الصرع و الطب النفسي



هناك تقريبا إجماع علميا على أن معدلات حدوث الاضطرابات النفسية والسلوكية أعلى في مرضى الصرع مقارنة بغيرهم من الناس، وهناك إجماع أشمل على أن الارتباط بين صرع الفص الصدغي أو النوبات الصرعية المركبة والاضطرابات النفسية هو ارتباط قوي بوضوح. وقد لا يختلف انتشار الأعراض الطبنفسية أو الاضطرابات الطبنفسية في الصرع عن غيره من الاضطرابات المزمنة التي تصيب مختلف أجهزة الجسم. إلا أن الصرع يتميز عن بقية الأمراض المزمنة بعلاقة أقوى بالاضطرابات النفسية لأن كليهما مرض ينتج عن خلل في أداء المخ أو الجهاز العصبي المركزي. والصرع كذلك مرض يصيب ويصاحب الإنسان في غالبية الحالات من عمر مبكر. كما أن العقاقير المضادة للصرع لها تأثيراتها الجانبية المتعددة ومنها أعراض اضطرابات نفسية. وأخيرا فإن العقابيل الاجتماعية التي تصاحب الصرع متعددة وتلعب دورها في الحياة المهنية والزوجية بالإضافة إلى الوصمة التي تلاحق الإنسان طوال عمره.

وربما بسبب طبيعة الأعراض أو النوبات الصرعية وتميزها بالمباغتة والخطورة على حياة المريض، فإن الهم الأول تقليديا بالنسبة للمريض وأسرته فضلا عن طبيب المخ والأعصاب هو السيطرة على النوبات، وكثيرا ما يكون ذلك النهج سببا في إغفال أعراض الاضطرابات النفسية سواءً من ناحية المريض فلا يشتكي لا المريض ولا أسرته من أعراض يرونها أقل أهمية أو أقل أولوية من نوبات الصرع أو من ناحية الطبيب فلا يهتم بالوصول إلى تشخيص أو وصف علاج لتلك الأعراض وبعض الأطباء يعلل ذلك بأن كل هذا سيختفي إذا تمت السيطرة على النوبات، رغم أن هذا الافتراض غير صحيح علميا في كثير من الحالات.

يبلغ انتشار المشاكل الطبنفسية في مرضى الصرع 20-60% وتشمل:

الذهان، والاكتئاب، واضطرابات الشخصية، وضعف الجنسية وغيرها من المشكلات، ومن المؤكد أن للعوامل البيولوجية دورها في ذلك، تتعلق تلك العوامل البيولوجية بالبؤرة الصرعية مكانها وتأثير وجودها على بقية مناطق الدماغ، وبما أن الفص الصدغي هو أكثر مناطق الدماغ التي توجد فيها البؤرة الصرعية فمن المتوقع ملاحظة الاضطرابات النفسية في المرضى الذين يعانون من نوبات صرع متعمم( ن.ص.م. ) وفي دراسة (1) أجريت على مرضى ن.ص.م المستعصية العلاج وجد أن 70% منهم لديهم اضطراب نفسي أو أكثر. وتفصيلا فإن الاكتئاب شخص في وقت ما في 58% وشخص رهاب الساحة غير المصحوب بالهلع أو أي اضطراب قلق آخر في 32% منهم وشخص الذهان في 13% من الحالات.

وفي دراسة تقارن (2) مرضى الصرع بعامة السكان وجدت النسب التالية للاضطرابات النفسية

الاضطراب النفسي

 عامة السكان

مرضى الصرع

اكتئاب

10.7%

17.4%

قلق

11.2%

22.8%

مزاج/قلق

19.6%

34.2%

أفكار انتحار

13.3%

25.0%

أخرى

20.7%

35.5%


وتصنف الأعراض النفسية والسلوكية المصاحبة لمرض الصرع حسب علاقتها بالنوبة وتوقيت حدوثها إلى أثناء النوبة وحول (قبل أو بعد) النوبة وما بين النوبات وسنعرض في هذه المقدمة بعضا من السمات المميزة للأعراض في كل صنف من هذه الأصناف:

1- الأعراض النفسية أثناء النوبة:

