القلق: مراجعة حديثة Current Views on Anxiety


يمكن القول بان القلق هو اكثر الاعراض الطب نفسانية انتشاراً. في نفس الوقت لا يوجد انسان لا يشعر بالقلق لأنه ضرورة من اجل البقاء. الانسان الذي لا يقلق يعرض نفسه للخطورة٬ و جميع النصائح الطبية الموجهة نحو البشر تستهدف شعورهم بالقلق و اتخاذ الاحتياطات الوقائية من اجل سلامتهم، و كذلك الحال في استعمال المواصلات و تعليمات الأمان مع استعمال مختلف الأدوات في الحياة العملية.

اعراض القلق لا تقتصر على الاضطرابات النفسانية و انما تشمل جميع الاضطرابات الطبية المختلفة. من الصعب القول بان هناك مراجعاً لمركز صحي لا يشعر بالقلق من جراء فحصه سريرياً و مختبرياً و اشعاعياً. الغاية من هذا المقال توضيح مفهوم القلق٬ موقع القلق في الطب النفساني ٬و مناقشة اضطرابات القلق المصنفة في المجلدات التشخيصية المختلفة.


تعريف القلق

القلق Anxiety كما هو مُعرفٌ في الطب النفساني حالة وجدانية او مزاجية٬ و في نفس الوقت هو عاطفة أساسية تتميز بالشعور بالتوتر و الخوف بسبب انتظاره حدث ما او عدم وضوح ما قد يحدث مستقبلاً. ما هو في غاية الأهمية في توضيح مفهم القلق هو التركيز على انه حالة مزاجية تركز على المستقبل٬ القريب جداً الى البعيد جداً عكس الخوف Fear كمفهوم آخر له علاقة بالقلق لان الأخير حالة مزاجية تركز على الحاضر كرد فعل لخطر حقيقي او ما يتم استيعابه هكذا من قبل الفرد. المصطلح الاخر الذي يثير الارتباك أحيانا و لكن له علاقة بالقلق هو الهموم Worries الذي يتعلق بتعبير الانسان اللفظي عن أفكار سلبية و هو في ذات الوقت ليس برد فعل عاطفي.

الزور او البارا نويا Paranoia مصطلح كثير التداول لوصف شعور الانسان بالقلق٬ و يمكن وصفها بحالة قلق شديدة ترتكز على خوف غير منطقي يصاحبه عدم الثقة بالأخرين و اسقاط اللوم عليهم. هذه الحالة بحد ذاتها قد تؤدي الى ولادة منظومة فكرية وهامية. اما الرهاب فان استعماله العام هو خوف غير منطقي و في الطب النفساني يشير الى سلوك تجنبي.

يمكن القول بان القلق قد يكون تكيفياً يساعد الانسان على التأقلم في بيئته او لا تكيفياً لا يساعد الانسان علي التأقلم لمحيطه. قد يكون القلق طبيعياً او مرضياً و في نفس الوقت قد يكون صفة شخصية او حالة فردية. القلق الذي لا يساعد على التأقلم هو الذي يتم تصنيفه اضطراب قلق.

القلق في الطب النفساني

أعراض القلق لا يصعب ملاحظتها٬ و مصدرها ارتفاع اليقظة و بالتالي التهيج النفسي٬ تهيج او ارتفاع يقظة الجهاز المستقل٬ التوتر العضلي٬ فرط التهوية٬ و اضطرابات النوم. كل ذلك يؤدي الى اعراض تدفع المراجع صوب اختصاص دون اخر و يمكن مراجعة الاعراض بصورة مفصلة في الواصل.

مهمة الطبيب النفسي الأولية هو التأكد من اعراض القلق التي يشكوا منها المراجع مصدرها اضطراب عقلي اولي٬ او اضطراب طبي لم يتم تشخيصه٬ و استعمال عقاقير او مواد كيمائية تسبب القلق. بعد ذلك على الطبيب النفساني قياس شدة القلق باستعمال اختبارات نفسانية و تقييم تأثير الأعراض على الأداء الوظيفي العام للإنسان٬ و بعدها يتم تشخيص اضطراب القلق كالاتي:

قلق الفراقSeparation Anxiety 

الصمات الانتقائي Selective Mutism 

الرهاب النوعي Specific Phobia

 القلق الاجتماعي Social Anxiety 

اضطراب الهلع Panic Disorder 

رحاب الساحة Agoraphobia 

القلق المتعمم Generalised Anxiety

أسباب القلق

رغم كثرة انتشار مفهوم القلق و كثرة استعماله لكن اليته و أسبابه لا تزال غير واضحة تماماً. يمكن القول بان الانسان يتعلم القلق من خلال الية الاشراط Conditioning حيث يتم ربط الشعور به بحدث ما يؤدي الى الشعور بالقلق و تعميمه مثل التعرض لحادث سير او تعلم الطفل القلق من حضور مراكز التعليم من خلال قلق الاب او الام. هناك ايضاً عوامل بيولوجية تتعلق بالإنسان نفسه ككائن حي يستهدف البقاء و تجنب المخاطر المختلفة٬ و هناك ايضاً عوامل وراثية حيث ترى تاريخ عائلي للقلق في العديد من المراجعين. ضغوط الحياة المختلف تلعب دورها الحيوي في الإصابة بالقلق٬ و بالذات تعرض الانسان لصدمات نفسية في مراجل الطفولة. تركز العلوم النفسانية على علاقة طبع الانسان Temperament و الإصابة بالقلق٬ و الانسان الذي تميل شخصيته الى العصاب Neuroticismاكثر احتمالا من غيره الإصابة بالقلق. على ضوء ذلك يمكن جمع جميع هذه المفاهيم لتفسير الية القلق من خلال نظرية التعلم المعاصرة Contemporary Learning Theory التي تركز على استعداد الانسان دون غيره للشعور بالقلق بسبب عوامل وراثية او شخيصة تتعلق بطبعه بالإضافة الى تجربة يتعلم من خلالها الشعور بالقلق و انخفاض عتبته للإصابة باضطراب القلق. عملية التعلم تتطلب وجود ما الحافز و الاشراط و عدم سيطرة الانسان على الحدث.

