سورة العلق



هوامش على القرآن الكريم

سورة العلق




ألمقدمة:

أن القرآن الكريم بلا شك هو الكتاب الأول طباعة و قراءة باللغة العربية، و لا أظن ان هناك انسان يتكلم هذه اللغة لم يلقي عليه نظرة ما من قريب أو بعيد. أن هذا الكتاب العظيم ليس حصراً على أي طبقة او مجموعة بشرية دينية لقراءته و استيعابه و فهمه. ان قراءة القرآن الكريم و استيعابه هي مسألة شخصية لكل انسان، و ليست حصرا على من يتصورون ان فهم القرآن الكريم فكر و علم خاص بهم، و انما هو كتاب مقدس متوفر لكل الناس كما هو حال جميع الكتب المقدسة. لذلك ربما يبدأ البعض منا بفهم القرآن الكريم  بصورة تختلف تماما لمجتمعات بشرية سبقتنا بأكثر من ألف سنة. 

سورة العلق:

هذه اول سورة قرآنية كريمة، و هي تشير الى بداية الدعوة الاسلامية و نضال الرسول الكريم. يقال ان هذه السورة الكريمة نزلت دفعة و احدة، و لكن  سياق الآيات الكريمة لا يسند ذلك.  الآيات من 1 الى 5 تشير الى بداية الدعوة الاسلامية، اما الآيات 6 الى 19 فهي تتحدث عن اضطهاد المسلمين من قبل أهل مكة المكرمة.

  تتحدث الآيات الخمسة الاولى عن الدعوة، و فيها اشارة واضحه الى القراءة و بالضبط استعمال الانسان  لتلك الوظيفة التي تميزه عن بقية الكائنات الحية  و هي الاتصال بغيره من البشر و زيادة في التعليم و المعرفة. الاشارة في  الايات الخمسة الاولى تتعلق بخلق الانسان و نشأته و تكريم ذاته بالعلم. 

هناك رواية في كتب السيرة حول هذه الايات الكريمة الخمسة و هو أحاديث متواترة عن السيدة عائشة(رض). تشير الرواية الى ان الرسول الكريم رجع الى زوجته السيدة خديجة (رض)مرعوباً  لا يفهم ما حدث له. بعدها ذهبت به الى قريبها ورقة بن نوفل، و كان كهلاً فقد بصره. طمأنه ورقة بان ما حدث له كثير الشبه بما حدث لموسى(ع). دخلت الطمأنينة قلب الرسول الكريم و انتهى الامر.

ان سياق الاسطورة اعلاه لا يمكن قبوله من محمد(ص) الذي كان  رجلاً واثقاً من نفسه، اميناً على بيته و على الناس اجمعين، و يمتلك من الارادة و العزيمة ما لا تراه في القليل من الرجال و النساء. بعبارة أخرى كان محارباً بالفكر و العقيدة متحدياً من حوله، و لا يعقل بان هذه الأسطورة لها حقيقة تاريخية.  

كلمتان لا غير هي رائعة هذه الآيات الكريم: العلم و القلم. كلاهما يمثل ما يجب ان يكون الاساس لكل دعوة لنشر عقيدة او فكر او أراء أو أحداث تغيير اجتماعي في أي وقت من الاوقات. هذا الاساس هو الاسلوب السلمي و التمسك بالمعرفة. كذلك المعرفة تتعلق ليس بالعلم الاجتماعي او السياسي و انما بالعلوم البيولوجية و الا ما أشار اليها القرآن الكريم حو خصوصية تطور الانسان من علق. متى ما اجتمعت العلوم العلمية و الاجتماعية و الفكرية تبدأ عملية النهضة و يمكن ان تتصور:

1 أطارها سلمي.  

2 محتواها علمي و فكري.

