علاقة الدينية بالصحة العامة والنفسيةReligiosity & Health


الحديث عن الدين وعلاقته بالصحة لا يثير اعجاب الجميع ولكنه في نفس الوقت لا يمكن تجاهله لان هناك حقيقة لا تقبل الجدال هو ما لا يقل عن ٨٠٪ من سكان الكرة الأرضية يعرفون أنفسهم بدينهم او المجموعة الدينية التي ينتمون اليها وعددهم أكثر من خمسة بلايين ونصف. في نفس الوقت ترى الكثير من الذين لا يعرفون أنفسهم بالدين والانتماء الى مجموعة دينية يعرفون أنفسهم هذه الايام بالروحاني او المؤمن بدون دين. هذه الظاهرة لا تقتصر فقط على العالم الغربي و انما يمكن ملاحظتها في العالم الشرقي و العربي. ما يمكن ان نستنتجه بان الاحتياج الروحي او الديني جزء لا يتجزأ من احتياجات الانسان والتي يسعى المجتمع او الدولة تلبيتها بصورة او بأخرى. لا توجد مصحة نفسية او مستشفى لا تقدم خدمات روحية إذا طلب المريض ذلك٬ و لا يمكن هذه الأيام تقديم خطة علاج لمراجع بدون أشاره ما الى احتياجاته الروحية او الدينية.

مصطلح الدينية قليل الاستعمال في اللغة العربية باستثناء ربما العلوم النفسية و المصطلح الأكثر استعمالا هو التدين و المتدينون. التدين يعني التمسك بشرعة معينة و الالتزام بها في السلوك و التفكير مع الايمان بها و الخضوع لها و تجنب أي تعاليم أخرى و الحرص على عدم الابتعاد عن هديها و سننها. بالطبع يختلف الناس في قوة التمسك بالعقيدة فهناك من يتمسك بها حرفياً و اخر يتظاهر بذلك.

تغيرت علاقة الدين بالعلوم النفسانية مع ولادة المدرسة التحليلية النفسية. كانت العقيدة الدينية في نظر فرويد وتلاميذه مجرد أفكار غير منطقية تدفع الانسان نحو أزمات عصابية٬ ولكن واحد من كبار أساتذة هذه المدرسة وهو كارل يونغ كان له رأي معاكس وشذ عن البقية بمناقشته عن أهمية الدين في تلبية احتياجات الانسان الأساسية. كانت هناك منافسة بين مختلف المؤسسات و منها الدينية للحصول على تأييد مدرسة فلسفية او نفسية لثبيت أهدافها٬ و حصل ذلك ايضاً مع المدرسة النفسية التحليلية.

تدهورت العلاقة بين علم النفس والدين ووصلت الى ادنى مستوى مع ولادة المدرسة السلوكية التي درست سلوك الانسان من خلال عوامل بيولوجية وبيئية واهملت دور العقيدة الدينية تماماً. لم تثير استنتاجات المدرسة السلوكية اعجاب الكثير بعد صياغتها لسلوك الانسان بصورة لا تختلف عن سلوكيات الكائنات الحية الأدنى منه٬ و ناصبها العداء المدرسة الدينية و التحليلية كذلك.

انتقلت الدراسات النفسية الى مرحلة جديدة مع استحداث النظريات المعرفية Cognitive Theories لتفسير القلق و الاكتئاب التي ركزت على تفكير الانسان و دور طاقمه المعرفي الفكري في السيطرة على مشاعره و علاجها. بعد ذلك تم دمج النموذج المعرفي مع السلوكي٬ و ايضاً لم تخوض العلوم النفسانية كثيراً في دراسة احتياجات الفرد الدينية و الروحية. استعار العلاج الجدلي السلوكي الكثير 1 من المفاهيم البوذية و لكن ذلك لا علاقة له بالاحتياجات الدينية و الروحيةواصل الى مقال عن علاقة مفهوم التعقل مع العلاج الجدلي السلوكي.

تطورت العلوم النفسانية في العقود الأربعة الاخيرة و مع استعمالها لطرق علمية في البحوث انتقل علم النفس الى موقع العلوم وأصبح لا يتحرج من الانتقاد السلبي لنتائج الدراسات النفسانية التي قد تجرح مشاعر البعض وذلك دفع الكثير الى الخوض في دراسة تأثير الدين على الصحة الجسدية والنفسية.