يمكن أن يكون القلق أو الاكتئاب أو الهلاوس جزءًا من النشاط الصرعي أثناء النوبة وعادة ما تكون هذه الأعراض النوبية قصيرة المدة (1-3 دقائق) نمطية التكرار تبدأ وتنتهي فجأة وعادة ما تكون مصحوبة بظواهر متعلقة بالنوبة كالحركات الأوتوماتيكية Automatisms وخاصة في منطقة الفم، ويحدث القلق أثناء النوبة في نسبة تبلغ ثلث مرضى الصرع الجزئي حيث تكون جزءٍ من النسمات، وأما أعراض الاكتئاب أثناء النوبة فتحدث بمعدلات أقل وتشمل اليأس والشعور بالذنب وعدم الجدارة والأفكار الانتحارية، وأما الأعراض الذهانية أو الهلاوس فتشمل الهلاوس البصرية والتذوقية وأحيانا السمعية والهلاوس غالبا ما تكون غير واضحة وتحدث أساسا مع النوبات الجزئية. ويمكن كذلك –نادرا جدا- أن تأتي الأعراض السلوكية على شكل سلوك عنيف وعدوانية غالبا غير موجهة أو غير مقصودة، وأيا كانت الأعراض النفسية أثناء النوبة فإن علاجها هو علاج النوبات نفسها.

2- الأعراض النفسية حول (قبل وبعد) النوبة:

تظهر الأعراض النفسية قبل النوبة وتسمى الأعراض البادرية : توتر وتقلقل وجداني Emotional Lability واكتئاب وصداع وقابلية عالية للاستثارة وربما عنف وعدوانية، وتنتهي كلها بحدوث النوبة، وغالبا تكون مدتها في حدود 30 دقيقة قبل النوبة، لكنها يمكن أحيانا أن تستمر لساعات وربما بضعة أيام بعد انتهاء النوبة.

وأما الأعراض النفسية السلوكية بعد النوبة فعادة ما تحدث بعد تجمعات معينة للنوبات clusters of seizures أو بعد النوبات المتعممة الشديدة أو النوبة الصرعية المستمرة.

ويتميز تشوش بعد النوبة أو التشوش بعد النشبي Post-ictal confusion بحالة من ضعف الوعي والإدراك مع تباطؤ في موجات رسم المخ دون تصريف نشبي (أي دون حدوث النوبة أو مقدماتها)،  ومدته غالبا قصيرة وتحدث بعد النوبات الصرعية المركبة وبعد النوبات المتعممة. وقد يحدث سلوك عنيف أو عدواني ولكنه غير موجه أو فقط في صورة مقاومة، وغالبا ما ينساه فلا يتذكره المريض بعد ذلك.

اختلالات المزاج بعد النوبة

تشمل الاكتئاب والقلق أو الهوس. أعراض الاكتئاب ما بعد النوبة (أو بعد النشبي) يمكن أن تستمر لفترة أطول (تصل إلى أسبوعين) من بين كل الأعراض النفسية بعد النوبات. وتتفاوت الأعراض من معتدلة إلى حادة ويمكن أن تشمل السلوك الانتحاري. وقد وجد أن حدوثها أكثر شيوعا مع البؤر في الجانب الأيمن الصدغي أو الجبهي الأمامي (3). وأما أعراض القلق بعد النوبي فأقل شيوعا. ولكن هناك عددا قليلا من تقارير عن حالات من الهوس بعد النوبي تتميز أعراضه بفرط النشاط، والتهيج، والسلوك المنفلت أو الجرأة، ولحسن الحظ تميل إلى قصر المدة.

الأعراض الذهانية بعد النوبة

تحدث عادة بعد مجموعة من النوبات الجزئية المركبة (مع أو بدون تعميم ثانوي). وعادة ما تحدث بعد فترة من الصفاء الذهني Mental Lucidity (12-72 ساعة) قبل بداية الذهان. وتشمل الأعراض الذهانية الوهامات والهلوسة واضطرابات التفكير أو الهوس، وعادة ما تكون الأعراض عابرة ولكن يمكن أن تستمر عدة أسابيع. وفي بعض الحالات يعاني المرضى بعد تكرار تلك الأعراض أعراضا ذهانية بين النوبات (6).


 الأعراض النفسية ما بين النوبات

الاكتئاب : من الممكن أن تكتمل معايير تشخيص الاكتئاب الجسيم بما فيها المزاج الحزين وفقدان التلذذ والاهتمام واختلال النوم والشهية لكننا في كثير من المرضى نجد ما يسميه البعض اضطراب سوء المزاج بين النوبات Interictal Dysphoric Disorder أعراض اكتئاب لا نمطي أو لا نموذجي تشمل عسر مزاج وفرض استثارة وأعراض قلق بشكل مزمن ومتقطع

القلق : أعراض اضطرابات القلق ما بين النوبات لا تختلف عن الأعراض المعتادة في غير مرضى الصرع ويكثر حدوثها مع حالات البؤرة الصدغية على الجانب الأيسر، لكن من المهم للطبيب عدم السقوط في فخ منطقية أعراض القلق أحيانا بالنسبة للمريض وكذلك ألا يهمل احتمال وجود أمراض عضوية أخرى كاضطرابات الدرق. 

