حماية المرأة Safeguarding Woman


تصدر هذا الموضوع عالم الصحافة و السياسة هذا الأسبوع بعد جريمة مروعة المتهم فيها رجل شرطة متزوج و اب لطفلين عمره ٤٨ عاماً. لا سوابق له سوى انه قبل عدة أسابيع كشف نفسه بصورة علنياً و تم اعلام الشرطة عنه. ما نعلمه الان بانه المتهم الوحيد في قضية اختفاء آنسة في العقد الرابع من العمر كانت تمشي في احد شوارع لندن و تم العثور على جثتها على بعد عشرات الاميال من العاصمة.

تظاهر مئات المواطنين الناشطين مخالفين قانون عدم التجمع بسبب الجائحة وتدخلت الشرطة٬ و ذلك بدوره أدى غضب جماهيري اخر. الحقيقة تم اختطاف عزاء المجتمع بمقتل الانسة و تحولت الى قضية أخرى و هي حماية النساء. صادف كذلك هذا الأسبوع رفض محكمة الاستئناف شكوى بعض الناشطين بان نسبة ادانة المتهمين بالاغتصاب انخفض الى ما لا يزيد على ٥٪ مسقطين اللوم على تقاعس الادعاء العام في اثبات الجريمة. اجتمع كل ذلك و أعلنت الحكومة البريطانية استثمار ٢٥ مليون إسترليني لتحسين الاضاءة في الشوارع و نصب كاميرات مراقبة و تعيين رجال شرطة متخفين بملابس مدنية لمراقبة الأندية و البارات.الغالبية العظمى من المواطنين لم تؤيد التجمعات المخالفة للقانون استناداً الى ااستطلاع الرأي  العام لشبكة اعلامية. من جهة اخرى هذه المطالب تعطي لرجال الامن و الشرطة صلاحيات ربما اكثر من ما هو مألوف في مجتمع حر ديمقراطي.

و لكن مع ارتفاع الحماس الجماهيري تبدأ الآراء المتطرفة بالظهور. اولاً صرحت أستاذة علم الجريمة في جامعة بريطانية بان احتمال الاعتداء على رجل يمشي لوحده في شارع اكثر من احتمال اعتداء على انثى استناداً الى بحوث ميدانية علمية. لم يثير هذا التصريح اعجاب الناشطين و الاعلام. من جهة أخرى تسمع بارونة ناشطة في هذا المجال تقترح منع تجول الرجال خارج البيوت بعد السادسة مساءً !.

العنف ضد النساء حقيقة لا تقبل الشك٬ و لكن الارقام و الاحصائيات تتفاوت من دراسة الى أخرى. الحقيقة المرة هي ان الانثى تتعرض لعنف جسدي من انسان قريب اليها ان كان زوجها او احد افراد عائلتها٬ و احتمال حصول هذا الاعتداء من غريب اقل بكثير. تقدر منظمة الصحة العالمية يان ٢٥٪ من النساء تتعرض لاعتداء جسدي او جنسي خلال حياتها. الاعتداء على النساء اكثر احتمالا في افريقيا و جنوب اسيا. الحقيقة المرة  الاخرى هو ان الاعتداء على النساء مفهوم ثقافي في بعض بلاد العالم٬ فعلى سبيل المثال ٨٠٪ من النساء في أفغانستان و ٧٥٪ في الكونغو تقبل بان للرجل الحق في ضرب زوجته في ظروف معينة٬ لان على المرأة طاعة الرجل و له الحق في تأديبها. رغم تقدم الهند فان العنف ضد النساء لا يزال متفشياً و ٤٥٪ من السكان يقبلون بضرب الزوجة. هذه المفاهيم تغيرت في العالم الغربي حيث لا يرتفع الرقم على ١٠٪ من الرجال. رغم ذلك فان ازمة العنف ضد الزوجة لم تختفي و ٥٪ من النساء ضحايا لاعتداء جسدي او جنسي من قبل الزوج. لم يكن الحال افضل في العالم الغربي قبل ١٠٠ عام و تم تجريم اغتصاب الزوج لزوجته في المانيا عام ١٩٩٧م.

