مرتزقة الاسلام


مرتزقة الاسلام

مقال  صدر عام ٢٠١٢

د. سداد جواد التميمي

شهد شهر آب 2012 الكثير من التقارير الصحفية و الاذاعية حول الحرب الاهلية السورية و الوضع المتأزم في قلب العالم العربي. لا يزال نظام بشار الاسد على قيد الحياة، و ان كان الجميع يتوقع سقوطه هذا العام، و السبب الاول و الاخير في ذلك يعود الى معارضة روسيا و الصين لتدخل عسكري امريكي اوربي تحت مظلة حلف شمال الاطلسي و شرعية مجلس الامن. لولا هذه المعارضة لانتهى النظام السوري كما انتهى نظام القذافي في ليبيا بفضل الجهود العسكرية لشمال الاطلسي. ان هذا الحديث ليس الغرض منه التقليل من شأن الثورة الليبية فرحيل القذافي كان امنية معظم الشعوب على امتداد القارات.

اصبحت الارض السورية الان مسرحاً لصراع بين طرفين. هناك من يعرف الصراع بالحرب بين الاسلام السني و الشيعي. هذا التعريف هو الاكثر شيوعاً الان بين العامة من المسلمين و العرب رغم ان النظام السوري هو نظام علماني و ما يسمى بالعلويين لا علاقة لهم من قريب او بعيد بشيعة الاسلام. الاقلية العلوية اسمها الصحيح المتداول في جميع المصادر التاريخية هم النصيرية 1 انتساباً لابن نصير، و هم قوما لهم عقيدتهم و اسلوبهم في الحياة حالهم حال اي اقلية من البشر. هناك من يعرف الصراع بانه صراع بين تيار المقاومة و تيار الوضع السائد، و هذا التعريف كان اكثر شيوعاً قبل الربيع العربي، حيث كانت سوريا و ايران و قطر و حماس تنتسب للتيار الاول و مصر و السعودية للتيار الثاني. من جراء الثورة المصرية و ليست الثورة التونسية ، تحولت قطر و تزعمت التيار الثاني و تم استقطاب تيار المقامة ليشمل سوريا و ايران فقط و تم سحب حركة حماس نحو التيار الثاني. يشهد قطاع غزة 2 الان حركة اعمار لبناء شقق سكنية في حي يعرف بالمدينة السعودية بتمويل سعودي يقدر ب 120 مليون دولار. أما قطر فستبدأ بتمويل بناء طرق سريعة على امتداد القطاع(40 كم)، و تركيا تعهدت بتمويل المستشفى الجامعي و قررت حماس ان تصبح اللغة تركيا جزء من برنامجها التعليمي. اما إسرائيل فقد رفعت القيود على نقل مواد البناء من اراضيها الى القطاع. رغم كل ذلك فان حلم حماس ببناء دبي على البحر البيض المتوسط لا يزال صعب التحقيق مع انقطاع التيار الكهربائي لمدة 12 ساعة يومياً.

التقارير الصادرة هذا الشهر باللغة الانكليزية تحدثت عن مجموعة اسلامية من البريطانيين الذين يحاربون في سوريا مما اثار استغراب بعض النواب حول تسهيل مهمتهم بصورة او بأخرى من قبل الحكومة البريطانية. أما في الرابع من آب 2012 فقد نشرت مجلة الإيكونيميست المؤيدة للثورة السورية تقريراً مفصلاً عن المجاهدين الاسلاميين من مجموعات مختلفة يتم تدريبهم في تركيا و مناطق اخرى و يدخلون الاراضي السورية من الشمال(ادلب) و الجنوب(درعا) و الغرب(العراق). هناك مجموعات مختلفة مثل جبهة النصرة، و احرار الشام و غيرهم تجمعهم صفة واحدة مشتركة و هي انتمائهم للتيار السلفي. ان الانتماء للتيار السلفي او بالأحرى الوهابي هو الضمان الوحيد لتلقي الدعم المادي من مجلس التعاون الخليجي. تتضارب الارقام حول نسبة هؤلاء ضمن المقاومة السورية و لكنهن لا يقلون عن 40% من المقاتلين على ارض المعركة، و لكن جميع المصادر تتفق بانهم اشد بأساً من غيرهم و لهم استقلالهم و قيادتهم على ارض الصراع 3.

