ربط الصرع بالطب النفساني Connecting Epilepsy & Psychiatry



الصرع تعريفاً اضطرابٌ مزمن أعراضه نوبات صرعية متكررة٬ والنوبة الصرعية بحد ذاتها ليست الا أحد اعراض أضطراب عضوي في مختلف انحاء الجسم. علاقة الصرع بالجوانب النفسانية والطب النفسي علاقة قديمة جداً ولها ابعاد اجتماعية٬ روحانية٫ دينية وثقافية لا يصعب العثور عليها في مختلف الثقافات القديمة والحاضرة. الغاية من هذه المراجعة هو توضيح الجوانب النفسانية للصرع من منظار طبنفساني حديث. 

يتميز الصرع عن بقية الاضطرابات العصبية التي مصدرها الجهاز العصبي المركزي بكثرة الخرافات التي تحيط به عبر التاريخ٬ والتي لا يصعب ملاحظتها في الاعلام العام وأحاديث الناس٬ وخاصة في المجتمعات الشرقية والعربية. لكن ان تفحصنا التاريخ القديم نلاحظ بان الاغريق القدامى وعلى لسان سقراط الذي وضح في كتاباته ان الجوانب الروحانية للصرع لا تستند على أي دليل علمي وسببها بان الانسان لا يفهم الصرع  1. حاول سقراط وضع فرضية فسيولوجية للصرع٬ وميز بين الصرع كأضطراب اولي٬ وثانوي لأمراض أخرى. تحدث ايضاً عن الحمى كأحد أسباب الصرع وكذلك تطرق الى الحديث عن علاقة الصرع بالإكتئاب. أشار سقراط الى ان الصلوات والدعاء والطقوس لشفاء الصرع ما هي الا ظاهرة تعكس معتقدات المريض ذاته.

الآراء التقليدية

لا يزال الطب النفساني والى يومنها هذا يعني بالتصنيف الهرمي 2 للاضطرابات الطبنفسية٬ في قمة الهرم هناك الأضطرابات العضوية وبعدها الذهانية٬ أضطرابات المزاج٬ ثم العصابية واخيراً أضطرابات الشخصية. ما يعنيه الهرم بان القائمة الأعلى تطغي على القائمة الأسفل فحين يتم العثور على أعراض ذهانية ولكن مع وجود علامات مميزة لاضطراب عضوي فان التشخيص هو أضطراب عضوي وليس الفصام على سبيل المثال. هذا التصنيف لا يزال يثير اهتمام الطب النفساني رغم تشعب التشخيصات وخاصة في القائمة العصابية التي تشمل أضطراب الحصار المعرفي والقلق وكرب ما بعد الصدمة. مراجعة مختلف البحوث والدراسات العلمية تشير الى ارتفاع نسبة هذه المجموعات الطبنفسانية في المراجعين المصابين بالصرع.


معدل انتشار مختلف الاضطرابات الطبنفسانية في الصرع هو ما بين ٢٠ – ٦٠٪ ٬ وذلك بدوره يعتمد على عينات المراجعين في الدراسات واستعمال الأدوات اللازمة للتشخيص 3. اما الأضطرابات فيمكن تعدادها كما يلي: الاضطرابات العضوية وبالذات المزمنة منها و هو الخرف٬ وبعدها الاضطرابات الذهانية الكثيرة الارتباط ببؤرة صرعية في الجانب الايسر من الدماغ٬ وانتشاره ما بين ٧ – ١٢٪. هناك ايضاً الأضطرابات الوجدانية٬ أضطرابات الشخصية٬ الأضطرابات الجنسية٬ أضطرابات نفسانية مصدرها العقاقير المضادة للصرع واخيراً الانتحار بحد ذاته. أنتشار الانتحار 4 في المراجعين المصابين بالصرع هو ضعف معدله في غير المصابين به٬ وتكثر ملاحظته بعد مرور أكثر من ١٥ عاماً من التشخيص.

يتم تصنيف العلاقة بين النوبات والصرعية والاضطرابات النفسانية الى ثلاث مجموعات. المجموعا الأولى هو مجموعة النوبة الصرعية Ictalو التي يتم تعريفها بعلامات أعراض نفسانية مصدرها النوبة الصرعية بحد ذاتها. المجموعة الثانية هي المجاورة للنوبة الصرعيةPeri-ictal وتعني أعراض نفسانية قد تسبق النوبة الصرعية او تتبعها خلال فترة قصيرة. اما المجموعة الثالثة والأخيرة فهو المجموعة ما بين النوبات الصرعية Interictal والتي تعني اضطرابات طبنفسية تحدث بين النوبات، ولكن غير مجاورة لها. أما سببيات الأضطرابات النفسانية فيتم تصنيفها عموما الى مجموعتين وهي البيولوجية التي تعني بإضطراب الصرع نفسه٬ أسبابه٬ وعلاجه؛ والمجموعة العامة التي يمكن وصفها بتفاعل الانسان عموماً مع اصابته بمرض مزمن.

