مصدر لتشخيص اضطراب الأسبرجر، ولكن المجلد الرابع المنقح التشخيصي الإحصائي للجمعية الأمريكية للطب النفسي4 DSM-IV يبقى أكثر المصادر انتشاراً واستعمالاً، وفي متناول الجميع. على ضوء ذلك لا بد من مراجعة هذا المصدر. يتطلب التشخيص ما يلي:


أ: اختلال نوعي في التفاعل الاجتماعي يلاحظ في ما لا يقل عن مرتين في:

اختلال في الاتصال الـ"غير الكلامي" مع الآخرين.

الفشل في إقامة علاقات مع الآخرين تتناسب مع العمر.

غياب المبادرة لمشاركة الآخرين بالتمتع بالفعاليات والنشاطات.

غياب التبادل الاجتماعي أو العاطفي مع الآخرين.


ب: أنماط محددة ومتكررة في السلوك والفعاليات والنشاط في واحد مما يلي:

الانشغال في فعالية ثابتة غريبة في محتواها وشدتها.

التمسك بصرامة بطقوس وروتين.

التمسك بسلوكيات حركية نمطية متكررة.

الانشغال الدائم بأجزاء من معينة من بعض الأجسام.


جـ: الاضطراب يؤدي إلى خلل سريري هام في الوظائف الاجتماعية والمهنية أو غيرها.


د: لا تأخر تطوري في استعمال اللغة منذ الصغر.


هـ: عدم وجود أي تأخر معرفي أو تطوري في الحصول على المهارات الفردية لإعانة النفس، التأقلم السلوكي (باستثناء التفاعل الاجتماعي)، أو الفضول بالبيئة.


و: عدم وجود اضطراب آخر.


عند التمعن في هذه الشروط للتشخيص تلاحظ الضعف الظاهر فيها والخليط من مرض التوحد ومتلازمة الأسبرجر الأصلية 5. الشرط "أ" ليس من الصعب تطبيقه على الكثير من الأفراد ذوي الصفات الشخصية التجنبية وغيرهم من الذين يعيشون حياة انعزالية غير سعيدة وخاصة المتزوجون منهم. أما الشرط "ب" فهو كثير الملاحظة هذه الأيام مع انشغال الناس بالفيس بوك وتتيع المواقع الإلكترونية المتعددة. بعبارة أخرى إن حضارة اليوم هي حضارة تسحب الإنسان تدريجياً نحو العزلة الاجتماعية وتقلل من مهارته بمشاركة الآخرين وجهاً لوجه لتبادل الآراء ويمكن أن نسمي هذا العصر هو عصر الأسبرجر.


أصبح هذا المصطلح شائع الاستعمال لغوياً في بريطانيا هذه الأيام مما يفسر كثرة ولع الناس في استشارة المواقع الإلكترونية وأقسام الطب النفسي للحصول على التشخيص. اتهم أحد أعضاء وزارة العمال البريطانية السابقة رئيسه كوردن براون بإصابته بهذا المرض لتفسير فشله كرئيس للوزراء. لا عجب أن تسمع بوجود جماعات نجحت في إقناع المجلس الوطني في ويلز بتخصيص 150 ألف إسترليني سنوياً لتوزيعها على أنحاء القطر لضمان قيام الأطباء بعمل عيادات متخصصة في كل مقاطعة لتشخيص هذا الاضطراب رغم عدم اقتناع الغالبية العظمى منهم بمفهوم الأسبرجر. على ضوء ذلك تم توكيل المهمة لأخصائي واحد في كل مجلس صحي للقيام بدور قيادي في هذا المجال.


الأسبرجر في غير الأوربيين:


قلما يتم الاستفسار عن تشخيص هذا الاضطراب في بريطانيا في الأقليات العرقية. رغم أن الأسبرجر مفهوم غربي ولكن هذا لا يمنع من عدم وجوده في الأقليات العرقية الأخرى، ولكن تشخيصه أصعب بكثير. لذلك لابد من طرح حالة سريرية من واقع الحياة المهنية 6.








حالة سريرية:

يبلغ عمر هذا الشاب من أصل أسيوي الآن 30 عاماً. كان الطفل الأصغر لأم وأب من بنغلادش هاجروا إلى بريطانيا وهو في عمر الخمسة أعوام. بدأ الطفل في غمر قدميه في الماء منذ الطفولة وحتى يومنا هذا يقضي ساعات بهذه الفعالية حتى أصبحت القدمان مسكناً للفطريات وبيضاء اللون. ترك التعليم منذ عمر الرابعة عشر ولا صديق له ولا يفهم التفاعل الاجتماعي حتى مع أهله في البيت.


تم عزل الصبي في غرفة لوحده في البيت وقضى سنين عمره محاولاً تغيير تزيينها. شديد الولع أيضاً بتنظيف أسنانه بمختلف المساحيق وليست هناك أسنانٌ أكثر بياضاً من أسنانه.


