محمد



الشخصية المحمدية

تمر هذه الأيام ذكرى ميلاد الرسول الكريم٬ و يوم واحد في العام لا بد للناس من مراجعة شخصية و سيرة رجل عظيم. لم يكن محمد(ص) مجرد ساعي بريد اختاره رب العالمين لتبليغ رسالة سماوية كما يدعي بعض الغلاة٬ و انما كان مؤسسة تعليمية عالية راقية واجهت تحديات لا عد لها و لا حصر في مجتمعٍ لم يكن خالياً من الرقي التجاري و الاقتصادي٬ و لكنه في آن الوقت مجتمعاً طبقياً لم يكن للمستضعف فيه نصيب.


ولد و لم يرى يوماً الاب٬ و ترعرع في حضن امه و مرضعته٬ و فقد الام وهو لا يزال طفلاً٬ و تولى رعايته الاقرباء. كان يتيماً في مجتمع يدرك بان مثل هذا الانسان لا يورث. رغم ذلك استمرت شخصيته تميل الى الدفء و الاستقرار رغم غياب الاب و الام. فقدان الوالدين بحد ذاته ربما لعب دوره في تجاوز الرسول الكريم عقد ازلية تعصف بالناس وقت الازمات و ينتقلون من موقع اكتئابي الى اخر فصامي٬ و بين نزعة تميل الى الشك بالأخرين و النيل منهم الى نزعة تتميز باعتزالهم الناس جميعاً. لم ينتقم من اعدائه بعد فتح مكة.


لا يطلب احد القرب من رجل يتيم و ان فعل هو ذلك فمصيره الفشل في المجتمع المكي الرأسمالي. و لكن دون غيره من اقرانه وجد الحب الصادق مع رفيقة نضاله و ام اطفاله السيدة خديجة رضوان الله عليها. هذا البعد العاطفي الصادق في شخصيته لا وجود له في أيامه٬ و تزوج من تحبه و من يحبها. لم يكن زواجاً قسرياً يعبث بالطرفين٬ و لكن الى يومنا هذا نسمع بالزواج القسري وولاية الاب و وولي الامر على الاناث بل و حتى على الذكور.


توجه(ص) ليبدأ نضاله مع زوجته و هناك ارتباط عاطفي وجد فيه الوعاء الذي احتواه من عواصف الزمن. وفر له هذا الوعاء مهلة من مجتمع استوعب خلالها الفساد و الظلم الاجتماعي. وفر له الفسحة للأبداع الروحي و العقلي و هو في عزلته في غار حراء. مع كل ذلك لم يتوقف عن العمل و استمرت علاقته الدافئة مع زوجته و تطورت شخصيته اليوم بعد الاخر و اصبح مؤهلاً لبداية عملية تغيير اجتماعي.


استمر نضاله ٢٣ عاماً انتهت برحيله يوم الثامن حزيران عام ٦٣٢م نقل فيه المجتمع العربي من موقع الظلم الاجتماعي الى موقع اطاره و محتواه العدالة الاجتماعية. لم يكن محمد(ص) فقيراً قبل بداية رسالته٬ و لكنه كان رجلاً تجرد من كل نزعاته النرجسية.


بدأ نضاله بنشر دعوته متجولا يتعرض لإهانة بعد أخرى و لكن دعائه كان" اللهم اليك اشكو ضعف قوتي و قلة حيلتي و هواني على الناس يا ارحم الراحمين". لم يكن دعائه النيل من اعدائه. كلمات لا وجود فيها لعاطفة الغضب و انما الصبر لمواجهة التحديات و هذا ما فعله لحين اكمال رسالته. رافقه الصبر و تمسك به رغم مقاطعة اقتصادية مريرة في مكة ايامها. هذا ما تمارسه الدول الكبرى هذه الايام لتدمير مجتمعات أخرى.


رحلت زوجته و حبيبته٬ و كأي انسان له موقع الاجتماعي تعرض لمحاولة اغتيال سياسي و أخلاقي حين دخلت زوجته عائشة المدينة المنورة مع شاب وسيم بعد ضياعها. تعامل مع الاشاعات بصبر و حكمة٬ و لم يستسلم للشك و الغيرة العمياء و اشاعات البشر. هذا الموقف لا ترى احداً يتعامل فيه بحكمة حول زوجه في يومنا هذا.


و اليوم وعبر التاريخ تعرضت شخصيته للانتقاد و التهميش. هناك أولا دانتي في الكوميديا الإلهية ٬ سلمان رشدي و الايات الشيطانية٬ و ووفاء سلطان الكاتبة السورية الامريكية من اشباه المثقفين. لو كان الرسول الكريم حياً يرزق بيننا لما تعرض لهم و لن يسمح للغضب ان ينال منه. كانت شخصيته لا تعرف الغضب و لا الانتقام٬ و لم يوصي المسلمين بذلك و انما من يوصي بها الغلاة و اشباه المثقفين المصابين بوهام حماية الدين و التسلط على رقاب الضعفاء والمستضعفين.


الحديث عن شخصيته لا نهاية لها : شخصية لم تعرف العصاب و الغضب و الانتقام٬ و لا اذكر اليوم سوى قصيدة مطلعها:

ولد النبي فقيل يا نار اخمدي

و اضفي شعاعك يا جبين محمد.


شعاع الحب لا الكراهية.

شعاع الصبر و المحبة.

شعاع الحكمة لا الانتقام.