الاضطراب الثناقطبي: وهو الأقل انتشارا في مرضى الصرع مقارنة بغيره من الاضطرابات لكنه أيضًا أكثر مع حالات النوبات الصدغية المركبة وكذلك مع البؤرة الصدغية على الجانب الأيمن.

الذهان ما بين النوبات: وهي حالة مزمنة تشبه اضطراب الفصام إكلينيكيا وليس لبدايتها وقت محدد لكنها عادة تبدأ بعد ما يزيد على 10 سنوات من الاضطراب الصرعي وهناك تقارير عن عدم تدهور الشخصية كما يحدث في الفصام وخصائص أخرى تبرر للبعض تسمية الحالة الذهان الصرعي.   

وبتفصيل أكثر في الصفحات التالية سنعرض وصفا لكل مجموعة من الأعراض والاضطرابات النفسية في الصرع مع نبذة مختصرة عن الأسباب المفترضة وعوامل الخطورة وأيضًا نبذة عن العلاج      

الذهان في مرضى الصرع

تظهر أعراض الذهان فيما بين 7-12 % من المرضى، وفي 7-8 % من المرضى بعد جراحة على الفص الصدغي، وهو قوي الارتباط بوجود البؤرة الصرعية في النصف الأيسر.

وتوجد تصنيفات متعددة لحالات الذهان في مرضى الصرع لكن الأفضل والأكثر عملية (4) بالنسبة لطبيب المخ والأعصاب هو التصنيف الذي وصفناه أعلاه ويميز بين الحالات طبقا لعلاقتها المباشرة أو غير المباشرة بالنوبات الصرعية وهو التصنيف الذي نعتمده هنا :

1- ذهان النوبة  Ictal Psychosis أي أثناء النوبة

حيث تحاكي أعراض النوبة الصرعية نفسها أعراض الذهان، كما في نوبات الصرع المركب المستمرة ونوبات الغشي المستمرة Absence Status .Epilepticus

2- ذهان بعد النوبة Postictal Psychosis

ومنه نوع يرتبط مباشرة بالنوبة ويظهر بعد فترة صفاء (2-72 ساعة) ويتميز بقصر مدته (عدة أيام – أسبوع) وهو يتحسن تلقائياً (5) وقد يظهر في صورة وهام عظمة أو وهام ديني أو عملية زورانية وقد يصاحبه سلوك اندفاعي متهور ولكن لا يصاحبه هلاوس، وقد يلاحظ قدر من تغيم الوعي والتوهان وربما الهذيان.

وهذا النوع من ذهان بعد النوبة كثير الملاحظة بعد مجموعة من النوبات التوترية الرمعية، وفي حالات البؤرة الصدغية أي مع ن.ص.م حيث تأتي النسمات في صورة أعراض نفسية مرتبطة بمشاعر سلبية تجعل المريض أكثر عرضة للذهان، كما نجد تعمما ثانويا للنوبة وتصريفات كهربائية على الجانبين، وتصريفات من اللوزة اليسرى Left Amygdala أيضًا.

يختلف ذلك بالتأكيد عن النوع الآخر من الذهان الذي تظهر أعراضه في حالة من الوعي الكامل وتتسم الوهامات والهلاوس فيه بالثبات والاستمرارية بغض النظر عن النوبات، وهو ما يسمى ذهان ما بين النوبات.

3- ذهان ما بين النوبات Inter-Ictal Psychosis

ومنه نوع شائع يحدث مع تكرار حدوث النوبات للمريض، وقد وصفت (6) حالات تطورت فيها أعراض ذهان بين النوبات بعد تكرار حالات ذهان بعد النوبة وكأن مسارا من التدرج والتطور يبدأ بتكرار ذهان بعد النوبة وصولا إلى الذهان المستمر بين النوبات وهو ما يعني أن الاهتمام بعلاج ذهان بعد النوبة قد يمنع التطور إلى الذهان المستمر بين النوبات. 

