التفارق عن الواقع Dissociation







مصطلح التفارق او الانفصال لا يقتصر استعماله على العلوم النفسية و مقتبس من الكيمياء عند الحديث عن انفصال مادة كيمائية الى جزيئات و ذرات. هذه العملية الكيمائية قابلة للانعكاس و يتم استعمال مصطلح التفارق احياناً للتعبير عنها في اللغة العربية. كذلك الحال مع التفارق في العلوم النفسية فهي عملية نفسية قابلة للانعكاس.

هناك العديد من المصطلحات في الصحة النفسية التي لا تخلو من الغموض سواء كان ذلك في مجال الممارسة المهنية أو في الاتصال بين الطبيب أو المعالج النفسي ومستخدم الخدمات النفسية٫ من أكثر هذه المصطلحات غموضاً هو مصطلح الانفصال Dissociation أو التفارق. هناك اكثر من تعريف للتفارق كما يلي:

العطل في الوظائف المتكاملة للوعي و الذاكرة و الهوية الشخصية و ادراك البيئة.

استبعاد عن الوعي او عدم القدرة على الاستدعاء الطوعي لذكريات و احاسيس و مشاعر و خيال و مواقف شخصية.

انقطاع في ادراك الانسان لنفسه و بيئته.


عملية التفارق


يستعمل الكثير من العاملين في الصحة النفسية مصطلح التفارق في تفسير أو تعليل ملاحظات على سلوك المريض وأعراضه. يتم استعمال هذا المصطلح بطرق عدة مثل:

هو الآن يتفارق Dissociating.

هذه الأعراض تفارقية Dissociative

مصاب باضطراب تفارقي Dissociative Disorder.

يستعمل عمليات دفاعيةتفارقية Dissociative Defences.

هذا الاستعمال الشائع يؤدي إلى استنتاج واحد فقط وهو غموض هذا المصطلح ومعناه. متى ما كان المصطلح الطبي النفسي غامضاً كثر استعماله لتفسير ما لا يستطيع الطبيب النفسي كشفه أو تفسيره بصورة علمية.

من جراء غموض المصطلح الى حد ما ترى الدراسات الوبائية تشير الى ارقام مختلفة حول انتشار الاضطراب. هناك دراسات تشير الى ان انتشار الاضطراب لا يزيد على ١% في السكان٬ و لكن دراسة تركية واسعة استنتجت بان نسبة انتشاره هي ١٨٪. انتشار الاعراض التفارقية(و ليس الاضطراب بحد ذاته) في المراجعين لمراكز الطب النفسي يترواح ما بين١٢-٤٠ % في حين انتشاره في المراجعين لعيادات الطوارئ يقترب  من ٣٥٪. بعض الدراسات تشير الى ارتفاع انتشاره في الناث مقابل الذكور٬ و لكن درسات اخرى تشير الى عدم وجود فرق في انتشاره بين الجنسين.

التفكير المعاصر للتفارق يركز على علاقته بصدمات نقسية ماضية. هناك نظريتان تتطرق الى موضوع التفارق و علاقته بالصدمات. النظرية الاولى و التي تسمى نموذج الصدمة للتفارق TM Trauma Model يشير الى ان  و بالذات اضطراب الهوية التفارقي  مصدره تنتهاك جسدي او جنسي في الطفولة و حتى  بعد البلوغ.٬ و بالتالي فان التفارق عملية دفاعية تحمي  الذات من الام الصدمة عن طريق فقدان الذاكرة و اقتباس شخصية تفارقية. الدراسات الميدانية في هذا المجال لا تسلم من الانتقاد و البعض منها يشير الى تاريخ صدمة في مالا لايقل عن ٩٠٪ من المراجعين. في نفس الوقت عن عمل دراسات ميدانية يتم السيطرة فيها على العوامل المختلفة بصورة موضوعية لا يوجد دليل يسند هذا الرأي الي مصدره دوماً حديث المراجع . تاريخ صدمات الماضي لا يقتصر فقط على الاضطرابابات التفارقية و انما يتم ملاحظته في مختلف الاضطرابات الطبنفسية.

