أضطراب الكرب التالي للرضح


اضطراب الكرب التالي للرضح

POST TRAUMATIC STRESS DISORDER

PTSD



اضطراب الكرب التالي للرضح ربما هذه الأيام من أكثر الاضطرابات النفسية شهرة٬ وربما انتشاراً ايضاً. يُعرف هذا الاضطراب دوماً بالمصطلح الإنكليزي له ويُشار اليه بالأحرف الأربعة PTSD. في بقية المقال سيتم الإشارة اليه ب PTSD.

الاضطراب ايضاً لا يعرف سوى عامل واحد وهو تعرض الانسان لحدث مرهق يتميز بالتهديد وأقرب الى كارثة ستحل به في ذلك الوقت. تظهر الاعراض مباشرة او بعد فترة وتتميز بأربعة مجموعات وهي:

اعراض اقتحامية intrusive symptoms.

سلوك تجنبي avoidance.

تغيرات سلبية معرفية ومزاجية negative alterations in mood and Cognition.

تغيرات في درجة الاثارة والتفاعل arousal and reactivity.

ولكن الاعراض لوحدها لا تكفي للتشخيص ولا بد من وجود تاثير سلبي على الأداء الوظيفي للإنسان سواء كان كذلك في العمل او التعليم او التواصل الاجتماعي.


الوبائيات

دراسة انتشار ووقوع الاضطراب لات تخلوا من التعقيد. كان التعريف السابق للاضطراب يستند كلياً على الحدث وكونه خارج نطاق ما يمكن ان يتعرض له الانسان٬ ولكن هذا الشرط بدأ يتغير لصعوبة تعريف ما هو الحدث. كان الاضطراب سابقاً يُعرف بصدمة القصف shell shock أشارة الى انتشاره في المشاركين في الحروب٬ ولكن هذا التعريف انتهي بسبب معايير التشخيص٬ ودراسة الية الاضطراب. هناك ايضاً من يسقط اللوم على ثقافة التعويض المادي لحوادث السير وخاصة في المجتمعات التي توفر وتسهل مثل هذا الاجراءات.

يتعرض الانسان لتجارب صدمة في حياته٬ ومعدل المواطنين المعترض لها يختلف من مكان الى اخر ويترواح ما بين ٢١٪ في المانيا الى ٨٠٪ في هولندا. هذه الصدمات أكثر انتشاراً في الذكور (٦٥٪) مقارنة بالاناث (٥٠٪) استناداً الى دراسة أسترالية.


اما انتشار المرض وقت الحياة او طوال العمر life-time prevalence فهو لا يتجاوز ٢٪ في معظم الدول الاوربية٬ ولكن أكثر من ثلاثة اضعاف ذلك في الولايات المتحدة الامريكية٬ وربما يمكن تفسير ذلك بكثرة حوادث العنف واستعمال السلاح في المجتمع الأمريكي.


السببيات AETIOLOGY

يتميز PTSD عن جميع الاضطرابات النفسية بأن سببه عامل خارجي فقط. لا توجد هذه الميزة في أي اضطراب نفسي وظيفي اخر.


لم يبالي أحد بالاضطراب الا بعد حرب فيتنام٬ وتشير الدراسات الى ان ٢٥٪ من جنود أمريكا عانوا منه مقابل ٢٠٪ من جنودهم في العراق وأفغانستان.


يتعرض الانسان لضغوط مؤلمة شديدة مثل اعمال العنف المتعمدة او الاعتداء الجسدي أو الجنسي او الكوارث سواء كان ذلك في الحياة المدنية او العسكرية. يكفي كذلك ان تشاهد الحدث وتصاب بالاضطراب٬ ولكن لا يمكن تشخيص الاضطراب في انسان يدعي بان سمع عن حدث ويعاني من الاعراض. قاعدة القرب هذهproximity factor في غاية الاهمية وخاصة حين تصل القضية الى القضاء. كذلك لا يمكن تشخيص الاضطراب في انسان يشاهد حدثاً او كارثة على الشاشة٬ ويجب ان يكون بكامل حواسه البصرية والجسدية بالقرب من الحدث.


العديد من المراجعين في الممارسة الطبية تعرضوا للعنف والاعتداء في بيئة تتميز بالعنف المنزلي. عدد النساء عموماً ضعف عدد الرجال٬ ولكنه يداهم البشر في مختلف الاعمار.


التعرض لتهديد الحياة او حياة الاخرين اثناء الرعاية الطبية مثل التخدير وحدوث مضاعفات اثناء الولادة قد تؤدي الى الإصابة بهذا الاضطراب ايضاً.


نظريات الاضطراب

هناك العديد من النظريات النفسية والبيولوجية لتفسير الاضطراب.

الخوف عموماً له هيكله البيولوجي والنفسي الذي يتم خزنه في ذكريات الانسان. تفعيل هيكل الخوف او الرعب يؤدي الى تفاعلات معرفية٬ سلوكية٬ وفسيولوجية. يتميز تحفيز هذا الهيكل في المصاب ب PTSD بتفاعلات مرضية تؤدي الى تغيير أفكار ومعتقدات الانسان حول العالم وذاته٬ ومصدر ذلك كله صعوبة الانسان في معالجة المعلومات حول الصدمة او سوء تفسير المنبهات الحميدة بانها خطيرة وتصنيف ذاته بانها غير قادرة على مواجهة الخوف والتحديات.


