التغذية النباتية


 

التغذية النباتية و الصحة العامة

و الحفاظ على البيئة

Vegetarian Food & Climate Change

 

 

هذا المقال يناقش التغذية النباتية و سلوك استبعاد بعض الأطعمة في آن الوقت. التحول الى نباتي خضري Vegan يصاحبه دوماً استبعاد العديد من الاطعمة و له ابعاده في الصحة النفسية. لكن حديث هذه الأيام كثير التركيز على البيئة٫ و اصبح هدف الكثير هو السعي على نجدة كوكب الارض من الدمار بسبب اطلاقات الكربون.

ليس هناك مبالغة في القول بان البحث الذي يتطرق الى نجدة البيئة يحظى بالدعم المالي و الأكاديمي في نفس الوقت.


تم نشر مقال جديد هذا الأسبوع يحاول تقدير تأثير إضافة وجبة صغيرة من اللحوم الى الطعام يوميا. احتمال وفاة الشخص الذي يستهلك ٥٠ غرام إضافي من اللحوم الحمراء المصنعة يوميا يرتفع بمقدار ٤١٪ سنويا مقارنة بالذي يتخلى عنها. اما تأثير ذلك على البيئة فهو اكثر بكثير. ٥٠ غرام من اللحوم الحمراء تطلق ٢٠ ضعفاً من الغازات و تستعمل ارضاً زراعية اكثر بمقدار ١٠٠ مرة. لم تتوقف الاستنتاجات هنا و اذا تم إضافة دراسات أخرى فالنتيجة هو ان استعمال منتجات ألبان هي الأخرى ضارة لان مصادرها الأبقار التي تطلق غاز الميثان Methane المدمر لكوكب الأرض. في النهاية تستنتج هذه الدراسات و غيرها بان ان تصبح نباتياً كاملاً هو الحل لتشارك في نجدة كوكب الأرض.


ثقافة النباتي الخضري

استبعاد بعض الأطعمة و المشروبات ظاهرة في جميع المجتمعات لأسباب ثقافية او دينية او اجتماعية٫ و استبعاد اللحوم عن مائدة الطعام ليست بالحديثة و لكنها بدأت تنتشر و تتضاعف بسرعة. ان تجولت في اسبانيا قبل عشرين عاما فمن الصعب ان تجد مطعماً يقدم لك طعاماً نباتيا بحت و لكن ان تجولت في اَي مدينة اروبية الان فلن يصعب عليك العثور على واحدٍ منها. تشتري طعاماً تم تحضيره في متجر و ستجد الغلاف يشير الى احتوائه او عدم وجود مواد حيوانية فيه و ترى ذلك على شكل علامة خضراء بحرف V بانه صالحٌ للاستعمال للنباتي.


مصطلح نباتي Vegetarian يصف الانسان الذي لا يأكل اللحوم و لكن البعض منهم يسمح لنفسه استهلاك منتجات الحيوان من الألبان و البيض. اما النباتي الخضري Vegan فلا يسمح لنفسه باستهلاك منتجات الحيوان تماماً و يرفض استهلاك كل ما هو حي او منتجات كل ما هو حي.


انتشرت ظاهرة النباتي و الخضري في الأعوام الاخيرة. فعلى سبيل المثال يوجد في بريطانيا الْيَوْمَ اكثر من نصف مليون نباتي خضري في حين كان العدد يقارب ١٠٠ الف مواطن فقط مع بداية الألفية الثالثة. تتراوح إعمار اكثر من ٥٠٪ منهم بين ١٥ و ٣٠ عاماً٫ و تشكل النساء ٦٣٪ منهم. انخفض أيضاً استهلاك اللحوم في أروبا مع انتشار الحديث عن أضرار اللحوم و ما يقارب الثلث من السكان يتحدثون عن انخفاض استهلاكهم اللحوم في عام ٢٠١٦.


أسباب انتشار ظاهرة النباتي او الخضري بالذات متعددة و منها:

١ تعريف الانسان نفسه بخضري اصبح جزء لا يتجزأ من هويته الشخصية و يرتبط بتطلعه للنقاء الاخلاقي و التفوق و الفضيلة.

٢ هناك الاعلام الذي يشير الى اهوال استهلاك الطعام الحيواني احياناً و اعتماده على دراسات ميدانية غير دقيقة و معرضة للانتقاد و نادراً ما يتم تكرارها.

