التشخيص


تشخيص الصرع واحد من أصعب التحديات التي تواجه الطبيب والجراح في الممارسة المهنية. عدم تشخيص الصرع يؤدي الى حرمان المريض من علاج ينقذ حياته لان نوبة صرعية واحدة كافية لان تقتل المريض. اما تشخيص الصرع فهو أيضا له عواقبه ويعني حمل المريض لتشخيص مرض مزمن طوال عمره. هذا قد يفسر احيانا بان أكثر من خمس المرضى الذي يراجعون مراكز علاج الصرع (5)ويتم علاجهم  و هم اصلاً لا يعانون من المرض وتم تشخيصهم بالخطأ(6).

هناك عدة عوامل تفسر صعوبة عملية تشخيص الصرع منها:

  • تشخيص الصرع يعتمد على وصف النوبة من انسان اخر سنحت له فرصة مشاهدة المريض خلال نوبة صرعية. بعبارة أخرى لا يكفي ان يعتمد الطبيب على كلام المريض ولا يجب ان يقبل بوصف الشاهد تحريرياً او عن طريق المريض نفسه عبر حديث انسان اخر. هذه العملية تدفع الطبيب احيانا الى اختصار الطريق وتشخيص الصرع بسرعة بدون استجواب علمي لمن شاهد النوبة.
  • الفحص السريري أو العيادي الذي يجب ان يعمله الطبيب لا يكشف عن علامات مرضٍ اسمه الصرع. هذا الفحص الشامل هدفه استبعاد إصابة المريض بمرض عضوي في الجهاز العصبي او القلب او غير ذلك. هناك علامات نادرة أحيانا لمتلازمات مرتبطة بالصرع(لاحظ المخطط) ولكن في الغالبية العظمى من المرضى لا يعثر الطبيب على علامة مميزة للصرع او غيره من الامراض.
  • لا توجد فحوص طبية تنفي او تؤكد الصرع ومنها تخطيط الدماغ الكهربائي. إذا كان تخطيط الدماغ الكهربائي طبيعيا فهذا لا يعني عدم إصابة المريض بالصرع وإذا كان الفحص غير طبيعيا فهذا أيضا لا يعني بالضرورة إصابة المريض بالصرع.

الاحداث الأنتيابية

Paroxysmal Events

الصرع واحد من الامراض التي تتميز بأحداث انتيابيه متكررة مثل الشقيقة والدوار والغشي والعديد من اضطرابات الخطل النومى. هذه الاحداث الأنتيابية قد يكون مصدرها الجهاز العصبي وحين ذاك يتم استعمال مصطلح النوبات العصبية العابرة Transient Neurological Events  او قد يكون مصدرها خارج الجهاز العصبي.

رغم ان الحديث عن الصرع يشير دوما الى وصف نوبات توتريه رمعيه او فقدان الوعي العابر Transient Loss of Consciousnessو لكن هناك العديد من الاحداث الأنتيابية التي قد تثير الشكوك في إصابة المريض بالصرع مثل:

  • نوبات سقوط مفاجئ.
  • حركات لا ارادية تشنجية بدون فقدان وعي.
  • نوبات غفل.
  • سلس البول مع فقدان وعي او اثناء النوم.
  • تشنجات وحركات لا ارادية اثناء النوم.
  • سلوك غريب على الانسان.
  • احداث نفسية حسية او حركية تتميز بكثافتها ونمطية تكرارها.

 فقدان الوعي العابر

فقدان الوعي العابر ينتج عن اضطراب الجهاز العصبي بصورة أولية او ثانوية. الاضطرابات الاولية للجهاز العصبي التي تسبب فقدان الوعي العابر يمكن تصنيفها الى صنفين:

1 الصرع المتعمم او الجزئي.

2 اضطرابات نفسية مثل نوبات الهلع ونوبات تفارقيه Dissociative او نوبات مصطنعةFactitious .

اما الاضطراب الثانوي فمصدره قد يكون:

1 الدورة الدموية.

2 اضطرابات ايضية وهورمونيه.

جميع هذه العوامل يمكن تحليلها وتشخيصها بصورة سليمة من خلال الحصول على تاريخ طبي وفحص عيادي مفصل. يمكن استعمال النموذج ادناه في الحديث عن العملية التشخيصية.