يتم صياغة حالة المراجع الذي يعاني من الصرع استناداً الى نماذج الطبنفسي. هناك اولاً النموذج الاجتماعي الذي يعبر عن تهميش المصاب بالصرع ومعاناته من التمييز في مختلف مجالات الحياة في التعليم وفرص العمل. النموذج النفسي الحركي يعني بالدفاعات النفسية الغير الواعية الذي يلتجأ اليها المصاب بالصرع من اجل الحفاظ على توازنه النفسي مع مواجهة العقد البؤرية النفسية التي يتم تخزينها لا شعورياً بسبب التشخيص والعلاقة بينه وبين الكائنات التي تحيط به. النموذج المعرفي السلوكي يعني بالسلوكيات والمعتقدات التي يتمسك بها المصاب بالصرع بسبب عوامل المرض نفسه والعقاقير التي يستعملها للوقاية من الصرع. واخيراً هناك النموذج المرضي Disease الذي يركز على المرض نفسه٬ الافة التي تسبب الصرع بالإضافة الى الاضطرابات الطبنفسية التي تصاحب تشخيص الصرع بحد ذاته.

اما وجهات النظر المعاصرة في الحديث عن الصرع والاضطرابات الطبنفسية فهو يميل الى التركيز 5 على العلاقة الثنائية التوجه بين الصرع ومختلف الاضطرابات الطبنفسية والاضطرابات العصبية ايضاً. بعبارة أخرى ما يعنيه هذا الرأي بان الصرع يؤدي الى الإصابة باضطرابات نفسية مختلفة، ولكن في نفس الوقت الاضطرابات النفسية بحد ذاتها قد تؤدي الى الإصابة بالصرع. ربما يعود شيوع وجهة النظر هذه الى ان رعاية المصابين بالصرع تكاد تكون مقتصرة على طب الجملة العصبية ٬وضلوع مختلف الاختصاصات الطبية في علاج الاعراض النفسانية مع استعمال العقاقير الطبنفسية وتواجد المعالج النفساني بكثرة في مراكز الجملة العصبية. هذه العوامل ربما دفعت الى فراق الطب العصبي من الطب النفسي تدريجياً٬ وقد لا تقتصر الظاهرة على الصرع نفسه وانما على مختلف الاضطرابات الوظيفية التي يتم تصنيفها هذه الأيام بالاضطرابات العصبية الوظيفية حيث زحفت باتجاه طب الجملة العصبية في السنوات الاخيرة.

الاضطرابات العضوية Organic Disorders

عند الحديث عن الاضطرابات العضوية الطبنفسانية في المصابين بالصرع فالموضوع يتعلق عموماً بالتدهور المعرفي الذي يصاحب الصرع نفسه. الظاهرة الأولى ما هو المعروف في الدراسات العلمية بان هناك عجز في أداء المصابين بالصرع من كبار السن في مختلف أختبارات الوظائف المعرفية مقارنة بغير المصاب بالصرع 6. هذا العجز يصبح أكثر وضوحاً مع استعمال عقاقير عدة لعلاج الصرع. من أكثر الاختبارات السريرية استعمالاً في الممارسة المهنية هو قياس الذاكرة القصيرة الأمد Short Term Memory حيث ان أداء كبير السن المصاب بالصرع لا يختلف عن أداء المصاب بعجز معرفي خفيف Mild Cognitive Impairment MCIو هذا العجز يتفاقم مع استعمال أكثر من عقار واحد لعلاج الصرع. لكن الملاحظة الأهم من أعلاه هو اتفاق الدراسات على وجود عجز في الوظائف الإدارية حتى قبل استعمال العقاقير المضادة للصرع 7 .

الظاهرة الثانية التي ركزت عليها الدراسات هو النسيان الطويل الأمد المعجل Accelerated Long- Term Forgetfulness حيت يتم تشفير الذكريات بصورة طبيعية، ولكن لا يتم الاحتفاظ بها الا لفترة لا تزيد على ايام او بضعة أسابيع. هذه الظاهرة 8 كثيرة الملاحظة مع بؤرة صرعية في الفص الصدغي٬ وهذا ليس بالغريب إذا تذكرنا بان الفص الصدغي هو عشر ذكريات الانسان. هذه النسيان يتقدم احياناً بسرعة في بعض المصابين لدرجة تعرقل أدائهم اليومي العملي والمهني. تتناسب هذه الظاهرة طردياً مع طول مدة الإصابة بالصرع٬ و قد تتأثر كذلك ويتم تلطيفها بما نسميه الاحتياطي المعرفي Cognitive Reserve للإنسان الذي يتم تقييمه بذكاء الانسان٬ سنوات التعليم٬ وتعقيد العمل الذي يمارسه.

