على هامش كارثة ابن الخطيب



السيد مقتدى الصدر شخصية فيها الكثير من رموز العراق الحديث والتي تعكس ازماته السياسية٫ الدينية٫ العرقية٫ والاجتماعية. اخر ظهور له في الاعلام العالمي كان هذا الاسبوع بعد كارثة مستشفى ابن الخطيب الذي راح ضحيتها ٨٢ مواطناً. يبدوا الخدمات الصحية تحت سيطرة السيد مقتدى الصدر وحزب السائرون٬ وهذا الحدث المؤلم يعكس عدم وجورد احتياطات السلامة للخدمات الصحية اولاً وكذلك يثير الشك وتوجيه الاتهام بالفساد المالي للميزانية الصحية.

لا اظن ان هناك الكثير من المدونات عن السيد مقتدى الصدر قبل الاحتلال الأمريكي للعراق٫ ولكنه بلا شك كان له اتباعه وأنصاره في زقاق العراق الفقيرة٫ والتي قلما تثير اهتمام رجال السياسة. ما تسمع عنه لا يخلوا من الغلو مثل الإشارة الي تخلفه التعليمي وسذاجته السياسية وغير ذلك. ارتفعت شهرته مع اتباعه من جيش المهدي ومعاركهم ضد المتمردين أولا والجيش الأمريكي ثانياً. يختفي ويظهر من جديد تحت الأضواء السياسية بين الحين والاخر٫ وكل ظهور له لا يثير اعجاب الحكومة العراقية.

رحل الى المملكة العربية السعودية قبل أربعة اعوام وقابل حاكمها الفعلي محمد بن سلمان. تم بعد ذلك فتح الحدود البرية بين السعودية والعراق. تحدث ايامها السيد مقتدى الصدر عن امله في عراق عربي ديمقراطي وإسلامي. هاجمته الصحافة الايرانية لتذكره بحرب اليمن.  أشار يوماً ما بان صدام حسن كان مجرد افعى صغيرة ولكن أمريكا هي الافعى الأكبر. شارك اتباعه في تظاهرات ضد الدولة في عام ٢٠١٩ ولكن بعد ان اكتشف هو واتباعه بان مطالب الجماهير تشمل التخلص منه كذلك تم توجيه العنف ضد المتظاهرين. ادان هجوم الميلشيات المناصرة لإيران على القواعد الأمريكية ويطالب بتقوية العلاقات مع الامارات والسعودية. هذه الأيام يؤيد الحكومة العراقية٬ ورغم معارضته التفاوض مباشرة مع أمريكا ولكنه أعرب عن ابتهاجه حصول شركة ديو Daewooالكورية الجنوبية على مشروع تحسين ميناء الفاو حاله حاول عدوه أمريكا.

رغم اعتراض الكثير وحديثهم عن خيانة مقتدى الصدر ولكن ربما علينا أولا ان نتمعن في السيد مقتدى الصدر كرمز من رموز العراق الحديث.

هناك أولا شخصيته الدينية وملبسه التي يعكس قوة العامل الديني في الحركة السياسية العراقية. لا يوجد مجلس تشريعي حقيقي في العراق٫ ولكن من السذاجة القول بان المرجعية الدينية الشيعية لا سلطان لها. الحقيقة هي ان المرجعية الدينية الشيعية تمثل المجلس التشريعي الغير منتخب في الديمقراطية العراقية٫ وما يثير اهتمام الكثير هو من سيتولى أمور المرجعية بعد رحيل اية الله السيستاني في المستقبل. هناك من يخشى وصول مرجعية شيعية إيرانية ولائها لولاية الفقيه.

هناك ثانياً البرنامج السياسي للسيد مقتدى الصدر واتباعه. لا أحد يعلم ما هي اهداف حركته الاقتصادية والأمنية والصحية والتعليمية٫ ولكنه في ذلك لا يختلف عن بقية الحركات السياسية على الساحة العراقية. لا يزال العراق مثقلاً بالديون وستفشل الخزانة العراقية في المستقبل في مساندة القاطع العام إذا لم تسارع الحكومة في عمل إصلاحات وتقليص عدد الموظفين الى اقل من ٥٠٪ والتوقف عن دفع رواتب تقاعدية خيالية ومخصصات خدمات وطنية مشبوهة. لا يتحدث مقتدى الصدر ولا غيره من قادة العراق عن برنامج إصلاحي يثير الاعجاب لعراق المستقبل.

ثالثا نرى مقتدى الصدر رمز لتبعية الطبقات الكادحة في العراق للمؤسسة الدينية. هناك طبقة ثرية في العراق ترى علامات ثرائها ان تجولت في لندن عاصمة بريطانيا. هناك طبقة برجوازية تتأرجح بين الثراء والرهاب من المستقبل٫ وهناك طبقة عمالية لم تتحسن امورها. ولكن هناك طبقة رابعة في العراق دون العمالية٫ ولم يبال بها أحد منذ ولادة الدولة العراقية الى يومنا هذا ٫ويتكاثر عدد سكانها العام بعد الاخر. ليس من المبالغة القول بان هذه الطبقة التي تعيش على هامش المجتمع العراقي كان ولا يزال ولائها للمؤسسة الدينية التي لم تنجح في دفع من ينتمي اليها من موقع لا وجود الى موقع مواطنة حقيقية تسنح الفرص لجميع البشر. بدلا من ذلك تكتشف الحديث العنصري عن هؤلاء في كلام جميع الطوائف العراقية ووصمهم "بالشروك والمعدان" وغير ذلك من المصطلحات المبتذلة.

رابعاً يمكن ان ندرس مقتدى الصدر كرمز لعدم وضوح الهوية العراقية وميولها الى تعريف نفسها بالتبعية الى الأجنبي. هناك ميول العراقي الشيعي الى إيران٫ وميول العراقي السني الى تركيا ودول الخليج العربي. العراقي الشيعي لا يطيق سماع نقداً لخامنئي والعراقي السني يضع اردوغان في مقام خليفة المسلمين. هناك من يتحدث عن هوية عراقية او اسلامية او عربية او شيعية او سنية.

وربما هناك رموز أخرى متعددة في شخص السيد مقتدى الصدر وغيره من الشخصيات السياسية العراقية. التحديات التي ستواجه العراق في المستقبل تحديات هائلة ولا أحد يستطيع ان يخمن ان كان السيد مقتدى الصدر او غيره يمتلك القدرة على مواجهتها وضمان استقرار أمنى واقتصادي وسياسي. ولكن ما يجب ان الانتباه اليه في ان الرموز الذي تتمثل في السيد مقتدى الصدر وغيره تحتاج الى معالجة ثقافية وتوعية جماهيرية وتأهيل نفسها لكي تنهض بالعراق او ربما على الشعب العراقي البحث عن رموز جديدة تدفع بالوطن نحو مستقبل زاهر.

هناك من يخشى ان يتولى مقتدى الصدر زمام الأمور يوماً ما ويتحول العراق الى دكتاتورية جديدة٬ ولكن كارثة ابن الخطيب ربما ستذكر الناس ما هي كفاءة السيد واتباعه في إدارة أمور الوطن.