النظرية الثانية  لتفسير التفرق هي النموذج المعرفي الاجتماعي  SC Sociocognitive حيث يتم تفسير التفارق على انه نتاج عوامل اجتماعية٬ ثقافية٬ و معرفية تتفاعل بعضها مع البعض الاخر لاصدار رواية خاصة بالمراجع. يركز هذا النموذج على دور العلاج النفسي  في نحوير تفكير المراجع و توجيهه نحو دور الصدمات٬ استعداد المراجع للخوض في عالم الخيال٬ الاعلام المعاصر٬  و درجة الايحاء العالية في المراجع. هذا النموذج لم يسلم من النتقاد حاله حال نموذج الصدمة.

هناك عوامل اخرى تلعب دورها مثل اضطرابات النوم التي تحفز الدخول في عالم الخيال و عدم قابلية الفرد على تنظيم مشاعره و افكاره. هناك ايضاً عوامل وراثية حيث ان العامل الواثي لا يقل تاثيره عن ٥٠٪ . من ناحية عصبية نفسية هناك عدم التوازن ما بين تكامل استقبال مختلف الاحاسيس و تحفيز المناطق القشرية الظهرية الامامية و تثبيط   و تثبيط المناطق الحزامية الامامية.

غموض مصطلح التفرق يمتد الى علاقته بمفهوم الهستيريا. المصطلح الأخير انقرض أو قارب على الانقراض من الممارسة المهنية في الصحة النفسية، ولكنه لا يزال متخفياً خلف اضطرابات نفسية متعددة منها اضطرابات الشخصية والاضطرابات الجسمانية والاضطراب التحولي Conversion Disorder. هذه الاضطرابات طالما يصاحبها استعمال ظاهرة التفارق بل وحتى تشخيص اضطراب التفارق نفسه.

كذلك يكثر استعمال التفارق كتشخيص أو عملية نفسية في ما يسمى بالمتلازمات الملزمة بالثقافاتCulture Bound Syndromes .هذه الاضطرابات النفسية التي تتواجد في بعض الحضارات ومنتشرة في جميع قارات العالم يتم حصرها أحياناً بأنها مجرد اضطرابات تفارقية.

يفسر البعض الاهتمام بالتفارق شيوع تشخيص اضطراب الكرب التالي للصدمة Post Traumatic Stress Disorder PTSD . يصنف البعض الاضطراب الأخير على أنه ناتج من عملية التفارق أو هو بحد ذاته اضطراب تفارقي كما يشير إليه التصنيف العاشر للاضطرابات العقلية الصادر من منظمة الصحة العالمية.

لا تقتصر أهمية التفارق في مجال الممارسة الطبية وإنما له أبعاد اجتماعية متعددة. هناك الكثير من الطقوس الاجتماعية والدينية التي يربطها الكثير بالتفارق وأحدها على سبيل المثال بعض الطقوس الإسلامية الصوفية. كذلك يشير البعض إلى أهمية استعمال التفارق في التنويم المغناطيسي والأحلام والسحر وغيرها.


مراحل التفارق

الإنسان في حالة الوعي الكامل يدرك استمرارية جسده وشخصيته وذكرياته وأفعاله وإدراكه. هذه الاستمرارية التي يدركها الإنسان تتجاوز محيط الفرد إلى بيئته. بعبارة أخرى يمكن القول بأن الإنسان في حالة الوعي يدرك استمرارية نفسه مع محيطه.

هذه الاستمرارية قد يحدث فيها انقطاع لأسباب عدة منها الإرهاق والقلق وتلاحظ الإنسان في حالة شرود وانفصال أو سحب من محيطه. تراه لا يستمع إلى حديث الآخرين وكأنه في عالم آخر. هذه الحالة من السحب Disengagement هي من أبسط ظواهر الانفصال التي يمر بها كل إنسان.

المرحلة الثانية من مراحل التفارق هي ما يسمى بتبدد الشخصية أو الآنية Depersonalization . في هذه المرحلة يشعر الإنسان بأن هناك انقطاعا في استمرارية نفسه أو كيانه والكثير يوصف الظاهرة وكأن الفرد في حالة مشاهدة مستمرة لنفسه. وصف الإنسان لهذه الحالة لا حدود له وهناك من يوصف الحالة وكأنه تجزأ إلى عدة مقاطع وبأشكال هندسية متعددة.