الظاهرة الثالثة التي غالباً لا يتم تشخيصها بسرعة هي فقدان الذاكرة الصرعي العابر Transient Global Amnesia حيث يتم ملاحظتها في كبار السن مع معدل عمر ٥٧ عاماً 9 . يستيقظ المريض ويعاني من فقدان الذاكرة لأحداث سابقة وعدم قدرته على الاحتفاظ بمعلومات في ذلك الوقت. بعبارة أخرى هناك فقدان ذاكرة تراجعي وتقدمي في ذات الوقت. غالبا ما يعاني المراجع من هلاوس شمية واعراض تلقائية Automatisms تصاحب الصرع الجزئي مع بؤرة في الفص الصدغي. تكرار هذه الظاهرة يؤدي الى تدهور كفاءة الانسان في انشاء ذكريات جديدة.

الظواهر الثلاثة أعلاه توضح لنا مسار تدهور الأداء المعرفي في المصاب بالصرع. هذا المسار الذي يصل قد الى عتبة الإصابة بالخرف يتوازى مع بقية البشر الغير مصابين بالصرع و لكنه اسرع٬ ولكن هناك مسار ثاني معجل قد يحدث بسبب عوامل عدة تتعلق بالصرع نفسه٬ علاجه٬ واخيراً الاضطرابات النفسانية المختلفة وعلاجها والمصاحبة للصرع. كذلك هناك من يعاني من إصابات الرأس الرضية المتكررة مع النوبات الصرعية التي تعجل بالتدهور المعرفي.


لا أحد يستعمل مفهوم الصرع الخرفي هذه الايام Epileptic Dementia ولكن العلاقة بين الصرع والخرف لا تقبل الجدال واول من اشار اليها أحد رواد الأطباء في دراسة الصرع و هو كاورز Gowers في القرن التاسع عشر. ما يجب ان ندركه بان الصرع هو مرض شبكات الدماغ Brain Networks Diseaseوبالتالي تكثر ملاحظة امراض الخرف معه. يتم تعليل ذلك بان ألية المرض الذي يسبب الصرع لا تختلف عن ألية المرض الذي يسبب الخرف. من جهة أخرى قد تؤدي النوبات الصرعية الى تغييرات مرضية في انسجة الدماغ نفسه. هناك دراسات تشير الى ان بروتين كيناز المعتمد على سيكلين Cyclin Dependent Kinase 5 التي يكثر تواجدها في انسجة دماغ المصاب بالصرع يكثر ملاحظتها كذلك في الافة الصرعية بالإضافة الى كثرة ملاحظة بروتينات تاو Tau proteins المعروفة بعلاقتها بخرف الزهايمر٬ في الآفات الصرعية 10 .

يمكن توضيح العلاقة بين الصرع والخرف من خلال النموذج ادناه. هناك عوامل وعائية وعوامل الخرف والصرع متشابكة بعضها مع البعض الاخر. هناك اللويحات والحبائك Plaques & Tangles الخاصة بالخرف و التي قد تجتمع ايضاً في البؤرة الصرعية. هناك عوامل وعائية تتعلق بنمط حياة المصاب بالصرع وتجنبه النشاط البدني٬ العقاقير المستعملة في علاج الصرع والاضطرابات النفسانية التي تؤدي بدورها الى تغييرات كيمائية وتعجيل الإصابة بالمتلازمة الايضية. اجتماع هذه العوامل كلها يوضح العلاقة بين الخرف والصرع وضرورة انتباه الطبيب الى متابعة الحالة الصحية العامة لمراجعه.

الذهان Psychosis

عند الحديث عن الذهان في الصرع هذه الأيام فالموضوع يتعلق بمجموعتين من الاضطرابات الذهانية. المجوعة الأولى هي اضطرابات ذهانية مزمنة تحدث ما بين النوبات الصرعية و تشبه الفصام في اعراضها الى حد ما. المجموعة الثانية هي لحالات تخليطية انتيابيه Episodic Confusional states متزامنة مع النوبات الصرعية او الفعالية الصرعية٬ وظاهريا لا تختلف في الكثير في الغالبية عن حالات تخليطية حادة في مختلف الاختصاصات الطبية.

يتم استعمال مصطلح اضطرابات الصرع الذهانية المشابهة للفصام SLPE Schizophrenia-like psychoses of epilepsy في وصف الذهان المزمن 11 . اعراضه لا تختلف عن الفصام٬ و كثيراً ما يظهر بعد سنوات عدة من الإصابة بالصرع. إطار الاعراض الذهانية لا يختلف عن الفصام٬ و لكن ربما محتوى الوهام و الهلاوس له علاقة بظروف المريض بسبب الصرع. لا توجد علاقة بين الفعالية الصرعية و السيطرة على النوبات الصرعية عموماً في هذا النوع من الذهان.

