العنصرية و العدالة


العنصرية والطائفية

والطريق الشائك صوب العدالة



يقول اهل الاغريق القدامى بان اهل سبارتا أحرار ولكن ليس بأحرار تماماً لان هناك القانون والعدالة التي تقيد حريتهم. يتم رفع هذه القيود في جميع العصور والحضارات بسبب العنصرية والطائفية٬ وهناك امثلة عدة.


هناك ايضاً الطريق الذي يجب ان يسلكه الانسان للحصول على حقه ونيل العدالة. هناك من يسلك طريق الفوضى والإرهاب والنهب وهناك من لا يتوجه الا صوب طريق واحد وهو طريق العدالة والقانون. تأثير العنصرية والطائفية على العدالة لا يقتصر فقط على عرق او طائفة دون أخرى٬ بل يشمل جميع الملل والطوائف. في هذا المقال سيتم التطرق اولاً الى قضيتين أحدهما في الولايات المتحدة الأمريكية والثانية لأخرى في بريطانيا وقبل ربع قرن من الزمان٬ وملاحظة تأثير العنصرية على مسيرة العدالة.

المثال الأول الذي لا يغيب عن ذاكرة أي انسان هو قضية لاعب كرة القدم الامريكية. في يوم السابع عشر من حزيران عام ١٩٩٤ اعتقلت الشرطة الامريكية سمبسونOJ Simpson والذي كان يعتبر اسطورة رياضية وتم توجيه تهمة قتله لزوجته السابقة نيكول سمبسون وصديقها رونالد كولدمان. كان هناك الدافع للجريمة والدليل عليها٬ ولكن العنصرية تدخلت فيها. سرعان ما بدأ الحديث بان الشرطة الامريكية العنصرية اتهمت سمبسون بسبب بشرته السوداء٬ وحرصت العدالة الامريكية على ان يشكل السود ما لا يقل عن نصف مجموعة المحلفين. تعود شهرة المحاكمة بانها اول محاكمة تم عرضها على شاشات التلفزيون العالمية٬ وسماع الناس عن دليل DNA في العثور على الجاني. تم غرس الشك في قوة الدليل بفضل براعة أحد المحامين البيض وحرج القاضي الذي سمح لهم باستجواب الشهود بحرية وبدون تدخل منه. لم تكن مفاجأة ان يصل المحلفون الى قرارهم بالبراءة خلال ٤ ساعات فقط يوم ٣ تشرين الأول ١٩٩٥ رغم وجود الأدلة٬ وبعد ذلك كان هناك احتفالات جماهيرية ببراءة سمبسون. استطلاعات الرأي بعد ذلك اشارت الى ان سمبسون هو المجرم في نظر غالبية البيض وبريء في نظر غالبية السود.

تم استدراج سمبسون الى محكمة مدنية في عام ١٩٩٦و تم محاكمته وادانته بان وراء مقتل زوجته السابقة وتغريمه مبلغ ٣٣ مليون دولار تعويضاً لاهل نيكول. بالطبع سمبسون مجرم محترف وتم ادانته بعد ذلك يجريمة سطو مسلح.


مسيرة ام نحو العدالة

في اليوم الثالث من عام ٢٠١٢ وقفت السيدة لورنس التي فقدت ابنها البكر قبل ١٨ عاماً٬ امام محاكم العدالة البريطانية العليا في لندن تخاطب الجماهير المحتشدة لتقول لهم بان اليوم ليس يوم احتفال ولكن بداية المضي قدماً فيما تبقى من عمرها وهي تشعر بالارتياح بان قرة عينها يرقد الان بسلام تحت الأرض. كان هذا كلام المرأة السوداء الذي ذهب ابنها ضحية جريمة عنصرية في جنوب شرق لندن عام ١٩٩٣ حين طعنه خمسة صبيان بيض لا يحملون سوى مشاعر البغضاء والكراهية لأنسان بشرته سوداء لا غير.

تم القبض عليهم خلال أشهر ولكن الدليل على الجريمة لم يكن كافياً ولا يوجد شهود او قل لم يتجرأ أحد على مساعدة الشرطة في ادانةالمشتبه بهم. تم اخلاء سبيلهم لعدم كفاية الأدلة ولكن مسيرة الام لم تتوقف واستأجرت مدعي قانون خاص ولكن قضيتها انهارت مرة أخرى في عام ١٩٩٦. 