طبيعة التدين

تعريف من هو متدين وروحاني التوجه لا يخلوا من الاشكال. الحديث عن الدين لا يشمل فقط الديانات الابراهيمية الثلاث انما يشمل كل ما يعرفه المجتمع كدين. مصطلح علماني هو الشائع الاستعمال لأنسان لا يعرف نفسه بدين٬ ولكن المبادئ والأسس العلمانية أكثر علاقة بالنظام السياسي والاجتماعي للمجتمع الذي يحرص على احترام كل عقيدة ولا يفرق بين انسان واخر اعتماداً على ودينه و طائفته 2. هناك أكثر من ٢٥٠ عقيدة دينية في المملكة المتحدة على سبيل المثال٬ وجميعها تلقي نفس الرعاية الحكومية. عموماً حين يعرف الانسان نفسه بدين ما فهو يعرف نفسه بمؤسسة تم تمييزها اجتماعيا و هذا ما يُسمى بالانتماء الخارجي External Affiliation في حين ان الروحاني يعرف نفسه بان يبحث عن القدسية و التجربة الروحية الخاصة به. كلاهما٬ الروحانية و الدين٬ يمكن تعريفها بأيمان الفرد بعقيدة و قوة لا وجود فيزيائي مادي لها في نطاق الكون الذي نعيش فيه.

درجة التدين 3

كثيراً ما تستعمل الناس مصطلحات تشير الي قياس درجة التدين مثل كثير التدين٬ معتدل التدين٬ متطرف ٬ الغلو في الدين و غيرها. تقيس الناس درجة التدين استنادا الى سلوكيات الفرد( أداء الفرائض)٬ مشاعره مثل سرعة الشعور بالذنب و الخوف من الله عز و جل٬ و محتواه طاقمه المعرفي و بالذات قوة الايمان بالإله و الحساب في الدنيا و الاخرة و غير ذلك. هذه الصفات تعتمد على إجابات الفرد الشخصية٬ و يصعب اعتمادها في البحوث العلمية. بسبب ذلك يفضل استعمال مقاييس لقياس ابعاد ايمان الانسان بالعقيدة الدينية من خلال الإجابة على أسئلة غير مباشرة٬ و هناك اكثر من ١٠٠ مقياس لعمل ذلك و لكن اسهرها مقياس التوجه الديني Religious orientation Scale. هذه الدراسات توضح لنا بان هناك ثلاثة أنواع من المتدينين و هم:


توجه ديني جوهري و هذا عموماً انسان يضع ايمانه بالعقيدة الدينية في جميع مجالات الحياة الاجتماعية و العائلية و الشخصية٬ و لا يناقش فيها.

توجه ديني سطحي و هو الذي يحشر نفسه في الدين بسبب عوامل غير دينية لتلبية احتياجاته هو فقط. الكثير من الدعاة و المنافقين و المتطرفين ينتمون الى هذه المجموعة.

توجه ديني تنقيبي و هذا الانسان يتميز بانفتاحه على الاخرين و سعيه الى ادراك طبيعة عقيدته و البحث عن إجابات تتعلق بأزمات الحياة الوجودية.

الدين و الازمات الفردية

كل انسان يواجه أزمات في حياته و في مختلف المجالات. مع كل ازمة يلتجأ الانسان الى دفاعاته النفسية اولاً الواعية و غير الواعية منها٬ و بعدها يبحث عن طريقة للتأقلم مع الازمة و حلها. بعبارة أخرى مع كل ازمة يحرص الانسان على ما يلي:

١ الحرص على عدم تأثير الازمة عليه صحيا و نفسياً.

٢ حل الازمة.

احد الطرق و الدفاعات التي يستعملها الانسان هو عقيدته و ايمانه الديني. عند هذا المنعطف يتم تصنيف الانسان المتدين الى واحد من ثلاثة:

١ متدين يعتمد على التوجيه الذاتي في التعامل مع أفكاره و عقيدته الدينية فقط من اجل حل الازمة Self Directing Coping.

٢ متدين يحرص على عدم التعامل معها و القبول بحل الله عز وجل و القضاء و القدر Deferring Coping.

٣ انسان يستعمل عقيدته الدينية بالإضافة الى وسائل أخرى غير دينية لحل مشاكله Collaborative Coping. بعبارة أخرى يختلف عن الأول باستعماله الجزئي للعقيدة الدينية من اجل تقوية معنوياته و حل ازماته. تشير الدراسات الى ان الانسان الثالث هو اكثر نجاحاً من غيره في تجاوز الازمات عموماً.