يتم استعمال مصطلح نوبات ذهان انتيابية لوصف مجموعة النوبات الحادة و يمكن تقسيمها الى ثلاثة مجموعة. المجموعة الأولى هي مجموعة الذهان التالي للنوبة الصرعية Postictal Psychosis و هو اكثر أنواع الذهان الحاد انتشاراً. يتبع ذلك مجموعة الذهان المحدث بالعقاقير سواء ذلك كان عقاقير مضادة للصرع او عقاقير محظورة. انتشر مفهوم الحشيش كمادة كيمائية مضادة للصرع٬ و ليس من المستغرب ملاحظة اعراض ذهانية مصدرها مستحضرات غير قانونية تحتوى على الحشيش. الذهان التالي للصرع كثير الملاحظة مع نوبات صرعية جزئية تتفاقم فجأة و مصدرها بؤرة في الفص الصدغي. بعد تعافي المريض من النوبة يحدث تدهور في حالته العقلية بعد ١٢- ٧٢ ساعة٬ و أعراض الذهان تتميز بكونها فصامية او وجدانية المحتوى بالإضافة الى الاعراض التخليطية. يتحسن المريض تلقائيا خلال أسبوع٬ و ان تم عمل تخطيط دماغ كهربائي فقد يمكن ملاحظة فعالية صرعية او أمواج بطيئة.

المجموعة الثالثة هي مجموعة الذهان المتناوب Alternating Psychosisالذي يحدث في مرحلة السيطرة الكلية او شبه كلية على النوبات الصرعية. التطبيع القهري Forced Normalization هو التفسير العلمي لتفسير ظاهرة الذهان المتناوب٬ ولكن لا يتم استعمالها سريريا الا إذا تم الحصول على الدليل بوجود تخطيط دماغ كهربائي طبيعي مقارنة بتخطيط دماغ كهربائي سابق غير طبيعي. وصفه لاندولت Landolt في الصرع الجزئي 12 ، ولكنه ايضاً كثير الملاحظة في المرضى الذي يتم علاجهم باستعمال عقاقير سكسنمايد Succinimide ويتم استعمال مصطلح مجموعة سكسنمايد لوصفهم.

الامراض العصبية و الطبنفسانية المصاحبة الصرع

المفهوم السائد هذه الايام في الحديث عن الامراض الطبنفسية المصاحبة للصرع هو العلاقة الثنائية التوجه Bidirectional Relationship بين الصرع و الامراض الطبنفسانية 5 و كذلك بين الصرع و الأمراض العصبية. يمكن تقسيم هذه العلاقة في الطب النفساني أولاً بين الصرع من جهة و الاضطرابات العصبية التطورية التي هي عجز الانتباه فرط الحركة و طيف الاضطرابات التوحدية٬ ثانياً بين الصرع و اضطرابات القلق و المزاج٬ و ثالثاً العلاقة بين المجموعات الثلاث.

ما يعنينه المفهوم الثنائي التوجه هو ان المراجعين المصابين بالصرع اكثر عرضةً من غيرهم للإصابة بالاضطرابات أعلاه٬ و لكن المصابون بالاضطرابات الأخيرة هم ايضاً اكثر احتمالا من غيرهم ان يصابون بالصرع. تكمن أهمية المفهوم الى تغييره للقاعدة الطبية العامة بان العقاقير المستعملة في علاج الامراض الطبنفسية ليست هي السبب في إصابة المريض بنوبات صرعية و انما ظهور الصرع هو مسار طبيعي للمرض الطبنفساني بحد ذاته. جميع هذه الاضطرابات قد تظهر في مرحلة ما في المرضى المصابين بالصرع يتراوح انتشارها ما بين ٣٠٪ لاضطرابات القلق و المزاج و عجز الانتباه فرط الحركة٬ و لا يقل انتشار الاضطرابات الذهانية عن ٧٪.

اضطرابات المزاج المتمثلة بالاكتئاب كثيرة الملاحظة في المصابين بالصرع لأسباب مختلفة٬ و لكن ما هو الملاحظ هو غياب الدراسات الميدانية عن اضطراب الثناقطبي 13 . هناك دراسات تشير الى ان انتشار الثناقطبي في المصابين بالصرع لا يقل عن ضعف انتشاره في بقية الناس٬ و لكن تشخيصه اصعب من غيره بسبب اختلاط و تناوب الاعراض المختلفة من مزاجية و ذهانية و صرعية في المريض نفسه٬ و غالبا ما يتم تفسيرها بنوبات ذهانية مصاحبة للنوبات الصرعية. كذلك يمكن تفسير الظاهرة بان العقاقير المضادة للصرع قد تلعب دورها في تغيير مسار الثناقطبي في المريض نفسه.