المرحلة الثالثة التي قد تعقب الثانية أو تحدث في نفس الوقت أو حتى بمفردها هي تبدد الواقع Derealisation . الكثير من الأفراد يوصف المحيط الذي هو فيه أو سلوك من حوله وكأنه مسرح يتفرج هو عليه لوحده. لا اتصال له مع المسرح ولا مع من هم على خشبة المسرح.

أما المرحلة الرابعة من الانفصال فتولد إما من جراء تكرار التجارب الثلاثة أعلاه أو تكون ظاهرة نفسية بحد ذاتها. يشعر الإنسان أحياناً بتضيق عاطفي Emotional Constriction و يبدو واضحاً في تفاعله مع الآخرين. هذا الشعور يختلف عن الاكتئاب ولا يصاحبه أعراض اضطرابات النوم أو الشهية.

أما المرحلة الخامسة من الانفصال فهي تتعلق بالذاكرة وتسمى بفقدان الذاكرة التفارقية Dissociative Amnesia. يبدأ الفرد بحجب بعض الذكريات غير المرغوب فيها المشحونة بالألم والشعور بالذنب. خير مثال على ذلك تعرض الأفراد لتحرشات جنسية أثناء الطفولة التي يتم حجبها عن ذاكرة الإنسان لفترة طويلة. هذا الحجب عن الوعي قلما يكون دائمي وترى الذكريات تعود إلى الذاكرة في لحظات لسبب أو لآخر.

أما المرحلة الأخيرة من الانفصال فهي أكثر ظواهر الانفصال جدلاً وتسمى اضطراب الهوية التفارقية Dissociative Identity Disorder DID. هناك مصطلح آخر شائع الاستعمال في الأوساط الإعلامية والأدبية وهو اضطراب الشخصيات المتعددة Multiple Personalities. تصور الأدبيات الفنية أحياناً تقمص الإنسان لشخصيات متعددة ولفترة زمنية طويلة. يتقمص الإنسان شخصية معينة ويتخلص منها بعد فترة ليتقمص شخصية أخرى بعد فترة بدون وعي منه. الكثير من العاملين في مجال الصحة النفسية يشكك في وجود هذه الظاهرة. صور الأستاذ الكبير الراحل إحسان عبد القدوس الشخصيات المتعددة في رواية بئر الحرمان.

يمكن القول بان الاعراض التفارقية هي تجربة داخلية شخصية بحتة لا يستوعبها الاخرين  و لكن المظاهر السلوكية التي يلاحظها العامل في الصحة العقلية هي:

اكتئاب

قلق

هلع

رهاب

وسواس قهري

اضطرابات الاكل و خاصة القهم العصبي

جسدية نفسانية

وهام

هلاوس





ما هو التفارق

هذا السؤال يتعثر الإجابة عليه من قبل الكثير من العاملين في الصحة النفسية. هذا الارتباك يتجاوز الممارسة المهنية إلى مجال البحوث العلمية كذلك. ينظر البعض إلى التفارق على أنه آلية دفاع غير شعورية Unconscious Defence Mechanism وظيفتها تكيف الإنسان لظروف وأزمات نفسية تواجهه بين الحين والآخر. هذا التعريف ليس من السهل القبول به لتعدد مراحل أو ظواهر التفارق يضاف إلى ذلك أن الإنسان في الكثير من الحالات يشكو من الظاهرة نفسها على عكس عمليات الدفاع الغير الشعورية التي لا ينتبه إليها الفرد.

الكبت Repression غير التفارق   كما هو موضح في الجدول ادناه.

الكبت

التفارق

تقسيم افقي بين الوعي و لا وعي

تقسيم عمودي بين الوعي و لا وعي

منع الاستجابة لرغبات ممنوعة تتعارض مع الذات

عزل أفكار و مشاعر و ذكريات صدمات غير مرغوب فيها






من جراء ذلك يتوجه البعض إلى تعريف التفارق كعملية نفسية Psychological Process بحد ذاتها. هذه العملية متعددة الأسباب والظواهر ولكن العملية نفسها واحدة. رغم أن هذا التعريف أكثر وضوحاً من الأول ولكنه لا يساعد أحياناً في تفسير تعدد الظواهر المختلفة والانتقال من مرحلة إلى أخرى وخاصة التشنجات التفارقية Dissociative Convulsions التي تشبه الصرع.