٣ هناك الفضائح الغذائية حول تسمم باللحوم بين الحين و الاخر.

٤ انتشار معتقد الطعام النباتي طعام صحي لا يضر بصحة الانسان.

٥ انتشار دعايات المشاهير من الفنانين عن تحولهم الى نباتي خضري في الغرب خاصة.


الجوانب الصحية العامة

فوائد الطعام النباتي لا تقتصر على مميزاته البيولوجية فقط و إنما سلوك الانسان النباتي نفسه. الانسان النباتي او الخضري اكثر التزاماً من غيره و يحرص على مواعيد طعامٍ منتظمة و يستهلك كميات صحية من الفواكه و الخضراوات. هذا الالتزام اقل انتشاراً في المجموعة الغير نباتية الذي تميل مواعيد أكلهم الى الفوضوية و لا يستهلك الكميات الصحية من الفواكه و الخضراوات يومياً.


رغم تعدد الدراسات حول مضار اللحوم على الصحة و لكن الحقيقة هي ان من الصعب ان تعثر على دراسة تشير الى ان الأسماك و الألبان و البيض مضرة بالصحة بل العكس هو الصحيح. رغم ذلك لا تخلوا المواقع الاجتماعية الالكترونية من الحديث حول أضرار منتجات الحيوان و هذه استنتاجات غير صحيحة. لا يوجد الدليل على تفوق مختلف انواع الحليب الغير حيواني على الحليب الحيواني بل العكس هو الصحيح٫ و من الصعب ان تجد طعاماً متكاملا مثل البيض.


التغذية الخضرية و استبعاد جميع منتجات الحيوان لا تخلوا من المخاطر و الطعام النباتي مهما كان لا يمكن ان يصل الى عتبة الكمال من الناحية التغذوية. المصادر النباتية للعديد من الفيتامينات و المعادن لا يمكن الوثوق بها و خاصة فيتامين D و B12. فقدان الفيتامين الاخير لا يؤدي فقط الى فقر دم خبيثPernicious Anaemia و لكن الى تدمير الخلايا العصبية في الجهاز العصبي المركزي و الذي بدوره يؤدي الى أضرار لا رجعة منها. لذلك لا بد من الحصول على فيتامين B12 بجرعة علاجية و بصورة منتظمة.


الجوانب النفسية

يمكن القول بان اكثر الأسباب شيوعاً لتغيير سلوك التغذية هو نصيحة طبية بسبب مشاكل عضوية و لكن هناك بعد نفسي لهذا السلوك لا علاقة له بالبعد الطبي.


تغيير سلوك التغذية يثير القلق احياناً و خاصة في مرحلة المراهقة. آستبعاد بعض الأطعمة كثير الملاحظة مع القهم العصبيAnorexia Nervosa و يبدأ تدريجياً٫ و لكن هذا السلوك يصاحبه دوماً سلوكيات اخرى مثل تغيير مواعيد الطعام تعداد السعرات الحرارية للطعام و أختلاق الحجج و الاعذار لعدم تناول هذا الطعام و ذاك. لا يصعب ملاحظة انخفاض الوزن و عزلة المراهقة و ارتفاع نشاطها البدني من اجل فقدان الوزن.


التحول الى نباتي خضري قد يكون رد فعل لازمة شخصية يمر بها الانسان. يصاحب التحول التزام و انضباط الانسان و جدولة مواعيد طعامه وفعالياته. يعطي السلوك احياناً الفرصة للإنسان للتواصل مع غيره من الخضريين و ينتمي الى مجموعة جديدة تشد ازره.


فكرة الانتقال الى تغذية نباتية خضرية قد يكون إطارها حصاري Obsessional او ما تسمى بالوسواسية بسبب فكرة عن خطورة الطعام او اللحوم لا يقوى الانسان على التعامل معها. هناك ايضاَ الإطار الوهامي Delusional بسبب اعتقاد لا يقبل النقاش و الجدال. هذه الاطارات قلما يصعب تشخيصها و يصاحبها دوماً أعراض اخرى.


في نهاية الامر ما علينا الا احترام آراء الناس و الامتناع عن تسفيه ارائهم التي تختلف عن آراء الآخرين.