اما الامراض العصبية المصاحبة للصرع فهي متعددة و تشمل الجروح الدماغية الرضية٬ الأورام٬ الامراض الوعائية٬ أمراض المناعة الذاتية٬ و الشلل الدماغي Cerebral Palsy. كذلك ما نستوعبه ان العقاقير المضادة للصرع قد يكون لها تأثير إيجابي او سلبي على هذه الامراض. الكثير من هذه الامراض يصاحبها اضطرابات طبنفسي او اعراض نفسانية مختلفة و لكن العلاقة الثنائية التوجه لا توجد الا في الخرف٬ الضربة الوعائية الدماغية Stroke٬ الشقيقة و الاضطرابات التطورية العصبية. لا توجد علاقة ثنائية التوجه ما بين الصرع من جهة و الشلل الدماغي٬ جروح الدماغ الرضية٬ و التصلب المتعدد رغم شيوع الاعراض الطبنفسية فيها.

نوبات مجاورة للنوبة الصرعية

لا بد من الحديث عن هذا الموضوع في جزء خاص به لتوضيح المفهوم أولا و فصله عن الاعراض الطبنفسانية المصاحبة للصرع. المجموعة الأولى من النوبات تعرف بنوبات سابقة للنوبة الصرعية Preictal Episodes و تتميز بتعكر المزاج بين ساعات عدة الى ثلاثة أيام قبل حدوث النوبة الصرعية. يتفاقم امر هذه الاعراض في الكثير لفترة ٢٤ ساعة قبل حدوث النوبة٬ و تتحسن الاعراض في الغالبية بعد ذلك الا في اقلية حيث تستمر لعدة أيام.

كان الحديث أعلاه عن النوبات الذهانية التالية او ما بعد النوبة الصرعية٬ و لكن ليس جميع هذه النوبات ذهانية. تتعدد اعراض هذه النوبات٬ تشمل القلق٬ الأكتئاب٬ السلوك الأندفاعي٬ التفكير الانتحاري ٬ و التهيج بالإضافة الى الأعراض الذهانية. لا تستجيب هذه الاعراض للعلاج باستثناء الاعراض الذهانية٬ و التخلص منها لا يتم الا مع السيطرة الكاملة على النوبات الصرعية. يكثر ملاحظتها في الصرع البؤري المقاوم للعلاج٬ و قد تتأخر بداية الاعراض لفترة عدة أيام مما يؤدي الى تشخيص اضطرابات نفسية ما بين النوبات الصرعية .

الظاهرة الثالثة للنوبات المجاورة للنوبة الصرعية هي مجموعة الاعراض الصرعية الطبنفسية التي لا يسهل تشخيصها و كثيراً ما ينتهي المريض بالحصول على تشخيص اضطرابات القلق و الاكتئاب بدلاً من الصرع. اكثر الاعراض انتشارا هو الهلع (٦٠٪)الصرعي و يتبعه الاكتئاب.

اما المجموعة الأخيرة نوبات مجاورة للصرع تتميز بأعراض طبنفسية و سلوكية و أسبابها هي التطبيع القسري٬ ورم وطائي عابي14 Hypothalamic Hamartoma ٬ و الحبسة الصرعية الطفلية Epileptic Aphasia of Childhood. 

التطبيع القسري  12 هو تشخيص لا يمكن الوصول اليه الا مع عمل تخطيط دماغ كهربائي٬ و رغم الإشارة اليه كاضطراب ذهاني لكن الاعراض الاكتئابية اكثر شيوعا و غالبا لا يتم تشخيصها بسرعة. الظاهرة على عكس ما يتصور البعض شائعة في الصرع المقاوم للعلاج و لا تتحسن الاعراض الا مع حدوث نوبة صرعية. هذه الظاهرة اكثر ارتباطاً بعقاقير معينة مثل كلوزابام ClobazamفيكاباترنVigabatrin و سكسنمايد.

اضطرابات الشخصية

اضطرابات الشخصية و سمات الشخصية من اكثر المواضيع التي تثير الارتباك في دراسة مختلف الاضطرابات العضوية٬ و قلما تجد دراسة مقنعة توضح هذه العلاقة بين الصورة الجانبية الشخصية للإنسان و المرض الذي يعاني منه. كان الاعتقاد السائد سابقاً بان هناك شخصية تدعى بالشخصية الصرعية٬ و لكن لا أحد الان يقبل او يستطيع استيعاب مثل هذا المفهوم. بعبارة أخرى يمكن القول بان ما هو المقبول الان القول عدم وجود شخصية صرعية و عدم وجود سمات شخصية خاصة بالمريض المصاب بالصرع. لا توجد دراسة مقنعة تربط ما بين سمات الشخصية و الصرع.