ان المجموعات الاسلامية المتواجدة في سوريا قلما يتم تعريفها بتنظيم القاعدة سواء كان ذلك في الاعلام الغربي او الامريكي او العربي رغم ان تنظيم القاعدة اعلن مساندته للثورة السورية. كذلك الامر في حمامات الدم الارهابية في العراق التي يتم تعريفها بالمقاومة العراقية في الاعلام العربي و الغربي و ارهاب القاعدة في العراق. في نهاية الامر اصبح واضحاً بان تجنيد الشباب للقتال في العالم الاسلامي و العربي ليس امراً صعباً بفضل العاملين الاقتصادي و العقائدي .

البعد العقائدي:

مفهوم الشهادة ألدينية ولد في جوديا وهي ما تعرف اليوم بفلسطين و إسرائيل . في ذلك الوقت بدا مجموعة من الشبان أليهود بالترويج لفكرة الشهادة وأصبحوا يعرفون بالزيلوت، و تترجم من ألإنكليزية بالتعصب ألمفرط. كان اعتقادهم آنذاك بأن قتل ألأبرياء و الموت في سبيل ذلك سيعجل بقدوم ألمسيح أليهودي. ألدين التالي ألذي روج للشهادة هو ألدين ألمسيحي. تتحدث الرسائل الإنجيلية الغنوسطية(مذهب ألعرفان) أن جزاء الشهادة هي أرجون أبيض صافي كالكريستال، ولكن أنجيل ألغنوسطية لم يتلقى اعتراف الكنيسة الكاثوليكية. كان صلب 50 مسيحيا مجهولين تاريخيا و مناهضين للدولة الإسلامية في الأندلس في عام 768 م سبباً في شيوع وشعبية مبدأ الشهادة في ألمسيحية. بعد ذلك أصبح مفهوم الشهادة شاملا لكل من يموت في سبيل عقيدته بغض النظر عن طريقة موتهم، و يضمن الخلود ألإلهي لهم، و و وصل مفهوم الشهادة اعلى منصة له أيام الحروب ألصليبية.

انتهت عقيدة الجهاد في الدين المسيحي و اليهودي مع التقدم الحضاري و الفكري و السياسي في النصف الغربي من العالم، و لكنها لا تزال على قيد الحياة في الدين الاسلامي، و ربما اصبح هذا المفهوم اقوى اركان الاسلام سواء في المذهب الشيعي و جميع المذاهب السنية التي بدأ التيار السلفي يطغي عليها تدريجياً. استغل الغرب هذه العقيدة ايام حرب افغانستان ضد الاتحاد السوفيتي و ولد الافغان العرب و تنظيم القاعدة و حركة طالبان. بعد مأساة الحادي العشر من ايلول اصبح تعبير الجهاد و المجاهد Jihadist لا يعني سوى الارهاب في العالم الغربي و لكن استعماله هذه الايام اثناء الحرب الليبية و السورية ليس بغير المقبول و يشابه الى حد كبير استعمال المصطلح ايام افغانستان.

لا يزال الفكر الديني الاسلامي يغذي فكر الشهادة و التضحية و الفداء من اجل اعلاء كلمة الدين. لا يمكن تعليل ذلك بدموية الفكر الاسلامي فقط، فهو ليس اكثر دموية من الاديان الابراهيمية الاخرى، و لكن هناك فراغ فكري و معرفي و هوية قومية أو عرقية اثبت فشلها في القرن العشرين. من جراء ذلك ليس هناك في الساحة الان من يزيح الهوية الدينية الاسلامية.