وحسب تاندون وديكاردو (7) فإن أكثر حالات الذهان التي تحدث في مرضى الصرع تأخذ شكل الفصام خاصة من النوع الزوراني ، وغالبا ما يحدث ذلك في مريض يعاني من ن.ص.م. بعد 10-15 عاما من ظهور الصرع المزمن الذي لم تتم السيطرة عليه، والمتميز بكثرة النسمات والأعراض الأوتوماتيكية، كما نجد في أغلب تلك الحالات تاريخا حديثا لانخفاض عدد النوبات وخاصة المتعممة، مع بؤرة صدغية يسارية، وربما آفة في المنطقة الوسطى القاعدية للفص الصدغي.

إلا أن لذلك الذهان علامات تميزه عن الفصام، فالعملية الزورانية لا تكون نموذجية، تحدث بسرعة وتتناوب بين النوبات الصرعية وتكون الهلاوس مطابقة للحالة الوجدانية، وتبقى الوهامات غير منهجية أو لا منتظمة Non-Systematized Delusions مع عدم تفكك الشخصية، والمحافظة على الدفء الوجداني وكثرة المظاهر الدينية وبالتالي يبقى المريض أكثر اجتماعية من مريض الفصام وتندر الأعراض السالبة التي تميز مريض الفصام خاصة تسطح الوجدان flattening of affect .

وأيضًا هنالك نوع نادر من الذهان يحدث مع توقف النوبات يسمى الذهان البديل أو المتناقض Alternative Psychosis أو التطبيع القسري Forced Normalization حيث لوحظت علاقة عكسية بين وجود أعراض ذهانية في بعض المرضى المصابين بالصرع وعدد النوبات الصرعية. بعبارة أحرى تميل الأعراض الذهانية إلى التدهور مع السيطرة على الصرع، وتميل إلى التحسن والاختفاء مع زيادة النوبات الصرعية. منذ ما يقارب 60 عاماً تحدث لاندولت (8) عن هذه الظاهرة وأعطاها مصطلح التطبيع القسري، ورغم شهرة حدوث ذلك بعد علاج النوبات بعقار الإيثوكسمايد ethosuximide إلا أن الظاهرة تحدث مع معظم عقاقير علاج الصرع القديمة والحديثة، بما يبين ارتباطها بتوقف النوبات بغض النظر عن العلاج وليست آلية حدوثها مفهومة حتى الآن لكن على المعالج الانتباه إلى إمكانية حدوث الأعراض الذهانية مع النجاح في علاج النوبات الصرعية.  

وأخيرا هناك الذهان علاجي المنشأ Iatrogenic Psychosis .تبين دراسات حديثة أن عقاقير علاج الصرع قد تسبب ظهور الذهان في بعض الحالات خاصة النساء ومرضى صرع الفص الصدغي، فمثلا أظهرت دراسة أن واحدا من كل سبعة من حالات الذهان في مرضى الصرع يمكن ربطها بالعقاقير العلاجية.


الاضطرابات الوجدانية في مرضى الصرع

تضم هذه المجموعة من الاضطرابات النفسية نوعين رئيسين هما الاضطراب الثناقطبي واضطراب الاكتئاب الجسيم، فأما الثناقطبي فهو اضطراب وجداني مزمن يتميز بتغيرات حادة في المزاج من الهوس والاكتئاب وغيرها من المظاهر الإكلينيكية ورغم أن الثناقطبي أكثر شيوعا في مرضى الصرع مقارنة بعامة السكان إلا أن تركيز الأبحاث العلمية تمحور حول الاكتئاب لأن الاكتئاب أكثر وضوحا بل وقابلية للاستمرار مع مريض الصرع... في حين نجد أعراض الهوس نادرة في مرضى الصرع وإن وجدت فبصورة باهتة.  

وفيما يتعلق باضطراب الاكتئاب الجسيم في مرضى الصرع:

الاكتئاب الجسيم بأي من درجات شدته هو الاضطراب النفسي الأكثر مواكبة لمرض الصرع، ففضلا عن وجوده في أغلب المرضى الذين لا تستجيب نوباتهم لمضادات الصرع، نجده أيضًا بنسبة عالية في مرضى الصرع الجزئي ذي المنشأ الصدغي والجبهي على الجانب الأيسر للدماغ. (9)

وغالبا عندما يتواكب الاكتئاب الجسيم مع اضطراب نفسي عصبي معتبر (مثل الصرع والفصام) فإن احتمالين يبرزان للطبيب هما: أن يكون الاكتئاب رد فعل من المريض لإصابته بالمرض، أو أن يكون الاكتئاب جزءًا من الاضطراب نفسه يعني في حالة الصرع يكون الاكتئاب جزءًا من مرض الصرع... ولم يتفق حتى الآن على أي من الاحتمالين يفوق الآخر.