انتشر مفهوم الشخصية الحدية في الطب النفسي منذ بداية الالفية الثالثة٬ و بدأت دراسة هذا المفهوم في المصابين بالصرع٬ و لكن لا يوجد دليل مقنع يشير الى ان انتشار اضطراب الشخصية الحدية مع الصرع المزمن يختلف عن بقية الناس 15 . رغم ذلك هناك اضطرابات شخصية تم وصفها في المصابين بالصرع المزمن و الاولى متلازمة جانز Janz Syndromeالتي تصاحب بعض المصابين بالصرع العضلي الرمعي لليافعين 16 و تتميز بتقلبات المزاج٬ و عدم الالتزام بالعلاج و تأزم العلاقات الاجتماعية. هذه الصفات تكثر ملاحظتها في الحياة المهنية٬ و لكنها في نفس الوقت قد تكون مجرد رد فعل لتشخيص الصرع بحد ذاته و علاجه في فترة حرجة من حياة المراهق.


المتلازمة الأخرى الاكثر شهرة من السابقة 17 هي متلازمة كاستو- كيشوند Gastaut Geschwind Syndrome التي وصفها الفرنسي كاستو و في نفس الوقت كيشوند في أمريكا في السبعينيات . هذه المتلازمة مرتبطة بصرع الفص الصدغي و تتميز بإسراف الانسان بالكتابة القهرية و التدين و تغير الفعالية الجنسية حيث تميل الى الفتور في غالبية الحالات. هذه الصفات الشخصية في المصابين بالصرع ليست جديدة و هناك وصف لها في القرن التاسع العشر. كذلك لا يمكن تفسيرها فقط بالفعالية الصرعية٬ و قد يتم ملاحظتها نادراً في المصابين بأمراض طبنفسانية أخرى تتميز باختلال وظيفي في الفص الصدغي. العقاقير المضادة للصرع تؤثر على الهرمونات الجنسية و ربما ذلك يفسر تغير السلوك الجنسي. الذي يميل غالباً الى الفتور .

العلاقة بين العنف أو السلوك العدواني و الصرع اكثر تعقيداً٬ و هناك العديد من الدراسات حول السلوك العدواني خلال النوبة الصرعية او في المرحلة التابعة للنوبة الصرعية. جميع هذه الحالات نادرة و لا يصعب تمييزها و ربطها بالنوبة الصرعية. انتشار الصرع في السجناء 18 لا يختلف عن بقية السكان و يقارب ١٪ و يتناقض مع المفهوم السائد عن وجود علاقة ما بين الشخصية المعادية للمجتمع و الصرع.


العقاقير المضادة للصرع و الحالة النفسانية

استعمال العقاقير المضادة للصرع في علاج مختلف الامراض الطبنفسية واسع الانتشار في الطب العام و الطب النفسي. الجداول ادناه توضح فعالية هذه العقاقير في تنظيم المزاج و علاج القلق. عقار فالبرويت و كارباميزابين في علاج الثناقطبي ربما يلعب دوره في انخفاض نسبة تشخيص الاضطراب في المراجعين المصابين بالصرع. و لكن هذه العقاقير ايضاً لها اعراض جانبية طبنفسانية يجب الانتباه اليها في المصابين بالصرع قبل تشخيص إصابة المراجع باضطراب طبنفسي. كذلك للعقاقير المضادة للصرع فعالية مسكنة للألم.


ما يجب الانتباه اليه من جانب طبنفساني هو ان العقاقير المضادة للصرع قد تسبب متلازمة ايضية 19 حالها حال العقاقير المضادة للذهان. هذه المتلازمة كثيرة الملاحظة مع عقار فالبرويت و كارباميزابين.

العقاقير النفسانية التأثيرPsychotropic Drugs و الصرع

الارشادات الطبية العامة توصي دوماً بتوخي الحذر مع وصف عقاقير نفسانية التأثير للمراجعين المصابين بالصرع. هذه التوصية لا تزال نافذة المفعول باستثناء العقاقير المضادة للأكتئاب 20 حين تم نشر دراسة جمعت جميع الدراسات الميدانية السابقة و تم نشرها في عام ٢٠٠٧. هذه الدراسة التحليلية استنتجت بان حدوث نوبة صرعية مع استعمال عقار مضاد للاكتئاب من مثبطات السيروتونين الانتقائية اقل من حدوث نوبة صرعية مع استعمال عقار كاذب خالي من الفعالية Placebo. يقترب هذا الاحتمال من ٢٠ ضعف احتمال حدوثها في عامة الناس ٬ و على ضوء ذلك استنتجت الدراسة التي شملت اكثر من ٧٥ الف حالة بان الاكتئاب بحد ذاته هو عامل خطورة للإصابة بالصرع و ليس العقاقير. لكن الدراسة ايضاً استنتجت بان النوبات الصرعية اكثر شيوعاً مع استعمال عقار بيوبروبيون Bupropion و عقار كلومبيرامينClomipramine . يمكن القول كذلك بان عقار مابروتلين Maprotiline و اموكسابينAmoxapine يجب تجنبهما . التوصيات العامة لاستعمال العقاقير المضادة للاكتئاب يمكن مراجعتها في الجدول ادناه.