تعامل المجتمع مع المغتصب يثير الاشمئزاز أحيانا. في الهند على سبيل المثال يقول احد كبار القضاة بان زواج متهم باغتصاب فتاة عمرها ١٦ عاماً هو الحل لقضية قضائية٬ فاذا كان ذلك هو حديث القضاة فلا عجب ان تسمع اراء مشابهة ضمن عامة الناس.  في باكستان حدثت جريمة مروعة لاغتصاب ام في طريق سريع بعد ان تم توقيف سيارتها من قبل رجلين اغتصبوها امام اطفالها. بعد ذلك تسمع رئيس شرطة لاهور يوعظ المجتمع مصرحاً و متسائلاً : ما سبب سياقة المرأة لسيارة في طريق سريع بعد غروب الشمس و هل حصلت على اذن زوجها!

أسباب و حلول

هناك حقيقة بيولوجية لا يمكن انكارها و هي ان الرجل اقوى جسدياً من المرأة عموماً٬ و لذلك فان رادع الدفاع الجسدي اقل احتمالاً و هذا يشجع بعض الذكور على الاعتداء على من هو اضعف منه. 

الحقيقة الثقافية التي  لا يمكن غض النظر عنها ازدحام ثقافات البشرية على مد العصور  تهميش المرأة و كراهيتها مع اسقاط اللوم عليها بالتآمر و الخبث و الشهوانية و غير ذلك من الخرافات.

الحقيقة الثالثة هي ان العنف ضد المرأة يتناسب عكسياً مع الرفاهية الاقتصادية. مع الفقر لا تجد المرأة سوى الرجل ليعينها و تستند عليه مادياً٬ و بالتالي تصبح تحت سيطرته. لا توجد سياسة رفاهية اقتصادية مجانية في الدول الفقيرة٬ و المرأة التي تخرج من طاعة زوجها لا تستقبلها الدولة لا هي و لا اطفالها و لا تتكفل بهم. لا تجد سوى بيت عائلتها لتتوجه اليهم و هو بدورهم لا يرحبون بها دوماً.

الحل الجذري الأول هو تعليم الأجيال و نبذ الخرافات الثقافية المتوارثة عن الاناث. كلما تطور المجتمع ثقافياً كلما ارتفع احترام المرأة و انخفض الاعتداء عليها. و لكن تعليم الأجيال لا يقتصر على وعظهم فقط و لكن الحرص على تشريع القوانين التي تنص على مساواة المرأة بالرجل في كافة ميادين التعليم و العمل و تمكينها لتلعب دورها في بناء المجتمع و تطوره.

الحل الجذري الثاني لا يتعلق بالمرأة و الرجل فحسب و انما بسعي الدولة للتقدم اقتصادياً و استحداث رفاهية و رعاية اجتماعية. الفقر ينقل العوائل الى هامش المجتمع و ذلك بدوره يؤدي الى زيادة العنف العائلي. 

هناك أسباب أخرى يمكن حصرها بانها فردية تتعلق بشخصية المعتدي و الادمان على الكحول و المخدرات حيث تتناسب عدد حوادث الاعتداء طردياً مع صفات شخصية عدوانية و الإدمان. هذه العوامل يجب ترويجها صحياً و الحرص على تقديم المشورة للضحايا و رعايتهم. 

هناك من العلاقات التي تتميز بالعنف المنزلي لا يمكن إصلاحها و الحل الأول و الاخير هو مساعدة المرأة على الخروج منها. العواقب النفسية و الطبية للاعتداء لا تجهل على احد٬ و هناك من الإصابات الرضحية  يبقى اثرها طوال العمر و يتم توارث هذا التأثير عبر الأجيال. اما رفع صلاحيات الشرطة و رجال الامن و مراقبة الناس فليس بحل لمشاكل المجتمع في جميع الثقافات.