عبد الكريم قاسم


عبد الكريم قاسم

بين جدار برلين و جدران العراق

 



ضاقت الايام بعبد الكريم قاسم في آخر ايامه و كان كثيراً ما يردد عفا الله عما سلف حتى اصبحت العبارة على لسان اهل بغداد و العراق أجمعين. كان يلقب بالزعيم الاوحد غير ان الكلمة بحد ذاتها تتكلم عن شخصيته بدون قصد و فشلت في تعريف من هو الزعيم و ما هو الاوحد.

عرضت سينما النصر في بغداد فلماً أمريكيا عن محاولة عائلة تعيش في القسم الشرقي من برلين، الهرب الى القسم الغربي منها حيث الحرية و الرفاهية و الديمقراطية. كان عرض الفلم جزأً من الحرب الباردة بين المعسكر الغربي و الاتحاد السوفيتي أيامها، و كما هو المعتاد كان العرض الاول للفلم مساء الاثنين في بغداد. لم يعرض الفلم بعد مساء الثلاثاء بعد اعتراض السفير السوفيتي، و فجأة عاد الفلم الى شاشة النصر الخميس بقرار من قاسم. بالطبع سمع الزعيم الاوحد بالقضية و ثار غضبه بان ذلك تدخلاً في شؤون العراق الداخلية و اتخذ موقفاً لم يجرأ الكثير على اتخاذه في مسائل لا تقل أشكالاً في عالم العلاقات أيامها، بل و حتى في يومنا هذا.

فارق الدنيا قبل عيد ميلاده الخمسين، و بعد وفاته كثرت الاساطير حول حياته الشخصية، قرارته السياسية، علاقاته مع من حوله، بل و حتى ان كان قد فارق الحياة ام لا. كان البطل الوحيد لسكان مدينة الثورة و لم يصدق الكثير من سكان القرى الشعبية وفاته، و لا أحد يعلم بقعة من ارض العراق تم اخفاء جسده فيها. البعض يقول ان عبد السلام عارف أمر بقتله، و البعض يقول ان علي صالح السعدي أمر بذلك. كان رجلاً علمانياً، و لكن البعض يقول انه طلب ان يصلي عليه المرحوم محسن حسين الحكيم. لم يكن له فكراً و اضح المعالم، و طالب بضم الكويت الى العراق، و ربما كان ذلك سبباً في سحبه العراق من الجامعة العربية بل و كراهيته لها. أنتقده البعض نهاية الاقطاع الزراعي بأمره رغم ان من يتتيع تاريخ العراق يرى بان نظام توزيع الاراضي منذ بداية القرن العشرين كانت سبباً لقيام نظام اجتماعي و سياسي اشتهر بفساده مالياً و ظلمه اجتماعياً لطبقات عدة من الشعب العراقي.

لم يتزوج و لا أحد يعلم بعلاقاته النسائية. تعددت الاساطير حول علاقته بفنانة و تخصيص راتب لها من ماله الخاص. غير ان ذلك يصعب تحقيقه، و لم يترك الزعيم مذكرات شخصية مكتوبة. لكنه كان قريباً من أمه الكردية العرق و الشيعية المذهب، و فقد والده السني المذهب في عمر مبكر. كان صديقاً لكل أهل العراق و لكن لا أذكر مقولة عن صديق مقرب منه، و ربما كان ذلك سبباً في عصيان أصحابه من العسكر الواحد بعد الاخر. ترك أمر القضاء بيد ابن خالته المهداوي و أصبح القضاء العراقي مسخرة اممية. كل ذلك يجري حوله و هو في عزلة في مكان نومه في وزارة الدفاع وسط بغداد. لا عجب انه كان الزعيم الاوحد.

لم يكن له فكراً سياسيا، و تقرب من الحزب الشيوعي دون ان يكون منهم، و حاربهم في الاشهر الاخيرة من عهده. طلب من الملا مصطفى البارزاني الرجوع الى العراق و لم يكن له مخططاً ما لضمان حقوق الاكراد و انتهى الامر بعصيان مسلح في كردستان أستمر خمسة عشر عاماً و لم سنتهي الا في التسعينيات. كان يؤمن بوحدة العراق قدر ما كان يؤمن بوحدته بين الناس. وصفه سفير اسبانيا في مذكراته برجل خجول، و تحدث سفير امريكا عن شكوك قاسم بنوايا الولايات المتحدة و اطماعها في العراق.

 

شخصية قاسم

ان تفحصت شخصية الزعيم الاوحد من خلال ما ذكرت أعلاه لاتفقت معي أنه كان يعيش حياة وجوده فيها كان انفراديا و غريبة المحتوى. ربما كانت تلك العزلة سبباً في ان الكثير شعروا بالحزن عليه بعد رحيله و حاول الكثير التقرب اليه بعواطفهم ايام حياته.

تميز الزعيم الاوحد في حياته كغيره من الشخصيات المشابهة له بكثرة التناقضات التي كان يحملها، و بان مظاهر عالمه الخارجي تختلف تماماً عن عالمه الداخلي الذي لم يعرفه أحد في حياته و لا حتى بعد وفاته. أما التناقضات فيمكن تصنيفها الى مجموعة علنية و مجموعة خفية.