العقاقير المضادة للذهان 21 عموماً مثيرة للفعالية الصرعية ٬ و عقاقير الجيل الثاني اكثر تحفيزاً للصرع من عقاقير الجيل الأول. يمكن القول بان عقار كلوزابينClozapine و اولانزبين Olanzapine اكثر تحفيزاً من عقاقير الجيل الثاني الأخرى. اما عقاقير الجيل الأول فهي الأخرى محفزة للصرع و عقار هالوبريدولHaloperidol اقل تحفيزاً بكثير من كلوربرومازين.

اما العقاقير المنبهة نفسيا Psychostimulantالمستعملة في اضطرابً عجز الانتباه فرط الحركة فهي عموما سليمة الاستعمال مع الصرع و لكن لها اعراضها الجانبية الخاصة بها.

تفاعلات العقاقير المضادة للصرع متعددة جداً بعضها مع البعض الاخر و مع العقاقير النفسانية التأثير ٬ و قد تؤدي هذه التفاعلات الى تغيير تركيز العقاقير الى تغيير مفعولها. لذلك لا بد من الحرص على التفكير ملياً حين وصف أي عقار للمراجع المصاب بالصرع مع اتباع الجدول ادناه و الرجوع الى المصادر العلمية.



ملاحظات و مصادر(الضغط على الواصل)

1 اول من تحدث عن الصرع بصورة موضوعية علمية هو سقراط و بعد ذلك ازدحمت ثقافات العالم بالخرافات حول هذا الموضوع. 

2 لا يزال النموذج الهرمي يشكل حجر الأساس في التشخيص الطبنفساني٬ و لم تتم ازاحته مع ولادة نموذج المحاور المتعددة او طيف الامراض الطبنفسانية.

 3 معدل انتشار و حدوث الاضطرابات الطبنفسانية في الصرع قد يزيد على مصاحبة الامراض الطبنفسانية في الامراض المزمنة الأخرى ربما لسبب واحد فقط و هو ان الصرع مصدره الدماغ بحد ذاته.

 4 الانتحار في المصابين بالصرع ضعف معدله في بقية الناس. ربما يكون السبب عدم تشخيص الاكتئاب في المصابين بالصرع و كذلك عدم التحري عن الافكار الانتحارية في عيادات الصرع. 

5 الحديث عن العلاقة الثنائية التوجه بين الصرع و الاضطرابات الطبنفسانية يكاد يطغي على صياغة الامراض النفسانية في الصرع. المفهوم بحد ذاته ليس بديلاً لصياغة الامراض الطبنفسانية بصورة موضوعية استنادا الى استعمال النماذج المختلفة. 

6 الأداء المعرفي للإنسان المصاب بالصرع اضعف من غيره. هذه الظاهرة اكثر ملاحظة في كبار السن و مع بداية الصرع في العقد السادس من العمر. 

7 يتم تفسير ضعف الوظائف الامامية الادارية بتأثير العقاقير المضادة للصرع٬ و هي بلا شك تلعب دورها. ربما العقاقير الحديثة اقل تأثيراً من القديمة٬ و ولكن في نفس الوقت أداء الغالبية العظمى من المراجعين لا يقل عن غيرهم. 

8 هذه الظاهرة لا تقتصر فقط على الصرع و العوامل الوعائية قد تلعب دورها. رغم ذلك فان علاج الصرع الثانوي في كبار السن قد يساعد في عدة تدهور الوظائف المعرفية بسرعة. في نفس الوقت لا بد من موازنة جميع العوامل في علاج المريض و خاصة تأثير العقاقير المضادة للصرع على الوظائف المعرفية. 

9 قد يكون مصدر هذه الظاهرة عوامل مشتركة من وعائية و صرعية. رغم ذلك فان التشخيص المبكر في غاية الاهمية٬ و يجب توخي الحذر من تفسير مثل هذه الحالات بانها فقدان ذاكرة نفسي خاصة بعد العقد الثالث من العمر. للكاتب حالة مرضية تم تشخيصها اكثر من مرة من قبل الطب العام بانها حالة فقدان ذاكرة نفسي بسبب فحوص اشعاعية طبيعية في انسان تجاوز العقد الرابع من العمر. لم يحصل التشخيص الدقيق الا بعد عمل دراسات رسم المخ الكهربائي.

