امريكا و العرب



الزواج الامريكي العربي



مقالة نشرت عام ٢٠١٢

د. سداد جواد التميمي


لمحة تاريخية


لا تزال الولايات المتحدة الامريكية تلعب دورها السياسي و العسكري في جميع انحاء العالم على الرغم من أزماتها الاقتصادية في الاعوام الاخيرة، و يبقى اقتصادها هو الاقوى عالمياً و لم يفلح القطب الشرقي المتمثل في الصين و اليابان بالتفوق عليه حتي يومنا هذا. بعبارة أخرى لا يزال القطب الغربي المتمثل في الولايات المتحدة يقود العالم اليوم.


هناك العديد من الدراسات العلمية التي أثبتت بان القيادة الغربية للعالم لم تتغير منذ أكثر من خمسة الاف عام. بدأ  القطب الغربي يزحف تدريجياً من و ادي الرافدين و وادي النيل نحو آوربا و انتقل عبر المحيط الاطلسي في القرن الماضي حتى استقر في الولايات المتحدة، و احتضنت نيويورك الامم المتحدة.


كان قيام الاتحاد الاوربي بداية لحلم استعادة الزعامة الغربية و وولادة الولايات المتحدة الاوربية، و لكن هذا الحلم انتهي بصحوة من كابوس أزمة اليورو. رغم القوة الاقتصادية للصين الشعبية، فهي بدورها لا تقوى على رؤية اقتصاد أمريكي ضعيف لان السوق الامريكية لا تزال أكبر مستورد لها.


لكن  عهد الوفاء الامريكي لبلاد عدة  اليوم امره مريب،  و ان كان لا يختلف عن عهود الوفاء  لمن تصدر القطب الغربي عبر العصور. في هذه الايام يشهد العالم العربي انتفاضات و ازمات متعددة لا دخل لإسرائيل فيها الى اليوم، و هي تنتظر نتائج الاحداث. و تحولت الزعامة الشرق اوسطية الى الخليج العربي و بالذات قطر و السعودية، و نرى اليوم علاقة حب بين العرب و أمريكا هذه الايام، و على ضوء ذلك لا بأس من مراجعة تاريخ الحبيب الامريكي.


العراق و أفغانستان

في الاسابيع الماضية بدأت الولايات المتحدة تتحدث علنياً عن قرب انسحابها من أفغانستان بعد عقد من الزمن انشغلت به في حربها ضد الارهاب و حركة طالبان. تحول الارهاب الاسلامي الى فعالية ذهانيه جنونية مصوباً الدمار نحو سكان البلاد، و يحدث في أفغانستان ما يحدث في العراق من قتل عشوائي تتعرض له وكالات الأنباء بين الحين و الاخر لكثرة تكراره و خوفها من ضجر المستمعين في بلاد  العرب و العالم. كان الخروج الامريكي من العراق تحت شعار القوات الامنية العراقية قادرة على حفظ النظام و الادارة ستقوم بدورها  في أعمار البلاد.  هذا الحديث لم يتغير هذه الايام عن الانسحاب الامريكي المرتقب من أفغانستان و يعيد الى الاذهان تاريخ ظاهرة فتنمة الحرب في بداية السبعينيات من القرن حين ادركت امريكا ان حربها ضد الفيت كونغ لا نهاية لها، و سلمت سايغون للقوات الشمالية بعد سنوات من الدمار الذي  لا تزال فيتنام تعاني منه حتى يومنا هذا. ما حدث في فيتنام تكرر في العراق و سيتكرر في أفغانستان.


تركت الولايات المتحدة خلفها سفارة عملاقة بعدد العاملين فيها و  في ميزانيتها و صلاحيتها في الحسم  في الامور الداخلية و الخارجية العراقية. قررت الإدارة ألأمريكية الآن بان الإجراءات التقشفية قد آن أوانها، و أصدرت آمرها بخفض الميزانية و عدد العاملين بنسبة ٥٠٪ و في ذلك أشاره بان الولايات المتحدة ربما بدأت تفقد حماسها  في العراق و أن وعودها بالحفاظ على وحدة البلد جغرافياً و السعي بمد العون له من اجل  نهضة حضارية و اقتصادية قد تم حفظه في ملفات ستلقى يوماً في سلة المهملات. عدد ضحايا الإرهاب في العراق لم يتغير جذرياً  في الثلاث سنوات الأخيرة و يفوق عدد ضحايا الإرهاب في أفغانستان حسب الإحصائيات الرسمية العراقية و الغربية. أما عدد المرحلين من اهل العراق في الداخل و الخارج فهو الاخر  لم يتغير بصورة جذرية رغم رجوع الكثير من سوريا في الاسابيع الأخيرة.