وتأثير هذا التواكب الاكتئابي على حياة مريض الصرع بما فيها إضعاف القدرة على إيقاف النوبات أو تقليل معدلها سلبي بدرجة كبيرة، وخاصة في مرضى الصرع المستعصي Refractory Epilepsy والذين ترتبط جودة الحياة لديهم بتحسن الاكتئاب أكثر مما ترتبط بقدر السيطرة على النوبات. ((10

ومن المؤسف أن تواكب الاكتئاب مع الصرع يمثل نوعا من التعاضد بين عدوين للمريض ليس فقط اجتماعيا وإنما نجد الاضطرابين يتعاضدان بيولوجيا أيضًا فالتغيرات الفسيولجية الدماغية التي تسبب أو تصاحب الاكتئاب وهي نقص بعض أو كل الوظائف العصبية السيروتونية والنورأدرينالية والجابائية هي نفسها المتهمة بأنها مسؤولة عن تفعيل ظاهرة الإضرام Kindling التي تفسر آلية حدوث النوبات الصرعية في الدماغ، وهناك دلائل على أن بعض أنواع الصرع وبعض أنواع الاكتئاب، ترتبط بنقص نقل السيروتونين والنورأدرينالين في المخ(11).

كذلك من الممكن أن ينتج الاكتئاب في مريض الصرع من استخدام بعض أنواع العقاقير المضادة للصرع كالفينوباربيتون والبريمدون والفيكابترين والتوبيراميت كما يمكن أن ينتج الاكتئاب نتيجة لإيقاف بعض مضادات الصرع بعد انتهاء العلاج ويحدث ذلك بعد إيقاف عقاقير مثل الكاربامازيبين والأوكسكاربازيبين واللاموترجين وهي المشهورة بأن لها آثارا نفسية إيجابية ويستخدمها الطبيب النفساني كموازنات للمزاج Mood Stabilizers.


وتتراوح معدلات انتشار الاكتئاب بمرضى الصرع بين 48-8 % (12)، ورغم ذلك فإنه كثيرا ما يهمل تشخيصا وعلاجا لأسباب كثيرة :

ميل المرضى وأسرهم إلى تهوين أعراضهم الاكتئابية خوفا من مضاعفة الوصمة.

ميل الأطباء إلى إغفال السؤال عن الأعراض النفسية والتركيز على ما تحقق من السيطرة على النوبات.

تظهر بعض أنواع الاكتئاب في مرضى الصرع بأعراض غير تقليدية مقارنة بمرضى الاكتئاب من غير مرضى الصرع.

الخوف من أن عقاقير علاج الاكتئاب تخفض من عتبة حدوث النوبات يجعل الطبيب غير راغب في إعطاء المريض عقاقير نفسية التأثير ولو لعلاج الاكتئاب.

يميل المرضى والأطباء إلى التقليل من أهمية أعراض الاكتئاب باعتبارها جزءٍا من رد فعل طبيعي لمرض مزمن كالصرع.   

ومن الممكن أيضًا تصنيف الاكتئاب المواكب للصرع حسب علاقته بالنوبات إلى الاكتئاب أثناء النوبة Ictal Depression والاكتئاب حول النوبة Peri-ictal Depression (ويشمل الاكتئاب قبل وبعد النوبة) والاكتئاب بين النوبات Interictal Depression. وهناك من الدراسات ما يشير إلى كون اكتئاب مرضى الصرع اكتئابا مختلفا في أغلب الحالات في الطريقة التي يظهر بها حيث تشيع أعراض مثل المزاج الحزين وفقد الطاقة والألم والأرق والخوف والقلق وفرط الاستثارة ونوبات التهيج وأحيانا المزاج المبتهج وليس الحزين، بينما نجد العنف والعدوانية في الأطفال والمراهقين، وأما الأعراض الأكثر جوهرية في الاكتئاب فتجيء أكثر ما تجيء في اكتئاب أثناء النوبة حيث نجد أعراضا كفقدان التلذذ واليأس ومشاعر الذنب والأفكار الانتحارية.

السلوك الانتحاري

للأسف أيضًا نجد السلوكيات الانتحارية (الانتحار المتمم ومحاولات الانتحار والأفكار والخيالات الانتحارية) أكثر شيوعا بشكل واضح في مرضى الصرع (13%) مقارنة بعموم السكان (1,4%) وتزيد خطورة الانتحار في مرضى الصرع ذي البؤرة الصدغية لتصل إلى 25 ضعفا من خطورته في عموم السكان (13)، وتستمر هذه الخطورة حتى بعد العلاج الجراحي والسيطرة على النوبات، وقد تكون لذلك علاقة بصفات شخصية حدية في المريض.

