١٧ تموز


أحمد حسن البكر

١٩١٢-١٩٨٢ م



شهر تموز يتميز عن غيره من شهور السنة بكثرة الحركات الثورية والسياسية في تاريخ العالم. شهد العراق انقلاب ١٤ تموز عام ١٩٥٨٬ انقلاب ١٧ تموز ١٩٦٨٬ وانقلاب ٣٠ تموز ١٩٦٨. انتقل العراق بعد انقلاب ١٧ تموز الى مرحلة جديدة سياسيا واقتصادياً٬ وتميزت بتولي السلطة اولاً من قبل احمد حسن البكر٫ وبعدها نائبه صدام حسين٬ وانتهى دور هذه المرحلة بعد دخول القوات التحالف الدولي تحت القيادة الامريكية الى بغداد عام ٢٠٠٣. هذه الفترة في تاريخ العراق لا تزال اثارها موجودة الى الان.


شخصية احمد حسن البكر لم تخضع لدراسات سياسية او اجتماعية من قبل أحد وخاصة في العالم الغربي. ترى جميع الدراسات تركز على دور صدام حسين حتى في فترة تولي احمد حسن البكر زعامة العراق لاكثر من عقد من الزمان. كذلك لا ينتبه الكثير الى دوره في إعادة بناء حزب البعث قبل انقلاب ١٧ تموز عام ١٩٦٨. ينظر البعض الى موقع احمد حسن البكر بانه كان مجرد رمزاً لدولة تحت سيطرة صدام حسين٬ و ربما هناك بعض الغلو في هذا الرأي ولا ينصف دور الرجل في سياسة العراق ايامها.


احمد حسن البكر من مواليد ١٩١٢. درس التعليم في دار المعلمين في بغداد ومارس مهنة التعليم قبل دخوله الكلية العسكرية عام ١٩٣٨. لا شك بانه كان شخصاً على مقدرة عالية من الفطنة ومهارات شخصية في التعامل مع الاخرين. لا يوجد دليل بانه كان يملك فكراً سياسياً معيناً وكان ولائه لزملائه العسكر حاله حال الأكثرية منهم وهدفهم الوصول الى السلطة. تم اعتقاله والافراج عنه من قبل عبد الكريم قاسم عام ١٩٥٩ ولكن رغم ذلك استمرت ترقيته في صفوف الجيش العراقي٬ وشارك في انقلاب ٨ شباط ١٩٦٣. تولى منصب رئيس الوزراء عام ١٩٦٣ ولكنه استمر في منصبه وخدم نائباً لطاهر يحيى بعد حركة١٨ تشرين عام ١٩٦٣. عرض عليه طاهر يحيى بعد ذلك منصب سفير في بيروت٬ ولكنه رفض العرض واعتزل السياسة. هذا ملخص ما نعرفه عنه في تلك الفترة٬ ولكن ما يمكن استنتاجه من سيرته بين ١٩٥٨ حتى ١٩٦٤ بان مهاراته الشخصية كانت جيدة وكان موضع ثقة الاخرين٬ وشخصاً مسالماً لا يميل الى الانفعال ولا التهور. هذه الفترة من حياته تشير ايضاً الى اكتسابه الخبرة السياسية واستيعابه لسلوك رجال السياسة في العراق٬ ولكنه في نفس الوقت كان رجلاً طموحاً لم يكشف طموحه على العلن وشخصية متوازنة لا تميل الى العروض الدرامية.