كان زواج امريكا من العراق و أفغانستان اقرب بزواج متعة او زواج عرفي تم حفظ مستنده في حقيبة الزوج الامريكي فقط.


العالم العربي


قامت ثورات الربيع العربي ضد طغاة طال جلوسهم على عروش وراثية و تضاعفت معاناة شعوبهم اقتصادياً و اجتماعيا. نجحت هذه الثورات عندما تدخل الجيش كما هو الحال في تونس و مصر و تم تنحية الطغاة. نجحت الثورة الليبية بفضل تدخل أجنبي و تم تنحية النظام الدكتاتوري في العراق بعد غزو أمريكي. اما اليمن، فهي بلاد مزقها الفقر و لم يساند الجيش الثورة و لم يتدخل الغرب، و انتهت تخوض حرب أهلية قلما تتطرق اليها الانباء. لا يزال النظام السوري الدكتاتوري على قيد الحياة بعد مرور 11 شهراً على الانتفاضة السورية، و نجاح الثورة يتطلب تدخلاً خارجياً او تغييراً جذرياً لموقف الجيش السوري. بعبارة أخرى نجاح ثورة عربية يرتبط بتدخل الجيش او التدخل الخارجي.

كان موقف الادارة الامريكية للربيع العربي واضحاً و ساهمت في تصفية القذافي، و  التزمت الصمت على قمع الانتفاضة البحرينية، و تقود المقاطعة العالمية ضد النظام السوري. كان موقفها من الادارة الفلسطينية في الخريف الماضي في أروقة الامم المتحدة واضحاً و صريحاً و لم يستنكره العرب من بعيد او قريب.


تتأثر السياسة الامريكية بتعرضها لضغوط انتخابية كل سنتين  في وقت الانتخابات الرئاسية و  انتخابات مجلس الشيوخ لذلك ترى الكثير من الزعماء  و النقاد العرب ينظرون بعين العطف على العقدة الديمقراطية الامريكية و ابتلاء الادارة الامريكية بالضغط الاسرائيلي. غير ان الحقيقة غير ذلك فالتحالف الامريكي الاسرائيلي اشبه بالزواج الكاثوليكي و لا احد يمكنه التفكير بان الطلاق سيحدث في المستقبل القريب أو البعيد.


كان القضاء على الطغاة في العالم العربي خطوة في الاتجاه الصحيح رغم النتائج السلبية التي نشاهدها اليوم. تدهور الاقتصاد التونسي و تسلم الاسلاميون الحكم. الأمر كذلك في مصر التي تستقبل عصياناً مدنياً و شهدت كارثة مذبحة بور سعيد. أما ليبيا الغنية بمواردها فلا تزال تتأرجح بين الاستقرار و الفوضى الاقتصادية و المدنية.  أما اليمن فتمزقها حرب أهلية و جفاف مناخي و كذلك الامر في سوريا. أما السودان ففقد نصفه الغني  ألجنوبي الذي وعد بقيام سفارة له في القدس رداً للجميل و الوفاء الاسرائيلي.


أما بقية الدول العربية من المغرب و الاردن و الخليج العربي، فهناك  استقرار واضح للعيان في بلاد يصفها الغرب بأنظمة من القرون الوسطى. لم يترد عميد الجمعية الادبية الفرنسية بأطلاق هذا التعبير علنياً الاسبوع الماضي حين اشترى الامير القطري لوحة فنية بأكثر من 300 مليون دولار لا أظنه عرف قيمتها أو يملك الثقافة الفنية لإدراك محتواها. لا يزال الربيع العربي ينتظر استثمارات اقتصادية و قروض بدون مقابل من الخليج العربي، و لكن لا أحد يعرف متى سيحدث ذلك. ان الاستثمارات المالية الخليجية في أوربا و امريكا لا حدود لها و واضحة للعيان  ناهيك عن شرائها لمعدات عسكرية  مما يساعد في الحد من الركود الاقتصادي الغربي. ان قيام كيان عربي متطور يتطلب جهوداً استثمارية من الخليج لان الخير لا يملك الزخم البشري او الحضاري يساعد في تطور هذه البقعة من العالم.


بدأ الاعلام العربي و العالمي يتهيأ للاحتفال بالقضاء على معقل محور ما يسمى بالمقاومة و انتظار الهجوم الاسرائيلي الامريكي على طهران. غير ان مسرح هذه الحرب ان حصلت، قد يكون عربياً، و قد يكون الثمن الذي يدفعهُ العرب باهضاً للغاية و حتى ان تم ضم إسرائيل الى جامعة الدول العربية في المستقبل القريب. 


 قد يتزوج الغرب من العرب قريباً، و لكن هذا الزواج سيكون عرفياً بلا شك.


سداد جواد التميمي.