النظرية الثانية تتعلق بمعالجة الذكريات حيث يتم تصنيف الذكريات الى صنفين:

الاولى ذكريات يتم الوصول اليها شفوياً verbally accessible memories VAMوذكريات يتم الوصول اليها عن طريق موقع الحدث situationally accessible memories SAM. الذكريات الثانية أصعب الوصول اليها من الذكريات الاولى ويتم كبتها ولكن تخرج من مخازنها بسبب محفزات يتم استرجاعها بصورة خاطفة على شكل وضمات ارتجاعية Flashbacks او اثناء الاحلام. يعيش الانسان التجربة ثانية بنفس مشاعر التجربة الحقيقية.


واخيراً هناك النموذج المعرفي الذي يركز على التقييم السلبي الخاطئ للصدمات وبدوره يؤدي وجهات نظر سلبية حول العالم وعدم كفاءة الذات٫٬ وذلك بدوره يؤدي الى الشعور بالتهديد المستمر.


يتم معالجة جميع الاشارات من الصدمة من لون وصورة ورائحة في منطقة اللوزةamygdala في الدماغ ويتم تصفيتها وارسال الإشارات بعدها الى الحصين لخزنها والفص الجبهي الامامي للتعامل معها. تشير الدراسات الى ان بعض المصابين ب PTSD يعانون من ضمور الحصين والفص الجبهي الامامي مع ارتفاع فعالية اللوزة. من جراء ذلك يعيش المريض في سجن ذكريات بدائية أولية من صوت ورائحة وألوان ولا يقوى على خزن ذكريات إيجابية جديدة للتعامل مع الصدمة وتحديات الحياة الجديدة.


هناك عوامل تلعب دورها في عدم تخلص الانسان من اثار الصدمة كما يحصل في الغالبية بعد فترة زمنية محدودة يمكن حصرها في استرتيجيات غير مفيدة ونقص الدعم الاجتماعي تؤدي الى تفاقم الاضطراب ومنها:

كبت ذكريات الصدمة

التفكير الاجتراري بالصدمة

التفارق عن الواقع

العزلة الاجتماعية

السلوك التجنبي

استعمال مواد كيمائية محظورة

غياب الدعم الاجتماعي.


المظاهر السريرية

CLINICAL MANIFESTATIONS


يتم تصنيف الاضطراب عموماً كالاتي:

١ PTSD بدون اعراض تفارقية (او انفصالية) Dissociative مثل تبدد الانية depersonalisation او تبدد الواقعderealisation او فقدان الذاكرة التفارقيdissociative amnesia.

٢ PTSD مع اعراض تفارقية.

بعد ذلك يتم تصنيف شدة الاضطراب الى

١ طفيف حتى يقوى المراجع على التعامل مع الاعراض ويمضي في حياته الاجتماعية والعملية بدون عجز ما.

٢ معتدل ويتميز بإعراض أكثر شدة ولكن لا يوجد خطر على حياة المريض او الاخرين.

٣ شديد ويتميز باعراض شديدة تعرقل حياة الانسان وهناك خطورة على المريض بسبب الانتحار أو خطورة على الاخرين.


الاعراض الاقتحامية هي من أكثر الاعراض المميزة للاضطراب ومن الصعب تشخيص الاضطراب بدونها. الاعراض الاقتحامية هي إشارة الى عودة التجربة الأولية للصدمة بصورة لاأرادية بطريقة واضحة ومؤلمة على شكل استرجاع الذكريات٬ صور٬ احاسيس مختلفة٬ وكوابيس بالإضافة الى رد فعل عاطفي شديد للاشارات الداخلية والخارجية المتعلقة بالصدمة.


تتميز الوضمات الارتجاعية بقصر مدتها حيث لا يتعدى ذلك بضعة ثواني ٬ والكوابيس هي الأخرى تتميز بعدم وضوحها ونادراً ما تكون على شكل حلمٍ مفصل. يتم استعمال مصطلح الذكريات الأولية primary memories لوصف الوضمات الارتجاعية لانها لا تشمل سوى لون او صوت يتعلق بالصدمة وهي لا تختلف عن كوابيس تحدث اثناء النوم.


يسعى المريض بعد ذلك السيطرة على الاعراض الاقتحامية عن طريق تجنب أي شيء يذكره بالصدمة. يبدأ بتجنب الأشخاص والمواقف والظروف التي تشبه الحدث او ترتبط به من بعيد او قريب٬ وذلك قد يمتد الى تجنب قراءة الصحف وبرامج تلفزيونية بل وحتى سماع نشرات الاخبار. في نفس الوقت يحاول المريض دفع الذكريات من تفكيره قدر الإمكان وعدم التفكير بالحدث او الحديث عنه. هذه الجهود تتناقض مع التأمل المفرط بين حين واخر في الحدث على نمط سؤال وجواب لا نهاية له.