ما حدث ما بين ١٩٦٤ حتى ١٩٦٨ لا يخلوا من الغموض٬ ولا شك بان طموحه لم يتوقف٬ ولا يوجد في سيرته الشخصية سوى تولي مناصب سياسية. وصل الى اعلى درجة ممكنة في عالم السياسة العراقية وهي رئيس الوزراء ولا يعلوا على ذلك سوى رئيس الجمهورية٬ والأخير بيده السلطة المطلقة. انحصار السلطة في شخص رجل واحد ليس بالامر الغريب في العالم العربي بل ولا يزال الى يومنا هذا يمثل ما هو الطبيعي والمقبول من قبل معظم الجماهير العربية. كذلك أدرك بان الوصول الى السلطة يحتاج الى أكثر من قوة عسكرية والى تنظيم سياسي له سطوته الاجتماعية. وجد فرصته في عام ١٩٦٦ مع انقسام حزب البعث الى حزبين: أحدهما في العراق والاخر في سوريا٬ وربما لعب دوره في بناء حزب البعث العراقي ايامها. أدرك ومن معه في الحزب حينها ان تولي السلطة يخضع الى قاعدة السياسة العربية الأبدية وهو وجود رجل قوي وجبار في القصر الرئاسي. هذه القاعدة استوعبها ايضاً حافظ الأسد الذي وصل الى القصر الرئاسي السوري٬ ودخل احمد أحسن البكر القصر الرئاسي العراقي قبل الأسد بعامين٬ وكلاهما تحت أيديولوجية حزب البعث المتمثلة في وحدة وحرية واشتراكية. لو تتبعت سيرة احمد حسن البكر وحافظ الأسد ستستنتج بان كلاهما كان على درجة من العقلانية وأدركوا ان الوصول الى السلطة والبقاء على مقعدها يحتاج الى ولاء المقربين من الأقارب والأصدقاء والسيطرة على جميع ميادين الحياة في المجتمع. من الغريب ان دور كلاهما انتهى بصورة طبيعية. توفي حافظ الأسد بسبب سكتة قلبية وهو يتحدث على هاتفه في قصر الرئاسة٬ وانتهت حياة احمد حسن البكر بعد سكتة قلبية سبقتها نوبة صحية عام ١٩٧٦ وتدهورت صحته تدريجياً بسبب السكري وعجز القلب حتى استقال من منصبه عام ١٩٧٩.




احمد حسن البكر

وحزب البعث


لا شك ان علاقة احمد حسن البكر بحزب البعث في عام ١٩٦٣ لم تكن جيدة٬ ولم تتم تصفيته بعد حركة ١٨ تشرين من تلك السنة. كذلك هناك أكثر من دليل بان حزب البعث كان في حاجة الى رجل بعيد عن الانظار وميول العنف كواجهة لإعادة تنظيمه بعد انقسام الحزب عام ١٩٦٦ وهنا كان دور احمد حسن البكر رغم ان ثقافته في ادبيات الحزب لم تكن عالية٫ ولكن ثقافته السياسية في الحكم ودور الجيش كانت اعلى بكثير من كوادر حزب البعث العراقي. وصل الحزب الى السلطة عام ١٩٦٨ وذكريات ممارسات الحرس القومي بعد انقلاب ١٩٦٣ وحتى حركة تشرين من ذلك العام٬ لا تزال عالقة في الاذهان٬ وكان الحزب في حاجة الى رجل سمعته مقبولة في صفوف الجيش والشارع٬ وهذا ما يمكن استنتاجه عن تقديم حزب البعث لشخص احمد حسن البك في حينه والتي أقتنصها بدوره للوصول الى السلطة وارضاء طموحه الشخصي من خلال التصدي لمهمة المشاركة الفعالة في الحزب ولا يمكن كلياً الجزم بان الرجل كان مجرد واجهة لطموح نائبه او غيره.


أدركت حكومة احمد حسن البكر الى ضرورة تحييد الجيش العراقي لضمان التمسك بالسلطة وتم ذلك عن طريق ضمهم تحت قيادة الحزب بعد انضمامهم اليه٬ وتقليل أي احتمال للقيام بانقلاب عسكري ناجح في المستقبل. لم يكتفي بذلك خلال فترة توليه الحكم وانما عمل على تجريد القادة العسكريين الذين شاركوا بالوصول الى السلطة تدريجياً خلال بضعة أعوام واحكام سيطرة الحزب على مؤسسات الجيش.


سياسة احمد حسن البكر

ما فعلته سياسة حكومة احمد حسن البكر هو الاستمرار بتحويل جميع ميادين الحياة في العراق تحت هيمنة الدولة وانهاء دور القطاع الخاص الفعال في شؤون الحياة الاقتصادية. آستمرت هذه السياسة في عهد صدام حسين ومن تلاه لتكون منهجاً لأهل العراق حتى يومنا ينتظرون سيطرة الدولة على جميع ميادين الحياة ولعب دور توزيع الهبات عليهم دوره النتيجة هي ولادة جيل جديد يتميز بصفات اعتمادية تتطلب ان تتكفل الدولة بتأمين متطلبات الحياة اليومية بغض النظر عن المشاركة بجهد او عمل منتج وفعال.