التصنيف الحديث لاضطرابات القلق

القلق كعرض يظهر في جميع الاضطرابات النفسية و كذلك الطبية. كانت مجموعة اضطرابات القلق سابقاً تحتوي على الاضطرابات الطبنفسية التي يتم تصنيفها الان كمجموعة منفردة مثل اضطرابات الصدمة و الحصار المعرفي(الوسواس القهري). المجموعة الجديدة لاضطرابات القلق في الطبعة الحادية عشر للتصنيف العالمي هي:

١ اضطراب الفراق في البالغين الذي يرتكز على الشعور بالقلق من فراق عاطفي او فراق الأطفال.

٢ الصمات الانتقائي الذي يتميز بعدم الكلام بصورة متكررة في مواقف معينة و خاصة في المدرسة رغم وجود القدرة الكاملة على الكلام.

٣ اضطراب القلق الاجتماعي الذي يتميز بالقلق و الخوف في موقف اجتماعي واحد او اكثر مثل التفاعل مع الاخرين او عمل مهمة ما تحت الملاحظة او الأداء امام الاخرين.

٤ الرهاب النوعي الذي يتميز بالقلق و الخوف من كائنات آو مواقف محددة مثل الحيوانات٬ الطيران٬ او سحب الدم و غير ذلك.

٥ رهاب الساحة الذي يتمز بالقلق و الخوف من مواقف متعددة يشعر من خلالها الانسان بعدم قدرته على الخروج او الهروب منها مثل استعمال وسائط النقل٬ التسوق٬ الذهاب الى مسرح و غير ذلك.

٦ اضطراب الهلع الذي يتمز بنوبات هلع تلقائية غير مقيدة بموقف او حافز ما.

٧ اضطراب القلق المتعمم الذي يتميز بأعراض قلق مستمرة لعدة اشهر و التركيز على عدة مصادر للقلق مثل الصحة ٬ الحالة المالية و غير ذلك. 

هذا التصنيف الحديث اقل تعقيدا و اكثر وضوحاً من التصنيفات السابقة. تشخيص أي اضطراب يعتمد على تأثير الاعراض السلبي على أداء الانسان و عافيته.

علاج القلق

ليس كل قلق يحتاج علاج. هناك قلق تكيفي و منطقي لا يجوز علاجه. حين ينتقل الانسان الى موقع عمل جديد و يشعر بالقلق فهو ليس بحاجة الى عقاقير او مشورة نفسية. كذلك الامر مع الشعور بالقلق في حالة وجود اعراض جسدية تتطلب مراجعة طبية للوصول الى تشخيص تصحيح. كما تم التنويه اليها أعلاه فان القلق عرض يكاد يكون موجود في كل اضطراب نفسي و حينها يجب علاج الاضطراب النفسي اولاً٬ و اذا كانت هناك الحاجة للسيطرة على اعراض القلق فيجب ان يكون التدخل الطبنفساني مؤقتاً.

علاج اضطرابات القلق نفساني بحت٬ و دور العقاقير في المعالجة ثانوي و ليس اولي. العلاج النفساني يرتكز على تعلم استراتيجيات تساعد الانسان على مواجهة التحديات و التكيف مع ظروفه و ثانيا السيطرة على ردود الفعل السلبية عند مواجهة ظروف تسبب القلق. يتم ذلك ببساطة عن طريق ثلاثة مجموعات علاجية و هي:

١ علاجات التعرض

٢ تقنيات ارتخاء

٣ علاج معرفي سلوكي لإعادة هيكلة الأفكار الغير منطقية المصاحبة للقلق.

جميع هذه العلاجات فعالة و لا يوجد دليل مقنع في الحياة العملية حول تفضل علاج على اخر و كثيراً ما يتم الجمع بينها في المعالجة السريرية.

العقاقير هي ما يطلبه العديد من المراجعين و خاصة أولئك الذين لا يرغبون الدخول في علاج نفساني. مضادات الاكتئاب من الجيل الثاني المعروف بمثبطات استرداد سيروتونين او نورادرينالين لها دورها و كذلك عقاقير الجيل الأول من مضادات اكتئاب ثلاثية الحلقة. استعمال عقاقير بنزودايازابين له مشاكله على المدى البعيد و القريب.

مع انتشار التكنولوجيا و الأنترنت في كل مكان فان الكثير من العلاجات النفسانية يتم تقديمها عبر تطبيقات الهاتف الجوال و منها العلاج المعرفي السلوكي.

و في نهاية الامر يمكن القول بان مفهوم القلق متعدد الابعاد٬ و القلق المرضي هو الوحيد الذي يحتاج علاج و العلاج المفضل هو النفساني.

اطلاع اضافي

اضغط على الواصل 

١ تعريف القلق نفسانياً و سريريا.

٢  مفهوم و اضطراب الهلع.

٣ القلق المتعمم.

٤ الرهاب.

٥ قلق الصحة.

٦ دور الضغوط و الصدمات.

٧ قلق التعليم.

٨ القلق البيئي.

٩ رهاب الاحتجاز.



فيديو تعليمي باللغة الانكليزية