في عام ١٩٩٧ نشرت صحيفة يمينية بريطانية صور المتهمين على صفحتها الأولى متحدية إياهم مقاضاة الصحيفة في المحاكم. استمرت الأم في مسيرتها ونجحت في اقناع مجلس اللوردات البريطاني عام ٢٠٠٣ بتغيير قانون ازلي مفاده عدم جواز محاكمة انسان بنفس الجريمة أكثر من مرة٫ ولم يبقى عذر للشرطة البريطانية بعدم فتح التحقيق مرة أخرى. في عام ٢٠٠٧ تم مراجعة الأدلة الجنائية٬ ووصل اثنان من الجناة الى المحكمة مرة أخرى عام ٢٠١١ وتمت ادانتهم.


رغم ان والدة ستيفين لورنس اسدلت الستار على القضية ولكن الحكومة البريطانية لم تتوقف عن التحقيق في جهود الشرطة وتقاعسها في التحقيق في القضية لعدة أعوام أخرى.


العدالة والحياة

رقي الشعوب يتم تقييمه بالمؤسسات القانونية والقضائية وضمان عدم تحيزها وانصافها للجميع. القاعدة الازلية هي ان الجميع سواسية امام القانون. العنصرية والطائفية سلاح ذو حدين في تحريف العدالة حيث نرى في قضية سمبسون تحريف العدالة بسبب اتهام القضاء بالتحيز ضد اقلية معينة وبالتالي تم إطلاق سراح مجرم ليس بسبب غياب الدليل ولكن خوفاً من اللوم والاتهام بالعنصرية.

ولكن من جانب أخرى نرى مسيرة السيدة الفاضلة في البحث عن العدالة لابنها ولكن عبر طريق واحد وهو القانون وبأسلوب حضاري. كان مسيرة استغرقت ٢٠ عاماً بدون الدعوة الى الغوغاء والتظاهرات واعمال الشغب.

عدالة ومحاكم اليوم أصبحت مسخرة بكل معنى الكلمة وأكثر ما يثير السخرية هو ولادة مصطلح محكمة الرأي العام Public Opinion Court. يتم توجيه الاتهام بصورة مباشرة او غير مباشرة عن طريق الصفحات الاجتماعية مثل فيس بوك وتوتير وسرعان ما يجتمع تأييد الجماهير المتحيزة لاسباب عاطفية فقط بدون استعمال العقل. لا يقتصر ذلك على المواقع الاجتماعية فقط ولكن يشارك به الاعلام بكل زخمه. أصبحت الغوغاء أحد مظاهر المطالبة بالعدالة ويتم استغلالها من الغلاة٬ والغوغاء هي الدباٌ او صغار الجراد ويتم تشبيه سواد الناس بها. يقول عبد الله بن عباس في الغوغاء: ما اجتمعوا قط الا ضرٌّوا٬ ولا افترقوا الا نفعوا. سأله الناس ما نفع افتراقهم فأجاب: يذهب الحجام الى دكانه٬ والحداد الى اكياره٬ وكل صانع الى صناعته.


هناك امثلة عدة على مسيرة العدالة المنحرفة كذلك في العالم العربي وفي العراق حيث لا تعرف احياناً صحة الخبر الذي يتم نشره مدعوما بصورة قد تكون مزيفة موجهاً الاتهام لانسان ما. بالطبع هناك الحذر هذه الأيام من توجيه أي اتهام لانسان ما على موقع اجتماعي حتى وان تم حذفه بعد ساعات لصدور قانون يدين هذا الفعل في بريطانيا وربما حان الوقت لتعزيز استعمال مثل هذه القوانين في جميع انحاء العالم.


هناك اسطورة حول عدالة كونفوشيوس . كانت هناك امرأة عجوز تعيش لوحدها في قرية صغيرة محاطة بالذئاب فطلب منها الناس ان تفكر بالعيش في قرية أخرى لا تتواجد فيها الذئاب فرفضت وقالت الأمان هنا في قريتي لان حاكمها عادل.