هناك ثلاثة اضطرابات التي تثير اهتمام الطبيب في العملية التشخيصية وهي:

  • النوبات الصرعية.
  • الغشي.
  • النوبات النفسية الغير صرعية.




النوبات الصرعية مقابل الغشي

الغشي أكثر شيوعا من الصرع ويتميز بوقوع المريض  تدريجيا على عكس الصرع المتعمم اوو الجزئي في غالبية الحالات. يصاحب الغشي احيانا حركات رمعيه في الاطراف بعد الاغماء ولكنها لا تدوم أكثر من ثواني معدودة وبسبها قد يتم تشخيص الصرع أحياناً.

يصاحب الغشي الشحوب والتعرق على عكس النوبات الصرعية التي يصاحبها الزراق. سلس البول اكثر شيوعاً في النوبات الصرعية و لكنه ليس بغير المعروف أيضا في الغشي و هذا عامل اخر في تشخيص نوبات الغشي خطأً بانها نوبات صرعية.

طول مدة الغشي لا تتجاوز دقيقة واحدة او اثنين على عكس النوبات الصرعية فهي على الغالب تدوم أطول من ذلك. إعادة الاستبصار سريعة في الغشي ولكن التوهان قد يستغرق عدة دقائق بعد النوبة الصرعية.

يسأل الطبيب دوما عن عض اللسان وهذا نادرا ما يحدث في الغشي وان حصل فهو في مقدمة اللسان وسطحي على عكس النوبة الصرعية حيث يكون أكثر عمقاً وعلى الجانب.

لا تحدث نوبة غشي اثناء النوم وان تكررت نوبة في ذلك الوقت فهي نوبة صرعية.

النوبات الصرعية مقابل النوبات النفسية الغير صرعية

مدة النوبات النفسية الغير صرعية قد تكون طويلة وربما أطول بكثير من النوبات الصرعية. لا يوجد زراق ويكاد يكون البكاء اثناء النوبة ميزة خاصة بالنوبات النفسية رغم انه قليل الملاحظة. إصابة الجسم بأذى لا تميز بين الاثنين ولا وجود لها تقريباً في الغشي. سلس البول نادر جداً وعملية الاستبصار في النوبات النفسية تحدث فجأة وليس تدريجيا كما هو الحال مع النوبات الصرعية. عض اللسان في هذه النوبات لا يختلف عن الغشي.

اغلاق العين كثير الملاحظة في النوبات النفسية على عكس الغشي والنوبات الصرعية. محاولة فتح العين يواجه مقاومة من المريض في النوبات النفسية على عكس الغشي والنوبات الصرعية.

المريض المصاب بالصرع يميل الى الحديث بالتفصيل عن النوبة الصرعية بدون تحفيز من الطبيب ويبذل اقصى جهده في الخوض فيها ومحاولة تفسيرها. اما المصاب بنوبات نفسية فلا يحب الحديث عن النوبة نفسها وانما على عواقب النوبات. ما يجب على الطبيب التركيز عليه دوما:

1 بداية النوبة.

2 ما حدث اثناء النوبة.

3 نهاية النوبة.

الالتزام بهذه القواعد الثلاثة وتدوين الاجوبة عليها يساعد على تشخيص جميع النوبات قبل الاستعانة بالفحص السريري والتحاليل والفحوص المختبرية المتعددة.

التاريخ الطبي السابق

هذا الجزء في غاية الأهمية ولا يكفي فقط التركيز على النوبات وفقدان الوعي وانما الاستفسار عن جميع الاعراض التي تشير الى مرض عضوي في جميع أجهزة الجسم. ما يعيق الأنسان المصاب بالشقيقة هو الصداع وليس الاعراض الأخرى التي قد تحدث قبل نوبة الصداع النصفي. المريض المصاب باضطرابات عصبية أخرى ويشكو من حركات لا ارادية يختلف تاريخه تماما عن المريض المصاب بالصرع.  امراض جهاز التنفس والقلب متعددة ولا يمكن التغافل عنها في جميع الاعمار.

لا يتغير وصف النوبات الصرعية مع الوقت على عكس النوبات النفسية وتكرار الغشي والصرع اقل بكثير من تكرار النوبات النفسية.  ليس من النادر ان يُصاب المريض الذي يعاني من نوباتٍ نفسية بنوبة اثناء الفحص وامام الطبيب وهذا يساعد على التشخيص على عكس المريض المصاب بالصرع فذلك الحدث نادرٌ جداً. اما الذي يعاني من الغشي فالحالة كثيرة التكرار عند سحب الدم لأجراء تحاليل طبية.

