برمجة الاجيال


برمجة الكائن البشري بين الوراثة و البيئة

 


الحديث عن طبيعة الانسان والرعاية التي يتلقاها في حياته لا يخلوا من الجدل ومن الصعب الحصول على اتفاق في الآراء على المستوى الشخصي والعائلي والحضاري لأي مجموعة بشرية. النموذج التي يستعمله هذا المقال هو أقرب الى حضارة الانسان في يومنا هذا وهو جهاز الكمبيوتر المتواجد في جميع انحاء المعمورة وربما في كل بيت، وان لم يتواجد في البيوت فليس هناك ما يمنع أي انسان من العثور على جهاز ما واستعماله او احياناً اللعب والعبث به.


النموذج

لكل كمبيوتر منبر او رصيف يتحدد بطبيعة ما يسمى بمعالج المعلوماتProcessor. هناك اختلاف شاسع بين الاجهزة في نوعية المعالج، وجودة الكمبيوتر تستند في النهاية على المعالج.

يبدأ الكمبيوتر عمله ويتحدد ادائه بالبرامج التي يتم نصبها او تثبيتها في الجهاز. لا يمكن تثبيت أي برنامج في أي جهاز ويجب على اقل تقدير تحديث هذا البرنامج استناداً الى المعالج الموجود داخل الجهاز. رغم ذلك هناك برامج مهما حرص الانسان على تحديثها لا يمكن تثبيتها، وهناك من البرامج ما هو قادر على تعطيل الجهاز وقتياً او ابدياً.

عملية اختيار البرامج وتثبيتها يقوم بها الانسان بمفرده او يتم تثبيتها من قبل شركة تعرض هذا الكمبيوتر للاستهلاك.

الحياة بصورة عامة وموقع الانسان الاجتماعي والتعليمي في مرحلة التطور لا يختلف عن ذلك. يمكن القول بان الأنسان كجهاز الكمبيوتر في حوزته معالج للمعلومات يختلف من شخص الى اخر تماما كاختلاف جودة الاجهزة. تسعى الناس الى تثبيت برامج معينة في الاخرين من خلال التربية العائلية والمؤسسات التعليمية وتسلط الدولة والمجتمع. هذا هو ببساطة ما اسميه برمجة الأنسان.

يواجه الفرد على مدى حياته محاولات عدى لبرمجة ادائه وتفكيره وسلوكه. يمكن تقسيم هذه البرمجة الى عدة اصناف اعتماداً على مرحلة الفرد التطورية والمجتمع الذي يعيش فيه وظروفه الشخصية.


اول من يجتهد في برمجة الانسان الاخر هو الاب او الام او كلاهما وتكون على أشدها في اعوام الطفولة. لا تتوقف محاولات الوالدين لبرمجة الابناء حتى بعد سن البلوغ ولكن عملية البرمجة قلما يحالفها النجاح بعد منتصف العقد الثاني. تخضع المؤسسات التعليمية لضوابط وارشادات الدولة سواء كانت مدراس حكومية او اهلية، ويمكن القول بان برمجة الانسان في هذه المرحلة مصدرها الدولة. هناك مصادر عدة اخرى تحاول برمجة الانسان خلال تلك المراحل وبعدها، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو ما علاقة الطب النفسي بهذا النموذج؟

التداخل الطبي في شتى المجالات ينقل الانسان من مرحلة مرضية الى مرحلة صحية، ولكن الطب النفسي يختلف عن بقية الاختصاصات الطبية في سعيه الدائم الى برمجة الانسان لتغيير سلوكه وتفكيره. عملية البرمجة في الطب النفسي لا تقتصر على الكلام فقط وانا تتجاوزها الى التدخل في الناقلات الكيمائية الكهربائية في دماع الانسان حيث يتواجد معالج المعلومات.

 هذا المقال يتطرق الى معالج المعلومات والقاء الضوء على بعض الآراء الحديثة في هذا المجال. من خلال الالمام بمعالج المعلومات يمكن بعد ذلك إدراك محاولات البرمجة وتأثيرها على الانسان او بعبارة اخرى نجاحها او فشلها.

الطبيعة NATURE

لا يزال رجال العلم والسياسة في شتى بقاع العالم في جدال حول دور الوراثة ورعاية بيئة الفرد في تطور الأنسان. المصطلح الشائع استعماله في الوسط العلمي هو الطبيعة مقابل الرعاية Nature vs. Nurture لوصف هذا الجدال. المقصود عند الحديث عن الطبيعة هو ما يحمله الفرد من جينات ورثها 3 من الوالدين التي تحدد درجة او حاصل ذكائه اما الرعاية فالمقصود بها غالباً رعاية الطفل في البيت ثم في المؤسسات التعليمية والاجتماعية والتي بدورها تلعب دورها، ضمن عوامل اخرى، في تحديد اداء الفرد تعليمياً واجتماعياً ومهنياً طول العمر.