البعد الاقتصادي

لا يزال العالم الاسلامي و العربي يعاني من مشاكل اقتصادية و بطالة و فقر. رغم ان موارد السعودية النفطية سجلت ارقاماً قياسية في العقد الاخير من هذا العصر، و لكن نسبة البطالة فيها لا تقل عن 30%. لا تنشر البلاد العربية ارقاماً يمكن الاستناد اليها لدراسة اقتصادها لسببين. السبب الاول هو افتقارها الى الهيكل الحضاري الذي يستند الى اسس علمية، و انتشار البطالة المقنعة في القطاع العام الوظيفي. مشاكل مصر الاقتصادية هائلة، و كذلك الامر في معظم البلدان العربية، و الاراضي الفلسطينية تفتقر الى ابسط كيان اقتصادي يؤهلها الى ان تكون دولة مستقلة.

لا يخفى على احد بان مهنة القتل تحتاج الى تمويل مادي لشراء السلاح، مع توفر الشباب المتطوع، و من ثم تدريبهم لحمل السلاح. ان مصدر هذا التمويل هو العربية السعودية و قطر و ربما دول خليجية اخرى 3. هناك فائض من المتطوعين الذين يسهل تجنيدهم من جراء البطالة، و ربما يعطي القتال و سفك الدماء المعنى الوحيد لوجودهم.

ولادة المرتزقة:

من جراء تفاعل العاملين اعلاه ولد جيل مرتزقة الاسلام في العصر الحديث. المشكلة الكبرى في هؤلاء المرتزقة بانهم لا يملكون مؤهلات أخرى للقيام أي عمل اخر سوى القتل، و لا تنتهي مهمتهم بعد انتهاء القتال في بلد ما. لا يزال العراق يعاني من جرائمهم و كذلك الحال في اليمن، و شهدت ليبيا هذا الاسبوع مقطعاً صغيراً من الارهاب رغم نجاح الانتخابات الاولية.

ان سقوط الاسد و نظامه ضرورة لتقدم سوريا. لكن سقوط هذا النظام اصبح مرادفاً للتخلص من اقلية دينية لم تفرض عقيدتها على احد و لم تمنع الاخرين من ممارسة شعائرهم الدينية بحرية 3. ان تجنيد مرتزقة الاسلام بتمويل خليجيي، و تدريب تركي، و تسليح غربي، قد تكون له مضاعفاته في المستقبل على الشارع السوري. ان على المقاومة السورية التخلص من هؤلاء المرتزقة لأنها قد لا تملك القدرة على تهجيرهم من اراضيها في المستقبل و ينتهي الامر بدكتاتور قد يصل السلطة بطريقة شبه ديمقراطية 4.

من الصعب التخمين بنهاية احداث الربيع العربي الذي يحتفل بعيد ميلاده الثاني هذا الخريف، و لا احد يعلم ما هي مهمة الفرقة الامريكية المتواجدة في الاردن و موعد ضرب المنشاة النووية الايرانية. هناك انتخابات امريكية هذا العام، و كسود اقتصادي بدأ ينتشر عالمياً من منطقة اليورو، و كل هذه الاحداث تتفاعل و ستحدد موعد رحيل نظام ألطاغية الاسد.

أما مصير المرتزقة فهو كذلك يصعب التخمين به. هناك من يتوقع ضرورة تجنيدهم لحلبة صراع أخرى و ارض العراق ربما ستكون محط رحالهم لتكملة المواجهة مع ايران اذا فشلت اسرائيل في التخلص من النظام الايراني عن طريق ضرب منشاته النووية . أما القضاء عليهم من قبل مموليهم فهو الخيار الافضل اذا كانت لدى الحكومات العربية الجديدة العزيمة و القدرة على طلاق الدين من السياسة و النهضة بشعوبهم فكرياً و اقتصادياً.

المصادر:

1 انظر في كتاب Extremist Shites. The Ghulat Sects by Matti Moosa 1988.

2 أنظر تقرير الايكونيميست Building boom في 18 آب 2012.

3 أنظر تقرير الايكونيميست Jihadist on the way في 4 آب 2012.

4 أنظر مقالة ايمن التميمي Baghdad on The Nile في صحيفة الهاريتس 17 أب 2012.