التاريخ الشخصي

الاستفسار عن ظروف الولادة في غاية الأهمية و قد تكشف عن تعرض الدماغ لإصابة اذى مبكرة. ثم هناك تاريخ النوبات الحموية البسيطة والمركبة.

تاريخ العنف المنزلي والتحرش الجنسي في الطفولة قد توجه تفكير الطبيب نحو النوبات النفسية ويجب توخي الحذر من ذلك فمهمته الأولى والأخيرة هي تأكيد او نفي الصرع أولا وهؤلاء الضحايا لا يختلفون عن بقية البشر باحتمال اصابتهم بالصرع.

نوبات الغيبة المتعممة تميل الى الشفاء في غالبية الحالات ولكنها أيضا تشير الى ان عتبة الانسان للإصابة بنوبة صرعية ربما اقل من غيره. هذه العتبة أيضا تميل الى الانخفاض مع وجود عوامل محفزة للنوبة الصرعية مثل تناول عقاقير مضادة للاكتئاب والفصام ولكن يبقى الكحول هو العامل المحفز الأول لإصابة البعض بنوبات صرعية. يجب الاستفسار بالتفصيل عن تعاطي الكحول خاصة عند إصابة الانسان بنوبات صرعية للمرة الأولى بعد منتصف العقد الثالث من العمر.

ظروف العمل وقيادة السيارة في غاية الأهمية. تشخيص الصرع يؤدي الى حرمان الفرد من قيادة السيارة لفترة محدودة مع الاستجابة للعلاج في أحسن الأحوال. قيادة السيارة قد تكون مصدر رزق المريض وليس من الصعوبة استنتاج عواقب هذا التشخيص على بعض المرضى. اما قيادة العربات الثقيلة والشاحنات فلا يجوز مع تشخيص الصرع او حتى الإصابة بنوبة صرعية واحدة أحيانا ومن الصعب ان ترى طبيباً واحداً يوصي بعودة المريض الى هذه المهنة.

رغم ان وجود تاريخ عائلي للصرع يزيد من احتمال إصابة المريض بالصرع ولكن هناك من يصوغ ذلك بصورة أخرى وهو احتمال مشاهدة المريض للنوبة الصرعية وتقليدها. هذا الاستنتاج في غاية الخطورة ويجب توخي الحذر عند التفكير به.

الفحص السريري

الفحص العيادي اثناء النوبة سواء كانت صرعية او غير ذلك فرصة لا تسنح لمعظم الأطباء وان حدث ذلك فمن الأفضل التركيز على ما يحدث للمريض. هناك بعض العلامات التي تزيد من احتمال تشخيص النوبة انها نفسية كما هو موضح في المخطط ادناه ولكن على الطبيب توخي الحذر من عدم فحص المريض بدون وجود ممرضة معه.

اما فحص المريض ما بين النوبات فهو في أكثر الأحيان لا يكشف عن علامة مرضية ولكن ذلك لا يعني عدم القيام به او اختصاره فهذا هو الإهمال بعينه.  البحث عن علامات امراض عضوية مثل اورام الدماغ في الصرع بعد العقد الثالث من العمر في غاية الأهمية ويجب عدم الاعتماد فقط على الفحوصات الإشعاعية. الفحص العيادي يجب ان يكون شاملاً ومفصلاً.

الفحوص الطبية

لا توجد أي مبالغة في القول بان تشخيص الصرع لا يعتمد ابداً على الفحوص الطبية. راي الطبيب بعد معاينة وفحص الطبيب وتشخيصه للصرع لا يتغير بعد فحص الدماغ الكهربائي في أكثر من 99% من الحالات. اما الفحوص الاشعاعية الدماغية فلا تكشف عن شذوذ تركيبي او وظيفي في 70% من الحالات(1). هذه الفحوص لا تساعد على تشخيص الصرع وانما البحث عن أسباب الصرع وربما تساعد أيضا على تصنيفه.