اما بقية آيات السورة فمن الصعب أثبات انها نزلت في نفس الوقت الآيات الخمسة الاولى. تشير الكثير من المصادر بان الآيات القرآنية تشير الى تعرض الناس لصلاة المسلمين ايامها في مكة و كما هو معروف بان هذا الامر لم يحدث الا بعد أكثر من سنة من بداية الدعوة. يشير الكثير بانها نزلت في حق ابي جهل و على ضوء ذلك لا يمكن القبول بان نزول هذه الآيات الكريمة متزامن مع نزول اليات الخمسة الاولى. رغم ذلك فان هذه الآيات الكريمة تراها مشحونة بالغضب و الوعيد بأشد العذاب لمن يتعرض لأنسان يمارس طقوسه الدينية. أي يمكنك ان تفهم بان هذه الآيات الكريمة تشير الى حرية العبادة بصورة تقرب الى الانسان ايامها و حتى في عصرنا هذا بان ممارسة العبادات حرية شخصية لا يجوز التعرض اليها او منعها.

الآيات 6، 7، و 8 تشير الى تكبر البعض الذي يتصور انه سيد اهله و الناس و في يومنا هذا سيد المجتمع باسره. تشير الية الثامنة بان الفناء امر حتمي للجميع، و هذه أزمة  و عقدة وجودية لا بد للإنسان ان يفهمها و يستوعبها حيث هي بداية ايمانه بحريات غيره الفردية.

أما الآيات الكريمة 9 الى 14 فهي تنتقل الى التعرض الى الحريات الشخصية للأخرين و هي بان الانسان مهما كان اصله او طبقته الاجتماعية فهو له مطلق الحرية بممارسة طقوس دينية لا تمس من حوله من قريب او بعيد بضرر.

تنتهي السورة الكريمة بالآيات 15 – 19 متوعدة من يتعرض لهذا الانسان الذي يمارس عبادته التي يمكن فهمها جزء لا يتجزأ من الحرية الشخصية التي لا تمس غيره بضرر، بأشد العقاب. هذه الآيات أطارها الغضب و محتواها العقاب لمن يتعرض لحرية الانسان الشخصية. أعظم ما يمثل حرية الانسان الشخصية هي العبادة حيث هي اتصال روحي بين الانسان و ما يعبد و لا دخل للغير بها من قريب أو بعيد.


الخلاصة:

رغم ان الحديث بان جميع الآيات القرآنية في السورة الكريمة نزلت دفعة و احدة، و لكن جمعها معاً في سورة واحدة منطقي. هناك ثلاثة جوانب فردية و اجتماعية تتعلق بديناميكية المجتمع في عصرنا هذا و هي:

1 اللجوء الى الفكر و العلم لإحداث تغيير اجتماعي، و ليس بالضرورة نشر دعوة دينية اسلامية فقط. تشير السورة الى العلم و القلم و هذا ما يميز الكائن البشري عن بقية الكائنات الحية.

2  الطرق السلمية لنشر الدعوة.

3 احترام الحريات الفردية للإنسان حيث لجأ القرآن الكريم الى استعمال مثل العبد الذي يصلي و يتعبد فهذه قمة الحريات الشخصية التي لا يجوز التعرض لها.

4 ان مسألة التعرض او الاعتداء على الحريات الشخصية للإنسان لا بد من وضعها في أطار قانوني يتضمن عقاب المعتدي. لا سبيل أي مجتمع في النهوض و المضي قدماً دون ضمان الحريات الشخصية للمواطنين.

أن النقاط الاربعة أعلاه لا تخص أهل الدين الاسلامي فحسب و انما  يجب تعميميها لجميع الاديان السماوية بل و غير السماوية كذلك  في مجال احترام حقوقهم الشخصية. أن احتكار الحقوق الشخصية لمعتنقي دين معين و تهميش معتقدي الاديان الاخرى لا يؤدي الا التفكك الاجتماعي و التمييز العقائدي و العنصري. ليس هذا فحسب بل سيؤدي ايضاً الى عزلة الغالبية الدينية لمجتمع معين عن بقية المجتمعات و فقدانهم القدرة الى التطور الفكري و الاجتماعي.   متى ما استوعب اهل الاسلام هذه القواعد الانسانية بمفهوم عصري فأنهم سيجلسون على مقعدهم في حركة نهضة عالمية و انسانية.