وعلاقة السلوك الانتحاري بالصرع معقدة ومتعددة الأسباب ففضلا عن خفاء العديد من حالات الاكتئاب وعدم تشخيصها في الوقت المناسب فإن عددا من عقاقير علاج الصرع تحوم حوله الشبهات في زيادة السلوك الانتحاري بحيث أصدرت منظمة الأغذية والأدوية الأمريكية تحذيرا في يناير سنة 2008 بوجود زيادة بمقدار 1,8 ضعفا بعد استخدام مضادات الصرع وإن لم يكن ممكنا حصر الاتهام في نوع دون الآخر، وإن كانت العقاقير الأحدث أكثر ارتباطا بظهور الأعراض النفسية من العقاقير القديمة (باستثناء الفينوباربيتون) ذات التأثيرات النفسية الإيجابية.... وهذا يجعل المعالج مطالبا بالتعرف على المرضى الأكثر عرضة لحدوث السلوكيات الانتحارية (14) وهم الذين لهم تاريخ محاولات انتحار سابقة شخصي أو تاريخ انتحار أسري، أو لديهم تاريخ شخصي أو معاناة حالية من اضطراب مزاج أو قلق. 


وفيما يتعلق بالعلاج فإن من المهم الالتفات إلى عدة نقاط:

1- تعتبر السيطرة على النوبات جزءًا من علاج الاكتئاب والذي يشمل العلاج العقاري والعلاج النفسي الكلامي، ذلك أن توقف النوبات مهم لتحسين الأداء النفسي والاجتماعي. 

2- أخذ عقاقير علاج الصرع المستخدمة في الاعتبار فبعضها كما أشرنا يسبب الاكتئاب وبعضها يعالجه، فضلا عن أن ظاهرة كظاهرة التطبيع القسري وصفت أيضًا في مرضى الصرع حيث تتدهور الأعراض النفسية عندما تتم السيطرة على النوبات.

3- انتقاء عقاقير علاج الاكتئاب آخذين في الاعتبار كلا من تأثير العقار على عتبة إحداث النوبة لأن بعض عقاقير علاج الاكتئاب تخفض عتبة الصرع، وكذلك تأثيره على الإنزيمات المسؤولة عن التداخلات العقارية.

4- لا مانع من استخدام العلاج بالتخليج الكهربي خاصة في الحالات المقاومة للعلاج أو الشديدة أو في وجود خطر الانتحار.


اضطرابات القلق في مرضى الصرع

تعتبر اضطرابات القلق رغم شيوعها في مرضى الصرع هي الأقل حظا سواء بالانتباه من قبل المعالجين أو بالدراسة من قبل الباحثين، وإلى جانب انطباق نفس أسباب إهمال تشخيص وعلاج الاكتئاب في مرضى الصرع على اضطرابات القلق فيهم تشخيصا وعلاجا، نجد أن حدوث اضطرابات القلق غالبا في تواكب مع اضطراب الاكتئاب يجعل فرص الاهتمام بها وتشخيصها قليلة مقارنة بالاكتئاب، فبينما في حالة الاكتئاب يرى المريض والمعالج أن علاج الصرع أولى نجدهما في حالة القلق يعطيان الأولوية للصرع ثم الاكتئاب! بينما الحقيقة المؤسفة هي أن اضطرابات القلق بسبب ميلها لأن تصبح مزمنة كثيرا ما تعيق حياة المريض أكثر من مرض الصرع نفسه.


ومرة أخرى نجد التداخل البيولوجي العصبي بين اضطرابات القلق واضطراب الصرع واضحا في المناطق الدماغية المسؤولة عن الخوف والقلق والسلوكيات والمشاعر المرتبطة بهما (وهما اللوزة والحصين) هما نفسهما مكان البؤرة الصرعية في أغلب حالات الصرع البؤري، ففيما يتعلق بخبرة الخوف تقوم اللوزة بتشغيل الاستجابة الهرمونية والمستقلية للخوف عبر إسقاطها للوطاء كما تقوم بتشغيل استجابة التحاشي عبر إسقاطها للمادة السنجابية المحيطة بالمسال، وأما الحصين فمسؤول عن استرجاع خبرة الخوف وعن مكونها الوجداني، كذلك نجد التغيرات الفسيولجية الدماغية في كل من الجابا وممرات الكالسيوم والمسؤولة عن القلق والتي يستهدف علاجه تصحيحها هي نفسها مكان العصبونات مفرطة الاستثارة المتعلقة بالنوبات الصرعية وأيضًا يستهدف علاج الصرح تصحيحها.   