الاضطرابات التفارقية يتم تصنيفها في جميع المجلدات التشخيصية. هناك حقل خاص للاضطرابات التفارقية في المجلد التشخيصي الإحصائي الخامس للجمعية الأمريكية للطب النفسي DSM V و يشمل هذا الحقل:

اضطراب الهوية التفارقي Dissociative Identity Disorder.

فقدان الذاكرة  التفارقي Dissociative Memory Loss.

اضطراب تبدد الآنية\ الواقع التفارقي Depersonalisation/Derealisation Disorder.

اضطراب تفارقي آخر معرف .

اضطراب تفارقي غير معرف .

فقدان الذاكرة التفارقي مفهوم لا يخلوا من التناقض. فقدان الذاكرة بحد ذاته متعلق بسيرة الانسان الذاتية٬ و التشخيص بحد ذاته يتطلب عدم وجود اضطراب اخر مثل صدمات الدماغ او استعمال مواد كيمائية محظورة٬ و ذلك بدوره نادر في المماسرة المهنية. التناقض الاكبر هو في علاقة المفهوم بصدمات الماضي لان ما هو مالوف ان ذكريات الصدمات يتم تبيتها باحكام في مستودع ذكريات الانسان كما هو مالوف مع اضطراب كرب ما بعد الصدمة. يكثر ملاحظة هذا الضطراب بين عم ٣٠ - ٤٠ عاماً ٬ و بنتشر وسواسية في الجنسين٫ و لا تطول مدة فقدان الذاكرة على خمسة ايام.

اضطراب تبدد الآنية\ الواقع التفارقي اكثر الاضطرابات انتشاراً و لا يقل عن ٢٪.  ما لا يقل عن نصف السكان يعانون من تجربة تبدد الانية/الوقع في حياتهم٬ و لكن تشخيص الاضطراب يتطلب استنمرارية الاعراض و تاثيرها سلبياً على اداء المراجع و حدوثها مرة واحد في الشهر على الاقل. الاعراض كثيراً ما تحدث مع مواقف حرجة و قلق٬ استعمال مواد كيمائية محظورة٬ اضطراب الهلع٬ مواقف عقاب٬ و اضطراب كرب ما بعد الصدمة PTSD.لا يختلف انتشاره في الذكر عن الانثى.

 اضطراب الهوية التفارقي اكثر الاضطرابات تناقضاً. المصطلح يستعمل كلمة هوية و شخصية في ذات الوقت و لكن الادق هو انتقال الفرد حالة شخصية بحتة  تتميز باعراض و علامات  تعكس وجود اعراض نفسية مرضية و حالة عاطفية سلبية. بعبارة اخرى لا تتغير شخصية الانسان و لكنه فجأة ينتقل الى موقع جديد  قد يتميز بايذاء الذات المتعمد ٬ سلوكيات انتحارية او عدائية٬ اضطراب الاكل و السلوكيات الجنسية. هذا الترعيف قد لا يختلف كثيراً عن ما يحدث في المصابين باضطرابات طبنفسية جسيمة مثل الفصام و الثناقطبي سوى ان لا يمكن القول بان هناك انعدام بصيرة المراجع. و انفصاله عن الواقع كلياً.

التعامل مع التفارق

التفارق بحد ذاته ظاهرة نفسية يمكن ملاحظتها في جميع الاضطرابات النفسية  و خاصة القهم العصبي و الكرب التالي للصدمة. في الكثير من الأحيان يختفي خلف ستار التفارق اضطراب نفسي جسيم يجب علاجه او ذكريات  و أزمات نفسية تعطل تحرك المراجع في الحياة و مواجهة التحديات. لذلك يستحين التركيز على علاج الاضطراب الاولي بدلا من معالجة الاعراض التفارقية.

توضيح مصدر العملية للمراجع في غاية الأهمية و الاتفاق على خطة علاج تستهدف الاضطراب الاولي او الازمات هو الحل و ليس التركيز على الاعراض نفسها.

من المعروف عن شارل داروين انه كان يعاني من اعراض قلق متعددة وفي مقدمتها تبدد او اختلال الانية منذ عمر ٢٨ عاما بعد عودته من رحلته. لم يشل التفارق أدائه العلمي و المعرفي.