ولكن في نفس الوقت تضاعفت إيرادات العراق من النفط مما سهل تغطية العيوب الناتجة للسياسة الاشتراكية لحزب البعث وسياسة أحمد حسن البكر. كان نتاج هيمنة الدولة على جميع مرافق الحياة ولادة فترة من الاستقرار والتعايش السلمي بين المكونات الثلاثة الكبيرة والمجموعات الاجتماعية الصغيرة المتعددة في المجتمع العراقي. كان من المفترض ان يؤدي استمرار مثل هذا النهج في السياسة مع وفرة الواردات الي نمو ورفاهية اقتصادية قد يؤدي الى طفرة اجتماعية وثقافية نتيجتها ولادة امة واحدة. رغم الظاهر من الرفاهية الاقتصادية فان تضخم القطاع العام ينتهي تدريجياً بتفشي الرشوة والفساد الإداري٬ وهذا ما حدث ولا يزال ساري المفعول في جميع دوائر الدولة الى الان.


ولكن ما لا يستطيع أحد غض النظر عنه ان القاعدة الحزبية التي لعبت دور الأداة لتعزيز أيديلوجية الدكتاتورية ايامها لم تخلوا من الصراعات والتفكير الزوراني. هذه القاعدة كانت مدنية ولا ثقة لها بالعسكر وسعت الى تصفية الكادر العسكري وتحجيمه بصورة او بأخرى منهم حردان التكريتي٬ صالح مهدي عماش ٬ سعدون غيدان وحماد شهاب. ثم كانت هناك سلسة من الحوادث التي تثير الريبة في ظل حكم بوليسي تمثل مؤشراً لتصارع القوى من الداخل لتمدد سيطرة طرف على اخر مثل حادث غرق زوج ابنة البكر في بداية السبعينيات ومقتل ابنه وزوجته في حادث سير في منتصف السبعينيات. قد تكون مجرد قضاء وقدر او حوادث تم التخطيط لها٬ وهذا ما ستكشف عنه يوماً ما البحث في احداث تلك الحقبة التاريخية.


تاريخ الأمم منذ أيام الاغريق والدولة الرومانية والإمبراطورية الصينية لا يشير الا الى فشل النظم الاشتراكية. كذلك من يراجع تاريخ بابل (١٧٥٠ ق.م) وقوانين حمورابي سيرى ان سيطرة الدولة على ميادين الحياة لا يؤدي بالنهاية الا الى تفكك الدولة٬ وكذلك الحال في مصر ما بين ٣٢٣ – ٣٠ ق.م.


ما بعد احمد حسن البكر


ربما كان احمد حسن البكر رجلاً ضعيفاً ولكن قاد دكتاتورية الحزب في السلطة حاله حال جميع زعماء العرب ايامها بل حتى الى يومنا هذا. لكن خلفيته الاجتماعية والمهنية جعلت منه رجلاً ذو طموح سياسي وعقلاني نجح من خلالها في الوصول الى السلطة بأسلوبه الخاص وفطنته. شهد العراق أيامه نهضة اقتصادية ولكنها كانت نهضة اشتراكية مصيرها الفشل ولم يقومها سوى إيرادات النفط الهائلة في ذلك الوقت. مع ١٩٧٨ أصبح حزب البعث مصدر السياسة الوحيد في العراق واستقال هو من منصبه بعدها بعام وفارق الحياة عام ١٩٨٢.


ان ما حدث من انتقال السلطة بعد مرضه واعتزاله السياسة يتميز بحقيقتين. الاولى ابرزت بان صدام حسين لم يكن على درجة مقبولة من الذكاء في إدارة دولة مدنية ولا الحزب باتباع نظمه الداخلية٬ وثانياً لم يملك من الثقافة سوى ادبيات حزب البعث والحدس الأمني٬ ثم وصل الى الحكم وهناك استقرار سياسي واقتصادي. تجاوزت نرجسيته بسرعة حدود المعقول الى موقع ذهاني حتى أصبح يتدخل في الحياة الشخصية للمواطنين. مارس تعزيز موقعه في السلطة وانتهج سياسة تصفية دموية لمعارضيه ومن ثم توسيع سيادته خارج الأراضي العراقية لزعامة العالم العربي. هذا التعجرف والنرجسية المرضية كانت نتيجتها تدمير العراق.