من جراء الرائحة القوية لقدميه تم أخذه عنوة لمراجعة طبيب أمراض جلدية الذي استغرب من سلوكه بغمر القدمين في الماء معظم الوقت. دخل المستشفى للمراقبة وأخبر الكادر التمريضي والطبي مازحاً بأنه يغمر قدميه لتنبت أشجاراً. من جراء التباعد الحضاري كان التشخيص الأولي هو الشيزوفرانيا. بعدها تم إعادة تشخيص الحالة والتأكد من متلازمة الأسبرجر. رفض الأهل والأخوات خاصة رجوعه إلى البيت وهاجر المدينة تحت رعاية هيئة الخدمات الاجتماعية.


مخاطر التشخيص:

إن تشخيص متلازمة أو اضطراب الأسبرجر لا يخلو من بعض المخاطر. تنص توصيات المجلس الوطني لويلز حالياً ( ٢٠١٢على ضرورة مناقشة المريض أولا على أن حمل هذا التشخيص له انعكاسات اجتماعية ومهنية قد لا تساعد المريض على تطوره شخصياً. تنص التوصيات كذلك على ضرورة تنبيه المريض بأن هذا التشخيص لا يعني عدم وجود اضطراب طبي نفسي آخر. لذلك لابد من إجراء فحص طبي نفسي عام دقيق قبل الخوض في تشخيص هذا الاضطراب.


أما الخطورة الكبرى في تشخيص هذا الاضطراب فمصدرها بعض العاملين في مجال الصحة النفسية والعامة من الناس من الذين لديهم اندفاع غير طبيعي في تشخيص هذا الاضطراب غاضين النظر عن وجود اضطرابات نفسية ذهانية خطيرة وعلى رأسها الشيزوفرانيا عند صغار السن. إن الحصول على وسام الأسبرجر قد يؤدي إلى تأخر تشخيص الشيزوفرانيا وحرمان المريض من علاج قد يغير مجرى حياته. أما وسام الأسبرجر بحد ذاته فقد لا يزيد المريض إلا انعزالاً ومع الوقت يتم تهميشه اجتماعياً.


رغم كل المخاطر أعلاه فإن عداء بعض أطباء الطب النفسي لمفهوم الأسبرجر لا معنى له، ولا بديل إلى الاستماع إلى وجهة نظر المريض وأقاربه وإحالة الفرد إلى أخصائي آخر للوصول إلى الإجابة.


وجهة نظر الموقع:

لكل أخصائي وجهة نظر شخصية من جراء الممارسة المهنية. من وجهة نظر كاتب المقال فإن اضطراب الأسبرجر هو جزء من اضطرابات عصبية نفسية تطورية تكثر نسبتها في الذكور وتبدأ علاماتها أكثر وضوحاً في بداية سن المراهقة ( نسبة الأسبرجر في الذكور: الإناث = 8 : 1). على ضوء ذلك لا بد من عمل دراسات سريريه ونفسية تشمل جميع هذه الاضطرابات وهي:

١ اضطراب ضعف الانتباه وفرط الحركة Attention Deficit Disorder and Hyperactivity.

٢  اضطرابات توحدية Autistic Spectrum Disorders ..

٣اضطراب الوسواس القهري Obsessive Compulsive Disorders .. ٤متلازمة جلي دي لا توريتGilles De La Tourette.


يتضمن الفحص دراسات وفحوصات تشمل كل ما هو أعلاه بالإضافة إلى:

١  فحص دقيق للوظائف الإدارية للفص الجبهي Frontal Executive Functions.

٢ فحص دقيق للشخصية.

٣ قياس استعداد الفرد للتجارب الانفصالية.


تساعد هذه الدراسات المفصلة على تقييم حالة المريض بصورة شاملة والانتباه إلى أعراض مرضية أخرى قد يغفل عنها إذا كان جل تركيزه على متلازمة الأسبرجر.



المصادر:


1- Asperger H. “Autistic psychopathy” in childhood. In: Frith U, trans-ed. Autism and Asperger Syndrome. Cambridge, UK: Cambridge University. 1991. 37–92.

2- Wing L. Asperger's syndrome: a clinical account. Psychol Med. 1981;11:115–129.

3- Kanner L. Autistic disturbances of affective contact. Nerv Child. 1943;2:217–250.

4- American Psychiatric Association. Diagnostic and Statistical Manual of Mental Disorders, Fourth Edition. Washington, DC: American Psychiatric Association. 1994.

5- Sturmey P, Sevin JA. Defining & assessing autism. In: Matson JL, ed. Autism in Children and Adults: Etiology, Assessment & Intervention. Pacific Grove, Calif: Brooks/Cole.1994.13–36.

6- Jawad S, O’Homba I. Transcultural issues in Asperger’s Disorder> Primary Care Companion J Clin Psych 2007. 394-5.