فحص الدماغ الكهربائي

فحص الدماغ الكهربائي أداة مفيدة في تصنيف الصرع ومتلازمات الصرع ولكن أهميته في تشخيص الصرع والتفريق بينه وبين فقدان الوعي العابر من أسبابٍ أخرى اقل بكثير. تكمن مشكلة التخطيط الدماغي في وقوعه بيد من لا خبرة حقيقية له في اختصاص الفسلجية الدماغية الذي يحتاج الى تدريب وممارسة فعلية لوحده لعدة أعوام. متى ما وقع لتخطيط بيد الغير اخصائي يحصل الافراط في تفسير شذوذ التخطيط الذي يكاد يكون لا أهمية له في الممارسة العيادية.  يتم ملاحظة تغيرات تخطيط الدماغ في 55% من المرضى المصابين بالصرع وما يقارب 43% من المرضى المصابين بالغشي فقط(2) ، و 18% من المرضى المصابين بنوبات نفسية بحتة(3).

عدم تحليل نتائج تخطيط الدماغ الكهربائي أكثر خطورة في الأطفال والسبب هو ان التخطيط يتغير ولا يثبت منذ ولادة الطفل حتى ما يقارب منتصف النصف الأول من العقد الثاني من العمر.  تشير الدراسات الميدانية بان ما يقارب النصف من الاستشاريين الذين يدرسون تخطيط الدماغ الكهربائي لم يتم تأهيلهم مهنيا لهذه المهمة(7).

التصوير العصبي Neuroimaging

التصوير العصبي هو أيضاً ليس لتشخيص الصرع وانما للبحث عن سبب الصرع. هناك انواع من الصرع تكون واضحة جداً وخاصة الصرع المجهول السبب الذي يتميز بتاريخ طبي يكاد ان يكون مثاليا ً ولا حاجة لفحوص إشعاعية ولكن القاعدة العامة هي عمل فحص التصوير بالرنين المغناطيسي Magnetic Resonance Imaging(MRI) لبقية المرضى.

عدد التغييرات في التصوير العصبي التي يتم ملاحظتها في الصرع تقارب 30% وهذه لا تؤكد ولا تنفي تشخيص الصرع وأحيانا و لا تفسر سبب الصرع. هذه التغييرات يقترب عددها من 27% في المرضى المصابين بنوبات نفسية(4) و4 % من الذين يتم تشخيصهم بالغشي.

الفحوص القلبية

يجب عمل تخطيط القلب الكهربائي Electroencephalography(ECG) لجميع البالغين الذي يشكون من فقدان الوعي العابر. تكاليف هذه الفحص في يومنا هذا زهيدة جدا ولا مخاطر منه وقد يكشف عن متلازمات القلب التوصيلية Cardiac Conduction Syndromes أحيانا.

رغم ان اضطرابات النظم القلبية لا تسبب نوبات صرعية في الأطفال والاحداث ولا أحد يوصي تخطيط قلب كهربائي ولكن يجب توخي الحذر إذا كانت هناك علاقة وثيقة بين ممارسة التمارين الرياضية وحدوث نوبة صرعية او اغماء.



المصادر


  • Angus-Lapin H(2008). Diagnosing epilepsy in neurology clinics: A prospective study. Seizure 17(5): 431-6.
  • Hoefnages WAJ, Padberg GW, Overweg J, Roos RAC, van Dijk JG Syncope or seizure? the diagnostic value of the EEG and hyperventilation test in transient loss of consciousness. J Neurol, Neurosurg, Psychiatry 54(11):953–6.
  • Reuber M, Fernandez G, Bauer J, Singh DD, Elger CE (2002). Interictal EEG abnormalities in patients with psychogenic non-epileptic seizures. Epilepsia 43:1013–20.
  • Reuber M, Fernandez G, Helmstaedter C, Qurishi A, Elger C(2002). Evidence of Brain Abnrmailty in patients with psychogenic nonepileptic seizures.Epilepsy Behav 3: 246-8.
  • Scheepers B, Clough P, Pickles C(1998). The misdiagnosis of epilepsy: findings of a population study. Seizure 7(5): 403-6.
  • Smith D, Defalla BA, Chadwick DW. (1999) The misdiagnosis of epilepsy and the management of refractory epilepsy in a specialist clinic. Q J Med 92(1):15–23.
  • Tan M, Appleton R, Tedman B (2008). Paediatric EEGs: what NICE did not say. Arch Dis Child93(5): 366-8.