العلاقات البشرية الوثيقة


العلاقات الوثيقة و سعادة البشر

و الثقافة العالمية المعاصرة


البحث عن العوامل الاجتماعية و الشخصية و المهنية في عدم سعادة الانسان و إصابته بالاكتئاب عملية لم تتوقف. هناك بحرٌ من البحوث الميدانية التي درست هذه العوامل من الدخل المادي الى التحصيل العلمي و غير ذلك. و لكن هناك عامل واحد تتفق على وجوده و أهميته جميع الدراسات في تحصين الانسان ضد القلق و الاكتئاب و هو العلاقة الوثيقة. العلاقة الوثيقة هو ان حياة الانسان مرتبطة بانسانٍ اخر يثق فيه و يستودعه سره و متعلق به في إطار علاقة عاطفية نسميها الحب و التي تصيغها و تثبتها المجتمعات البشرية في مفهوم الزواج.

رغم ان البعض قد يقول بان هذه ملاحظة بديهية و لكن كل ما هو بديهي يستحق التدقيق و الدراسة و الزواج قد يكون علاقة وثيقة او غير وثيقة و مصدر للمشاكل. الزواج هو احد الحوادث الحياتية المجهدة Stressful Life Events المعروفة بتعجيلها للاكتئاب خلال ستة أشهر من حدوثها و قوته تقارب ٥٠٪ من أقوى حدث حياتي مجهد و هو الحداد على الزوج. رغم ذلك فان الدراسات الميدانية العلميةالمتكررة اثبتت بان العامل الوحيد الذي يحصن الانسان من الضغوط و عدم السعادة و الاكتئاب هو وجود علاقة عاطفية / زوجية وثيقة.

هاجس عدم الإخلاص في العلاقات الزوجية

لا يتوقف الرجال و الباحثون في علم النفس عن محاولة وضع الخيانة الزوجية و سعي الرجال الى تعدد الزوجات في اطار بيولوجي بحث يتعلق بشبكة الاتصالات العصبية في الدماغ. تتميز هذه البحوث بركاكتها و صدورها من معاهد علمية متواضعة٫ و لكن الموضوع لا يخلوا من الاثارة و لذلك يتم نشرها و يتمسك بها الاعلام.

حين تقرأ النتائج تدرك بانها خالية من المعنى و حين تقرأ نقاش البحث ترى الناشر يفسر ضعف فرضيتها. لكن الاعلام لا يبحث الا عن الاثارة.

يمكن ايجاز هذه البحوث التي اثارت اهتما الاعلام كما يلي:
البحث الأول كان عام ٢٠٠٣ و استنتج بان هناك اقلية من البشر تميل الى التعددية و الخيانة الزوجية. ما يهم الرجال هو عدد الشريكات و ما يهم النساء جودة العلاقة. يومها قال الاعلام بان دماغ الرجال تم تصميمه للخيانة الزوجية والتعددية.

البحث الثاني: في عام ٢٠١٨ و من معهد متواضع. سأل الباحث الزوج بعد عام من الزواج تقييم العلاقة الحميمية. كان الجواب بعد عام رائع للغاية و بعد عامين رائعة جداً و بعد مدة رائعة. أستنتج عالم النفس العبقري و اصدر فتواه من نيويورك: ادمغة الرجال تم تصميمه للخيانة الزوجية و التعددية. ابتهج الاعلام بذلك و تم انتشار الخبر فيروسيا.

ماهي الحقيقة

١ الخيانة الزوجية تحدث في ٣٥٪ من الزيجات.
٢ على عكس ما يقول الباحث الأمريكي الأخير تشير الاحصائيات المختلفة ان احتمال الخيانة هو الأعلى في العامين الاولى من الزواج.
٤ كان الرقم السابق للرجال ٢٢٪ و النساء ١٤٪ . اصبح الرقم متساويا منذ عامين و اكثر من الثلث. ربما الناس تصرح بخيانتها اكثر من السابق.

لا احد يعلم من يمول مثل هذه الدراسات الركيكة .
و الاغرب من ذلك كيف يصدقها الناس.

هذه المقالات تم نشرها في مجلة Evolutionary Behavioural Science و هي مجلة لا تنشر سوى فرضيات بدون دليل علمي. رغم ذلك لا يفقه من ينقل الخبر هذه الحقيقة.


ثقافة السيلفي Selfie Culture

ولكن الثقافة العالمية المعاصرة المنتشرة عبر الانترنت لها رأي أخر هذه الأيام. ثقافة عصرنا هذا هي ثقافة السيلفي Selfie Culture. هذا المصطلح دخل معاجم اللغات المختلفة مشيراً الى تصوير الانسان لنفسه و تعميمها عبر الانترنت. لا بأس في ذلك و للإنسان الحق في التعبير عن مشاعره في أية لحظة ومشاركة الأصدقاء بها بدلاً من الحديث و الكتابة. هذه هي ظاهرة العصر الحديث من قلة الكلام و كثرة الصور. نرى أيضاً الدعاية الإعلامية الكبرى التي يصدقها البشر بان الصورة اكثر صدقاً من الخبر فما تراه العين يتم حفظه في دماغ الانسان و ذكرياته و لا يحتاج الى تدقيق و لكن صور الاعلام هذه الأيام لا يصعب تزويرها و أكاذيبها لا تقل عن اكاذيب الخبر الذي تسمعه. و لكن السيلفي نادراً ما يعبر لنا عن أفكار الانسان ومشاعره و تحولت الصورة الى مجرد استعراض الانسان لغيره بدون محتوى و تدريجيا و بصراحة تحول السيلفي الى استعراض الانسان نفسه لنفسه.


زواج الانسان لنفسه Self Wedding

يبدوا ان ثقافة السيلفي بدأت تتطور تدريجياً الان و نسمع هذه الأيام عن ظاهرة زواج الانسان لنفسه. بدأت هذه الظاهرة بالانتشار في بعض المدن الغربية مثل برايتن Brighton في جنوب إنكلترا وسان فرانسيسكو في غرب الولايات المتحدة. تعمل المرأة حفلة زفاف نفسها لنفسها و يتم تقديم الهدايا لها بل و تقسم اليمين على رعاية نفسها لنفسها.

الظاهرة اكثر انتشاراً بين الإناث مقارنة بالرجال و لا تزال نادرة الى حد ما و لكن لا ذلك لا يعني بأنها هذه الظاهرة لن تضيفها الليبرالية العالمية الى قائمة حريات الانسان الشخصية.


ملاحظات عامة

الثقافة العالمية الحاضرة ليست ثقافة نرجسية بحتة كما يتصور البعض و ظاهرة تصوير الانسان لنفسه(السيلفي) سلوك حميد و عفوي في غالبية الحالات. إنسان هذا الْيَوْمَ يواجه تحديات اكثر صعوبة من الأجيال الماضية و ربما مؤشر السعادة بدأ ينخفض تدريجياً.

لكن البحث عن حلول لمشاكل الجيل الجديد لا يتم عن طريق استحداث سلوكيات جديدة و غريبة لا تزيد الا من عزلته و تهميشه. كذلك الامر مع تهميش مؤسسة الزواج سواء كان مدنياً او دينياً فبالرغم ان ألزواج قد يكون مصدر تعاسة الانسان احياناً و لكنه بدون شك لقاح له ضد الضغوط النفسية و الاكتئاب. هذا الرآي ليس رأي الموقع فحسب و إنما استنتاج جميع الدراسات الاجتماعية و النفسية.