ويمكن للقلق أو الخوف في مريض الصرع أن يكون جزءًا من النسمة أو من النوبة أو جزءًا من الانفعالات الطبيعية للمريض بين النوبات أو جزءًا من اضطراب قلق أو اضطراب اكتئاب مواكب، وحين تكون أعراض القلق جزءًا من النوبة تجيء على شكل خوف شديد أو هلع مع بعض علامات خلل نشاط الفص الصدغي كاختلال الإنية وظاهرة الألفة وغيرها.


ويبقى القلق بين النوبات هو الأكثر إزعاجا للمريض، ويوجد في أكثر من نصف المرضى حيث تبلغ النسبة 66% (15) وليس السبب غالبا هو الخوف من النوبات أو رهاب النوبات بقدر ما هو متعلق بعدم القدرة على توقع النوبات والشعور بوجود الخطر دائما والعجز عن السيطرة على أمور الحياة، وربما نجد تقييما مفرطا للخطر في سمات المريض الفكرية بما بشكل خلفية مناسبة لتطور أي من اضطرابات القلق. 


يتراوح معدل انتشار اضطراب الهلع مع أو بدون رهاب الساحة بـين 5-10% من مرضى الصرع، وأما القلق المتعمم فنجده في ما بين 3-12% ويبلغ معدل انتشار الرهاب الاجتماعي 3-7% وأخيرا الوسواس القهري 1-5% (16) فرغم حدوث عرض التفكير القهري Forced Thinking كجزء من النوبة في حوالي 2% من مرضى صرع الفص الصدغي، ورغم شيوع الأعراض الوسواسية دون مستوى الاضطراب في مرضى الصرع الصدغي والمستعصي إلا أن معدل انتشار اضطراب الوسواس القهري يبقى الأقل مقارنة باضطرابات القلق.           

اضطرابات الشخصية في مرضى الصرع

العلاقة بين الصرع والشخصية مسألة ذات تاريخ طويل وما تزال مثيرة للجدل. في عام 1975  (17) وصفت من قبل ووكسمان وجيشويند متلازمة مع وجود بؤرة  صدغية حوفية تتكون من الإطناب (فرط الكلام في صورة لف ودوران، واللزوجة، وفرط الكتابة) وتغير الحياة الجنسية، مع تكثيف النشاط العقلي للمريض بصرع الفص الصدغي. كان يطلق عليها متلازمة كاستوت –كيشوند Gastaut-Geshchwind ويحدث فيها تغير في الشخصية يتميزُ بزيادة الاهتمام بالأمور الدينية أو التدين المفرط Hyper Religiosity فضلا عن الجدية وارتفاع الشعور بأهمية الأشياء وكثرة الاهتمام بقضايا فلسفية وأخلاقية ودينية، وتجد الشخص عديم النكتة والرسم أو الكتابة المفرطة Hypergraphia والتي يظهر فيها الاهتمامُ بالتفاصيل ويصف بعضهم رسومهم أو كتاباتهم تلك بأنها كتابةٌ قهريةٌ كما يعاني الكثيرون منهم من الوسوسة

لكن الباحثين فيما بعد لم يجدوا دلائل كافية لتأكيد وجود نمط ثابت من التغيرات السلوكية يحدث في مرضى صرع الفص الصدغي. ولذا يجب أن لا يشخص صرع الفص الصدغي على أساس وجود متلازمة جيشواند دون وجود النوبات أو الحوادث الانتيابية التي يمكن أن ثبت  وجود الصرع، كذلك لا يحدث تغير الشخصية فقط في مرضى صرع الفص الصدغي.

وقد لخص تريمبل (18) البيانات المتعلقة بهذا الموضوع وخلص إلى أن تغير شخصية مريض الصرع يمكن تفسيره من خلال مزيج معقد من تأثير (1) التعامل مع المرض المزمن، (2) آثار العقاقير المضادة للصرع (3) واعتلال الفص الصدغي. ولا شك أن بعض اضطرابات الشخصية في مرضى الصرع يجب أن ينظر إليها على أنها ترتبط مع تشوهات الدماغ التي تسبب النوبات الصرعية. وما يزال الموضوع بحاجة لمزيد من البحث.