يصاحب الاعراض أعلاه تغيرات معرفية٬ والكثير من المرضى لا يقوى على استرجاع ذكريات الحدث بالتفصيل٫ ويصاحب ذلك ولادة أفكار سلبية مثل القاء اللوم على نفسه في حدوث الصدمة او اسقاط اللوم على المقربين منه وغيرهم بل والعالم باسره. يصاحب كل ذلك عواطف يمكن تلخيصها كالاتي:

الخوف

الرعب

الغضب

الذنب

العار.

كذلك يفقد الانسان تدريجياً قدرته على الشعور بعواطف وتجارب إيجابية جديدة٬ ولا يبالي بنفسه او بالأخرين. ينتقل الانسان تدريجياً الى الشعور بالانفصال عن الواقع وعن ذاته.


يصاحب أعلاه تغيرات في درجة الاثارة وتفاعل الانسان للمحفزات مع يقظة مفرطة. الكثير يعاني استجابة اجفالية startle response من تهيج وثورات غضب وسلوك تدميري للذات واندفاع تهوري٬ صعوبة ف التركيز والارق.


القاعدة العامة هي ان التشخيص لا يتم الا بعد مرور شهر واحد على الاعراض.


تشخيص الاضطراب يتم سريرياً ولكن هناك العديد من أدوات الفحص النفسية المتوفرة في مختلف اللغات والتي تساعد في التحري عن الاضطراب ولكنها ليست بديلاً للفحص السريري الطبنفسي.


علاج PTSD

يمكن ايجاز اهداف العلاج كالاتي:

١ خفض شدة الاعراض

٢ علاج الاضطرابات النفسية المصاحبة للاضطراب

٣ تحسين تكيف الانسان الوظيفي

٤ استعادة الشعور بالامن

٥ استعادة الثقة بالنفس

٦ منع الانتكاس

٧ الحد من تعميم الشعور بالخطر من جراء التجربة الأولية


العلاج المعرفي السلوكي المرتكز على الصدمة trauma-focused cognitive behavioural therapy هو العلاج الذي يتم تقديمه للمريض الذي يعاني من الاضطراب. بداية العلاج في الاشهر الثلاثة الأولى بعد الصدمة يساعد الكثير ولا يحتاج الى أكثر من ٦ جلسات. البعض ينتظر لمدة ثلاثة أشهر في الحالات الطفيفة والمعتدلة قبل تقديم العلاج. معدل فترة العلاج هي ٨ -١٢ جلسة في غالبية الحالات٬ ولكن هناك من يحتاج الى أكثر من ذلك. طول مدة الجلسة لا يزيد عن ساعة٬ ولكن قد يمتد احياناً الى ٩٠ دقيقة في الجلسات التي تتطلب الحديث عن تفاصيل الحدث. يجب ان تكون الجلسات أسبوعية ومنتظمة.


يتم تقديم علاج إزالة حساسية حركة العين وإعادة المعالجة EMDR: eye movement desensitisation and reprocessing therapy للمرضى الذين يعانون من اعراض شديدة لفترة تزيد على ثلاثة أشهر. يرتكز هذا العلاج على تحفيز معالجة المعلومات الخاصة بالمراجع من اجل دمج ذكريات الحدث كذاكرة متوافقة مع سياق الذكريات الاخرى contextualised memory. يتم تحضير المريض لمراجعة الذكريات وما يتعلق بها مع تحفيز بدني من الجانبين مثل حركات العين او نغمات معينة. الغالبية العظمى لا يحتاجون الى اكثرو من ١٢ جلسة.


العقاقير لها دورها في علاج PTSD وعلاج الاضطرابات الأخرى المصاحبة له. يتم تقديم العقاقير ادناه بصورة تدريجية كما هو موضح في الجدول ادناه.


الجرعة القصوىmg

الجرعة الاوليةmg

العقار

60

20

Paroxetine

80

20

Fluoxetine

200

50

Sertraline

225

37.5

Venlafaxine

200

25

amitriptyline

45

15

mirtazapine

60

15

phenelzine



علاجات أخرى

لا يوجد دليل على فعالية عقار مضاد للصرع topiramate في علاج PTSD.


الطب البديل مثل العلاج بالإبر الصينية كثير الاستعمال ولكن الدليل العلمي على الفعالية ضعيف.


علاج الواقع الافتراضي virtual reality therapy هو الاخر يفتقر الى الدليل العلمي القوي.

Prazosin لعلاج الارق كما هو موضح في التخطيط ادناه:

منبهات N-methyl-D-aspartate NMDA agonists يتم استعماله أحيانا في مراكز خاصة لعلاج الحالات التي لا تستجيب للعلاج وكذلك عقاقير تحت التجربة:

Eszoplicone

MDMA: methylenedioxymethamfetamine


هناك دليل على فعالية hydrocortisone في منع ظهور اعراض المرض إذا تم استعماله خلال ١٢ ساعة من الصدمة٬ ولكن لا يوجد دليل على فعالية عقاقير أخرى.