المجموعة العلنية لتناقضاته فكانت واضحة للجميع بكونه : انعزاليا، مكتفي ذاتياً، مضجراً للناس بخطاباته، شارد الذهن، غياب علاقاته الجنسية، و غريب الاطوار في قيمه و مبادئه.

المجموعة الخفية للتناقضات فتراها في انه كان شديد الحساسية، مجاهداً لكي يفوز بعواطف الشعب، شديد اليقظة، و مبدعاً في الكثير من انجازاته ان درستها اليوم.

ان هذا الاستقطاب Polarisation في صفات الزعيم الاوحد تمثل تجزأ الذات الى أكثر من تمثيل ذاتي  Self-Representation و الذي فشل طوال عمره في دمجها بتمثيل واحد مستقر، و ربما كان هذا سيحدث لو لم يفارق الحياة مبكراً بعض الشيء.

أما من الناحية العلمية فيمكن ات تطلق تعبير انتشار الهوية  Identity Diffusion على الزعيم الاوحد الذي لم يكن واثقاً من هو و متضايقاً من أفكار داخلية لا تتميز الا بكونها شديدة التناقض و هذا ما كان واضحاً من مسيرة حياته و علاقاته مع الحزب الشيوعي، و الاتحاد السوفيتي و موقفه من فلم جدار برلين.

أن انتشار الهوية التي كان يعاني منها قاسم ربما كان السبب الاول و الاخير في مشاكله مع زملائه قبل الثورة و بعدها بفترة وجيزة. لقد كان الزعيم الاوحد بلا شك ملئ بالعاطفة تجاه وطنه، و الفقراء من شعبه، و لكنه من ناحية تطورية نفسية فقد تم تجميد شخصيته في مرحلة بدائية من حيث التعلق بالآخرين. يبدوا ان قرار قاسم بحق تركيبته النفسية قد تم اتخاذه شعورياً او غير شعورياً بناءً على اعتقاده ان فشله الحصول ما كان يحتاجه عاطفياً من الوالدين يعني بانه لا طائل من الحصول على مثيله من مقربين له و لذلك لم تراه يسعى الى الارتباط بامرأة و حتى ان كانت تقول الاساطير انها تزوج سراًد من فنانة رحمها الله. أن كان ما يقال عن تلك الاسطورة صحيحاً على سبيل الجزم فهو يؤكد التحليل الاخير حيث ان امرأة فنانة ايامها في مجتمع عراقي لم يكن من المعقول ان تتبوأ منصب السيدة الاولى و مع رجل قضى عمره في مكتبه العسكري.

يميل البعض و خاصة في المدرسة النفسية البريطانية بان شخصية مثل قاسم يكمن عيبها في وجود ما يسمى بالخطأ الاساسي Basic Fault الناتج عن قصور في الامومة لا غير. بالطبع فقدان الوالد في مرحلة مبكرة ربما يفسر هذا القصور في الامومة. بعد ذلك ترى هذا الانسان وبعد البلوغ، يلجأ الى الانسحاب اجتماعياً من المقربين له و يستسلم الى عقدته الازلية من الرغبة في التقرب الى الناس و الابتعاد عنهم خشية الاذى. لذلك تراه كان قريباً للفقراء من الشعب و فاشلاً في الاتصال بالمقربين منه و أصحاب القرار ان صح اطلاق هذا التعبير عليهم.

حاضر اليوم

ربما يتساءل البعض لمَ كل هذا العناء في العودة الى حادثة يجهلها الكثير منذ أكثر من نصف قرن من الزمان، و لكني اقول لا خير في أمة لا تحاول ان تحلل علمياً بعض ما جرى في تاريخها الحاضر و القديم لتبني مستقبلها و تواجه التحديات الجديدة الواحدة بعد الاخرى. أنتقد موشي ديان العرب يوماً قائلاً بانهم قوماً لا يدرسون التاريخ و المعروف عنه طبعاً ولعه بالأثار التاريخية. قال مقولته بعد حرب الأيام الستة حين وضع خطة لغزو سيناء لم تختلف عما جرى في حرب السويس.

كذلك العراق الذي عليه اليوم ان يضع اصحاب القرار على اريكة لدراسة شخصياتهم و عقدهم النفسية. لو تم ذلك للزعيم الاوحد ايامها لادرك هو و من حوله بل و الشعب باسره بانه لم يكن قادراً الا ان يلعب دور الزعيم الاوحد و هو على كرسي الحكم. أدرك الناس افتخاره باستقلال بلده في حادثة فلم عن جدار برلين، و لكنه كان محاطاً بجدار آخر اسمه جدار بغداد يعزله عن الواقع.

يكثر الحديث عن تقسيم العراق على كل لسان و هناك من الكلام القبيح من أهل العراق في هذا الشأن الذي اصبح مؤلماً في اطاره و محتواه. ربما أحاط قاسم نفسه بجدار يعزله عن الناس في بغداد و لكن تقسيم العراق يتطلب ايضاً بناء جداراً يمكنك ان ترى موقعه ان تفحصت الخريطة السكانية الجديدة لأهل بغداد منذ بداية الالفية الثالثة. كثير ما يدعي اهل العراق حبهم لوطنهم و لكي يثبتوا فعليهم النضال من أجل وحدة وطن كان عبد الكريم قاسم يعشقه بصدق رغم مقولتي القاسية أعلاه في شخصه، و اختتم قائلاً رحمة الله عليه اين ما رقد في ارض العراق.