 10 هذه الظاهرة توحي باجتماع التغيرات النسيجية الناتجة من تقدم العمر و الخرف مع تغييرات مشابهة تحدث في البؤرة الصرعية. تم ملاحظة هذه الظاهرة في اكثر من دراسة في السنوات العشر الماضية. 

11 هناك علاقة قوية ما بين الصرع و الفصام٬ و احتمال إصابة المصاب بالصرع بالفصام هو ثلاثة اضعاف غيره. لا يختلف انتشاره ما بين الذكور و الاناث٬ و الدراسات الميدانية الأخيرة لا تساند الرأي الشائع بان هناك علاقة ما بين نوع الصرع و احتمال الإصابة بالفصام. 

12 ظاهرة الذهان المتناوب لا يسهل تشخيصها خاصة ان رعاية المريض المصاب بالذهان يتم في غالبية الحالات خارج مراكز الصرع٬ و خاصة مع بداية انتكاسة المريض. رغم ان هناك بعض الاراء التي تشك في قيمة المفهوم و فصله عن بقية أنواع الذهان المصاحبة للصرع ٬و لكنه ظاهرة لا يصعب ملاحظتها في المراكز التي تعني بالمراجعين المصابين بصرع مقاوم للعلاج. 

13 المسار العرضي لانتكاسة الصرع احياناً لا يختلف في اطاره عن انتكاسات الثناقطبي٬ وقد يفسر صعوبة تمييزه في مراكز علاج الصرع و كذلك في المراكز الطبنفسانية. 

14 حالات نادرة في الطفولة لا تستجيب للعلاج و تحتاج الى تداخل جراحي. 

15الشخصية الحدية اكثر ارتباطاً بنوبات لا صرعية٬ و يتم حصرها في اطار التفارق عن الواقع. في نفس الوقت المصاب باضطراب الشخصية الحدية اكثر اندفاعاً في سلوكه و يميل الى استعمال مواد كيمائية محظورة و يتعرض لإصابات الرأس الرضية. العوامل الأخيرة قد تفسر ظهور الصرع مع اضطراب الشخصية الحدية. 

16 يتم استعمال المصطلح جزافاً لوصف سلوكيات المصاب بهذا النوع من الصرع و أحيانا بصورة غير صحيحة لوصف اضطراب الصرع نفسه. البعض هذه الأيام يميل الى استعمال مصطلح اضطراب الشخصية الحدية. 

17 هذه الظاهرة اثارت فضول العديد من الباحثين٬ و لا ربما لا توجد فقط في المصابين بالصرع المزمن و انما في اضطرابات طبنفسانية أخرى. 

18 لا يوجد دليل على ان الصرع يؤدي الى العنف٬ و ربط الصرع بالسلوك العدواني مصدره تحيز معرفي و اجتماعي بسبب الثقافات المحلية. 

19 استعمال عقاقير مضادة للصرع له علاقة مع متلازمة ايضية Metabolic Syndrome. يمكن تصنيف العقاقير الى ثلاثة مجموعات أولها عقاقير تؤدي الى زيادة الوزن و متلازمة ايضية و أهمها عقاقير فالبرويت٬ كارباميزابين٬ بريكابلين٬ و كابابينتن. المجموعة الثانية لهي لعقاقير لا تؤثر على الوزن و يمكن وصفها بالحيادية و أهمها عقار لامتروجين و فينيتوين Phenytoin ٬ و المجموعة الثالثة لهي لعقاقير تؤدي الى انخفاض الوزن و هي عقار توبايرميت٬ زونوسيمايد٫ و عقار فيلبميت Felbamate. لعقاقير الصرع اعراض جانبية متعددة٬ و لا يجوز إضافة عقار من المجموعة الأخيرة لمجرد السيطرة على الوزن. 

20 رغم الإشارة في النص الى دراسة عام ٢٠٠٧ و لكن بعد ذلك صدرت عدة دراسات تثبت سلامة مثبطات استرداد سيروتونين الانتقائية في علاج الاكتئاب في المراجعين المصابين بالصرع. 

21 يمكن القول بان العقاقير المضادة للذهان اكثير تحفيزاً للصرع٬ و يشمل ذلك جميع العقاقير٬ و لكن عقاقير الجيل الأول اقل تحفيزاً من عقاقير الجيل الثاني. رغم ذلك فان علاج الذهان لا يجب ان يتأخر بسبب إصابة المريض بالصرع و المفضل التشاور مع مركز الصرع حول العلاج.