لكن نستطيع بشكل عام أن نقول أن من صفات الشخصية واسعة الانتشار في مرضى الصرع نجد صفات مثل الاعتمادية والتجنبية، وأكثر اضطرابات الشخصية شيوعا هو اضطراب الشخصية الحدية والذي يفسر وجود التهيجية أو فرط الاستثارة Irritability وكذا المحاولات الانتحارية والسلوك الانفعالي المتقطع، ومثلما هو المعتاد في اضطراب الشخصية الحدية(أ.ش.ح) لدى المريض علاقات قوية غير مستقرة، واندفاعا وتهورا وعدم توازن وجداني، وغضبا وسلوكا انتحاريا وتشويها للجسد فضلا عن اضطراب الهوية والفراغ والضجر، والخوف من النبذ وتخلي الآخرين عنه إضافة إلى فجوات في اختبار الواقع

 

المصادر

 

 

  • Tucker GJ. (1998) Seizure disorders presenting with psychiatric symptomatology. Psychiatr Clin North Am. sep 21(3):625-3
  •  Tellez-Zenteno JF, Patten SB, Jetté N, Williams J, Wiebe S. (2007). Psychiatric comorbidity in epilepsy: a population-based analysis. Epilepsia Dec. 48(12):2336-44.
  • KANNER AM, NIETO JC. Depressive disorders in epilepsy. Neurology 1999; 53: S26-S32
  •  Kanner AM(2000). Psychosis of Epilepsy: A Neurologist's Perspective. Epilepsy Behav. 2000 Aug. 1(4):219-227.
  •  Stagno SJ(1997).Psychiatric aspects of epilepsy. Wyllie E. The Treatment of Epilepsy. Baltimore MD: Williams & Wilkins; 1997. 1131-1144.
  •  Tarulli A, Devinsky O, Alper K(2001). Progression of postictal to interictal psychosis. Epilepsia Nov. 42(11):1468-71.
  • Tandon R, DeQuardo JR. Psychoses and epilepsy. Sackellares JC Berent S(1996). Psychological Disturbances in Epilepsy. Boston: Butterworth-Heinemann; 171-189.
  •  Landolt H(1958). Serial EEG investigations during psychotic episodes in epileptic patients and during schizophrenic attacks. In: Lorentz De Haas AM, ed. Lectures on epilepsy. Amsterdam: Elsevier, 91-133.
  • Mendez MF, Cummings JL, Benson DF. Depression in epilepsy. Significance and phenomenology. Arch Neurol. 1986 Aug. 43(8):766-70.
  •  Boylan LS, Flint LA, Labovitz DL, Jackson SC, Starner K, Devinsky O(2004). Depression but not seizure frequency predicts quality of life in treatment-resistant epilepsy. Neurology 62(2):258-61.
  • Jobe PC, Dailey JW, Wernicke JF(1999). A noradrenergic and serotonergic hypothesis of the linkage between epilepsy and affective disorders. Crit Rev Neurobiol. 1999. 13(4):317-56.
  •  Hermann BP, Jones JE(2005). Depression in Epilepsy: What is the Extent of the Current Problem?. In: Mood Disorders in Epilepsy: Bridging the Gap Between Psychiatry and Neurology. American Epilepsy Society and IntraMed Scientific Solutions 3-11.
  •  Marsh L, Rao V(2002). Psychiatric complications in patients with epilepsy: a review. Epilepsy Res 49(1):11-33.
  •  Harden CL. The co-morbidity of depression and epilepsy: epidemiology, etiology, and treatment. Neurology Sep 24. 59(6 Suppl 4):S48-55.
  •  Torta R, Keller R(1999). Behavioral, psychotic, and anxiety disorders in epilepsy: etiology, clinical features, and therapeutic implications. Epilepsia 40 Suppl 10:S2-20.
  •  Brandt C, Schoendienst M, Trentowska M, May TW, Pohlmann-Eden B Tuschen-Caffier B, Schrecke M, Fueratsch N, Witte-Boelt K, Ebner A. (2010) Prevalence of anxiety disorders in patients with refractory focal epilepsy—a prospective clinic based survey. Epilepsy Behav. 17:259–263.
  •  Waxman SG, Geschwind N(1975). The interictal behavior syndrome of temporal lobe epilepsy. Arch Gen Psychiatry 32(12):1580-6.
  •  Trimble M(2013). Treatment issues for personality disorders in epilepsy. EpilepsiaMar. 54 Suppl 1:41-5.