الغضب و الطب النفساني Anger & Psychological Medicine


الغضب من العواطف الجوهرية التي يشعر بها كل انسان تنتج من جراء تعثر الانسان تحقيق هدفه او استفزازه في البيئة التي يتواجد فيها. يحصل الاستفزاز من جراء شعور الانسان بالظلم ٬ الاعتداء على حريته و حقوقه الشخصية ٬ و احتقاره. تؤدي جميع هذه المشاعر الى تحفيز الجهاز العصبي الودي Sympathetic Nervous System و ينتج سرعة النبض و ارتفاع ضغط الدم و شعور الانسان بالشجاعة و الاستعداد و الاندفاع. عند هذه المرحلة يحصل انخفاض الحاجبين٬ انتفاخ الخدين٬ اتساع المنخرين٬ و نحافة الشفتين.

القاعدة العامة في العلوم النفسانية و الطب النفسي هو نصيحة من هو موجود في مثل هذا الموقف الابتعاد عن الانسان الذي يشعر بالغضب. في نفس الوقت هناك فرصة للحديث مع الغاضب في مرحلة التفكير الذي يتميز دوماً بأفكار اجتراريه حول الظلم و عدم الشعور بالعدالة٬ و احتمال توقف الانسان من الدخول الى مرحلة الاستعداد للهجوم العدواني. القيام بالمهمة الثانية يتطلب تدريب خفض التصعيد De-escalation و هي مهارة (1) يتم تدريب العاملين في الصحة النفسانية عليها باستمرار و يجب التدريب عليها سنوياً.

هناك مصطلحان لهما علاقة بالغضب و هما العداء Hostilityو العدوانيةAnger. العداء كمصطلح نفساني له علاقة فقط بمحتوى الأفكار مثل تفكير الانسان بانه مظلوم و أُجحف في حقه. في حين ان اطار الأفكار هو العداء و لكن المحتوى متعدد و يشمل السخرية٬ التشويه٬ الغيرة و غياب العدالة. كثيراً ما يكون اطار الأفكار العدائية اجترارياً و يستمر لفترة غير قصيرة. اما العدوانية فهو الفعل ويتم تعريفه بسلوك مع وجود النية لإيذاء الغير. العدوانية قد تكون رد فعل لاستفزاز ما او مخطط لها.

يتم الحديث دوماً عن الغضب على بعدين و هما  حالة غضب State Anger و سمة غضب Trait Anger. تجربة الغضب العاطفية يمر فيها جميع البشر و لكن هناك من يشعر بالغضب اكثر من غيره و في مواقف لا يشعر غيرها فيها بالغضب. الشعور بالغضب لفترة طويلة و في مواقف لا تستحق الشعور ذاته هي سمة شخصية يتميز فيها الانسان بتفكير متحيز نحو الشعور بالعداء اتجاه الأخرين و بدون مبرر كافي. خضعت سمة الغضب لدراسات متعددة للبحث عن عوامل بيولوجية وراثية  (2) و تجارب شخصية فردية و عائلية تفسر امتلاك الانسان لسمة الغضب. في نفس الوقت يمكن تفسير الغضب بعدم قابلية الانسان على تنظيم عواطفه المتعددة و الميل الى الاندفاع و التهور٬ و لا يشمل ذلك الغضب فحسب و انما عواطف أخرى.

لا يختلف الذكر عن الأنثى في الشعور بالغضب و لكن التعبير عنه في الوسط الاجتماعي لا يميل الى سلوك عدواني في الاناث مقارنة بالرجال (3) ٬ و لكن هذه القاعدة لا تنطبق على العلاقات الحميمية و الزوجية حيث ان الرجل او المرأة سواء في التعبير عن غضبهم بسلوك عدواني لفظي او جسدي. كذلك لا بد من الاشارة بان الغضب احياناً قد يدفع الفرد لاتخاذ خطوات ايجابية لاصلاح نفسه و ظروفه دون اللجوك الى سلوك عدواني.