الجميع على المام بما يسمى حاصل الذكاء Intelligence Quotient (IQ) الى درجة ان البشر في جميع انحاء العالم يستعملون مصطلح IQ 4 في الإشارة الى ذكاء الفرد وخاصة إذا كان هذا الحديث يتعلق يأبناهم واحفادهم. هناك بعض المنتديات التي تعني بالأفراد ذوي الحاصل المرتفع، وترى البعض يحرص على حفظ أي شهادة تحتوي على اشارة الى حاصل الذكاء المرتفع. بعيداً عن الخوض في المعادلات الرياضية المستعملة للوصول الى الارقام ولكن التصنيف يقسم البشر الى رفيع الذكاء جداً (130 وأكثر) 5 وبعدها ينخفض الرقم حتى يصل الى الرقم السحري (70) الذي يعني به علم النفس والطب النفسي لتصنيف المستضعفين من البشر ذوي العاهات التعليمية. حاصل الذكاء بحد ذاته يعتمد على عمل فحص يتطلب تدريباً ودراية بعلم النفس ويتطلب استعماله الكثير من العناية والدقة، والرقم الناتج يمثل اداء الفرد في الفحص خلال تلك الفترة الزمنية التي تم فيها اجرائه والتي لا تتجاوز الساعتين. بعبارة اخرى الرقم الذي يسحر الناس والطب النفسي لا يعطي اشارة ذو معنى لأداء الفرد في الماضي والمستقبل ولا حتى قبل او بعد يوم من اجرائه 4.

تطور علم النفس في العقود الثلاث الماضية وأصبح يعني ببحوث علمية تتداخل مع علوم الوراثة والجينات بدلاً من الاعتماد على فرضيات واراء شخصية ناتجة من ممارسة مهنية. لا شك بان حقل الجينات السلوكية Behavioural Genetics هو من أكثر حقول علم النفس جذباً للأنظار ويميل الى استعمال مصطلحات علمية ومبسطة وواضحة للأخرين بدلاً من استعمال لغة غامضة لا يفهمها الا بعض علماء النفس ولا تفيد الانسان والمجتمع على حد سواء. هذه اللغة ادت الى انقراض المدرسة التحليلية في علم النفس واصبحت في عداد الأصناف الي لا يبذل أحد الجهد لحمايتها. رغم تكامل عملية الانقراض هذه ترى الكثير من المقالات الصادرة من بعض كتاب علوم النفس العرب تكثر من استعمال وتطبيق مصطلحات المدرسة التحليلية لا لتفسير حالات مرضية وانما لتفسير سلوك الشعوب العربي وفي الأعوام العشرة الأخيرة.

يعلمنا حقل الجينات السلوكية بان بيئة الانسان البيولوجية تتكون اصلاً من حوامض مرتبطة بعضها ببعض ونطلق عليها مصطلح DNA. يفضل استعمال هذا المصطلح المختصر لشيوعه عالمياً بدلاً من ترجمته حرفياً. ان اختلاف محيط DNA بين الأفراد هو الذي يفسر اختلاف قدرة اداء الانسان في شتى مجالات الحياة. هذه المحيط الكيمائي المتواجد في كل خلية من خلايا الانسان ينتقل عبر الوراثة وعلى ضوء ذلك يمكن القول بان علم النفس الحديث يعني بما يمكن تسميته حاصل الوراثة Genetic Quotient والذي يمكن الاشارة اليه GQ. يمكن ان نستنج اذاً ما يلي:

علم النفس الحديث يعني ب GQ.

عامة الناس والاعلام تعني ب IQ.

العوامل الوراثية على التعليم 1 كبيرة عكس ما يتصور البعض ويمكن حسابها كالاتي:

80% على تعلم القراءة والكتابة.

70% على تعلم الرياضيات.

60 % على تعلم العلوم.

اما الذي لا يحب الكثير ان يسمعه فهو ان منزلة او المرتبة الاجتماعية الاقتصادية تتأثر بالجينات التي يرثها الانسان بما يقارب 40% 1.


لا تلعب الوراثة دورها فحسب في الاداء التعليمي والمهني ولكنها ايضاً في غاية الاهمية في ثقة الانسان بنفسه والحاصل النهائي للثقة بالنفس Self – Confidence يتم توارث نصفه على الاقل.


رغم ان DNA هو ما نركز عليه الدراسات العلمية 2 في الوراثة ولكن هناك اختلاف في الاداء بين انسان واخر يتحدد بوراثة حامض اخر من خلال الجينات الضابطة او المنظمة Regulator Genes والتي تسمى بال RNA الغير ترميزي او شفيري Non – Coding RNA والتي يقدر عددها بما يقارب 100000. تفسر هذه الجينات الاخيرة هذا الاختلاف الهائل بين البشر في قابليتهم في عسر القراءة Dyslexia ومواهبهم الفنية. بعبارة اخرة لكل انسان قابلية على الاداء الموسيقي والقراءة وليس هناك ما هو غير طبيعي او مرضي ولكن صقل هذه الموهبة يعتمد على الجينات الاخيرة وتجاوبها مع تدريب الانسان. ليس كل من يجيد الاداء الموسيقي او العزف ينجح في التلحين الموسيقي وهذا واضح للعيان.

المصادر