الدين و الصحة العامة

هناك اجماع عام على ان طول عمر الانسان المتدين اعلى من غيره و يقدر البعض تأثيره على الصحة العامة بمقدار تأثير النشاط البدني اليومي و استعمال عقاقير ستاتينStatinsالمضادة للدهون. العامل الوحيد المرتبط بطول العمر هو انتظامه في حضور المجالس الدينية لممارسة الطقوس و كذلك تم ملاحظة ارتفاع معدل طول العمر في:

انثى متدينة تعاني من مشاكل صحية مقابل انثى غير متدينة تعاني من مشاكل صحية

متدين ينتمي الى اقلية دينية مقارنة بمتدين ينتمي الى أكثرية دينيةمتدين اقل ثقافة مقارنة بمتدين اكثر ثقافة.

المخطط ادناه يوضح العلاقة الإيجابية و السلبية لمؤشرات الصحة ابالتدين و التي تلعب دورها في الصحة العامة و النفسية.

نقاش عام

 ظاهرة التدين هي إحساس فردي بان هناك قدرة الهية قادرة على ان تتحكم به وتحول مجرى حياته لدرجة تبهر العقول. لذلك لا بد من الميل لمعرفة مصدر تلك القدرة وكيفية تأثيرها المطلق على الحياة. مظاهر التدين تختلف من مجموعة الى أخرى فهناك الأديان السماوية التي تتحدث عن الفطرة السليمة في الايمان بالله عز وجل. هناك مجموعات بحثت عن مصادر الطاقة المحيطة بها من شمس ونار وحيوان و غير ذلك على امتداد تاريخ البشرية.

هذا المقال هو اقرب الى مقدمة لاستيعاب النظرة النفسانية و الصحية لعلاقة الدين بالصحة العامة و الصحة العقلية. ما يستهدفه المقال هو عدم اهمال الاحتياجات الدينية للإنسان 4 عند التعامل معه٬ و الأهم من ذلك انتباه الطبيب المعالج لعقيدة من يراجعه و دون حشر نفسه و عقيدته في الحكم على الاخرين. آخر ما يجب ان يفعله الطبيب هو تقديم مواعظ دينية فهي خارج اختصاصه و عليه ايضاً تجنب لعب دور الداعية لعقيدته٬ و لكنه في نفس يجب ان ينتبه و يحترم عقيدة المراجع مهما كانت و يشجعه على طلب العون من أي مجموعة دينية ينتبه اليها.

بالطبع الحديث عن هذه الأمور في الغرب غير الحديث عنه في الشرق الغير علماني و العالم العربي٬ و يجب مراعاة ثقافة المجتمع أينما مارس الطبيب و المعالج النفساني.

ملاحظات

المصدر الثالث هو ما اعتمده المقال في الحديث عن الدينية و معظم المعلومات مشتقة منه.

1 <http://christinaneumeyer.org/yahoo_site_admin/assets/docs/MINDFUL_BUDDHISM.4083253.pdf

واصل الى مقال عن علاقة مفهوم التعقل مع العلاج الجدلي السلوكي

2 https://d1wqtxts1xzle7.cloudfront.net/30697165/Z5270H.pdf?1361984248=&response-content-disposition=inline%3B+filename%3DSecularism_and_Religion_making.pdf&Expires=1618098045&Signature=ciBgN-6liepqsK8x2cORnODu~ZFZk727xFO6C8ZeyntCD2tzUlqfh3cyR3bmDOLT4nCk8JXcQZqyInt42WJCGVumCyO62GYyGEV~~0YDFEV~AZvfOS815UryMKeLDq9XZYuHyncWp0vrHS5z5Pupug6es7hPwEwJIy3u19Z0bNBFY0~Okqf3bANBrYnRvg3cX7eQSVzpX29sVTlWCy-1L2Nf~~n44acSa012EaXXIOosS1lrF456tbAir-ijFzBnEChj-N6lmmfvTPsQSTNXxuWR3JsPZFsiDdA5qJGEXeSn20wCeRpp66BFjgYnpqhyyt92vDJQBSJtBmOefZIDCA__&Key-Pair-Id=APKAJLOHF5GGSLRBV4ZA

واصل الى تقرير صدر بعد ١١ اسلول ٢٠٠١ حول علاقة العلمانية بالدين 

3   https://link.springer.com/referencework/10.1007/978-3-319-28099-8

المصدر الرئيسd الذي استعمله المقال في الحديث عن الدينية و يضم معظم المصادر.

4 https://www.rcpsych.ac.uk/docs/default-source/members/sigs/spirituality-spsig/spirituality-special-interest-group-publications-casey-spirituality-and-religion-in-psychiatry.pdf?sfvrsn=7fec99cf_2

محاضرة  رئيس الكلية الملكية للاطباء النفسانيين عام ٢٠١١ توضح العلاقة بين الدين و الطب النفسي.