من الممكن قياس الغضب و تصنيفه كسمة شخصية او حالة عاطفية مع استعمال اختبارات نفسية٬ و لكن الفائدة العملية لمثل هذه الاختبارات لا تساعد كثيراً في معالجة الغضب٬ و من الأفضل دراسة الحالة العقلية للمراجع و الاستنتاج ان كان يعاني من اضطراب عقلي يمكن علاجه او ان غضبه سمة فردية بحد ذاتها.

معالجة الغضبAnger Management

الغضب ليس اضطراب عقلي و لكن من يتم ارساله الي مراكز الطب النفساني بسبب الغضب قد يعاني من اضطراب عقلي يتطلب التشخيص و العلاج. لا يصعب تشخيص الاضطرابات الذهانية و الوجدانية التي قد يكون احد اعراضها الميل الى الشعور بالغضب الذي ينتهي بسلوك عدواني. كذلك هناك اضطرابات الشخصية مثل اضطراب  الشخصيةالمعادية للمجتمع والشخصية الحدية. تتميز الشخصية الحدية بطبع الغلو العاطفيHyperbolic Temperament  و احد صفات هذا الطبع هو الميل الى تحدي الاخرين و الشعور بالغضب (4).

في الطب النفساني يتم التعامل مع نوبات الغضب التي تشكل خطورة على الاخرين باستعمال طرق خفض التصعيد و هي مهارات يجب ان يتدرب عليها باستمرار و يكتسبها كل من يتعامل مع المصابين باضطراب عقلي. يتم احيانا عزل المريض و استعمال التهدئة السريعة بالعقاقير(5) مع الالتزام بالشروط السريرية المتفق عليها في مكان العمل.

اما الذي يعاني من نوبات غضب مع عدم وجود اضطراب عقلي فهو غالبا ما يصل الى مراكز الطب النفساني عن طريق القضاء او الشؤون الاجتماعية. هناك عدة برامج من علاج نفساني يتم تقديمها من قبل قسم العلاج النفساني و في السجون ايضاً٬ لمعالجة الغضب و جميع هذه البرامج تساعد في انخفاض عدد نوبات الغضب لفترة ما قد تصل الى عام واحد (6). من جهة أخرى لا يوجد دليل مقنع على فائدة مختلف العقاقير في علاج الغضب٬ و اخر ما يجب ان يفعله الطبيب النفساني هو تطبيب مثل هذه الحالات مع عدم وجود اعراض اضطراب نفسي. تطبيب الغضب قد يؤدي دوماً الى اسقاط اللوم من قبل المعتدي على العقار مع حدوث اعتداء على الاخرين. استعمال عقاقير بينزودايازبين (7) في غاية الخطورة في مثل هؤلاء المراجعين و غالبا ما تؤدي الى الإدمان و ارتفاع حدة نوبات الغضب.

المصادر(اضغط على الواصل)

1

اكتساب مهارة خفض التصعيد في غاية الاهمية و يجب التدرب عليها سنوياً٬ و لا تقتصر فقط على الكادر التمريضي و انما على كل من يعمل في الخدمات النفسانية في المجتمع و المصحات.

2

رغم ان العوامل البيئية و تجارب الطفولة تلعب دورها  في ميل الانسان الى الشعور بالغضب٬ و لكن هناك عوامل بيولوجية ووراثية.  لا يزال النموذج البيولوجي البيئي بعيداً عن الكمال في تفسير الغضب.


3

القيود الاجتماعية و الثقافية تلعب دورها في الشعور و التعامل و التعبير عن الغضب.

4

طبع الغلو العاطفي نظرية تجمع بين العوامل البيولوجية و البيئية في تفسير اضطراب الشخصية الحدية. هذا الطبع ربما ي=فسر الكثير من حالات الغضب في المجتمع حجتى مع عدم وجود جميع علامات الشخصية الحدية. 

5

نموذج واحد يمثل استراتيجية خفض التصعيد. لا بد من وجود مثل هذا البرنامج في كل مستشفى.

6

لا يوجد دليل على وجود علاج نفساني افضل من غيره في معالجة الغضب.

7

استعمال مختلف العقاقير في علاج الغضب لا يستند على دليل علمي يستحق الذكر. القاعدة العامة هي تجنب استعمال عقاقير بينزودايازبين.