الدخول الى العزلة


 الدخول الى العزلة


يدخل الأنسان زنزانة العزلة لسبب واحد او اكثر. و لكن في زنزانة الاسر هناك من يطرق باب زنزانتك يومياً٫ و يعطيك الطعام و يرسلك نحو الطبيب ان اعتلت صحتك٫ و لكن في زنزانة الحياة يتوقف هذا الطرق بعد مدة زمنية قصيرة٫ و عليك ان تبحث عن احتياجاتك و ان تدهورت صحتك فقد لا تجد من يرسلك نحو الشفاء.

هناك رواية الحوت الوحيد و التي ليست بأسطورة وإنما حقيقة أثارت حيرة الخبراء منذ عام 1989. تتواصل الحيتان عن طريق موجات صوتية بحدود 30 هيرتز إلا هذا الحوت فإن موجة صوته 52 هيرتز ومن هنا تم تسميته الحوت رقم 52. كان اخر تسجيل لصوته في عام 2004. لا أحد يعرف إن كان حوتاً ذو زعانف أو حوتاً أزرق. كل ما نعلم عنه أنه يعيش وحيداً ولم يعثر عليه أحد ولا أحد يعلم من سيتطوع من الحيتان ليضمه بالأحضان ويخرجه من وحدته. و مثل هذا الحوت الوحيد هناك العديد من البشر يتم ارسالهم قسراً نحو الوحدة.

دراسة سلوك الحيوان وتعامله مع البيئة والمجموعة التي ينتمي إليها تخضع لدراسات علمية وقيمتها أحياناً تتجاوز دراسة سلوك البشر الاجتماعي والفردي. الحيتان تهاجر وتتنقل من مكان إلى آخر وتتواصل بعضها مع البعض الآخر. الإنسان كذلك يتنقل من مكان إلى آخر وقد تجبره الظروف على الهجرة التطوعية أو القسرية بعيداً عن مسقط رأسه. ولكن هناك من يكون أمره أشد من غيره وهو الإنسان الذي يعيش وحيداً في داخل وطنه أو داخل بيته وهذه الهجرة أنت في مسقط رأسك عذاب لا نهاية له.هذه العوامل تتفاعل مع الوقت وقد تدفع الإنسان نحو العزلة وشعور مزمن بالوحدة.


الشعور بالسعادة:
هناك اتفاق لا جدال فيه بأن هناك 4 عوامل رئيسية تلعب دورها في شعور الإنسان بالسعادة وهي:
٠ علاقة دافئة حميمة
٠ الشخصية
٠ العوامل الخارجية
٠ العمر

النساء على العموم أكثر سعادة من الرجال وإن كان معدل إصابتهن باضطراب الاكتئاب يفوق معدل الاضطراب في الرجال. 20 - 25% من النساء يوصفن حالة إكتئاب ما مع مرور السنين مقارنة ب 10% من الرجال. يمكن تفسير هذا التناقض بأن النساء تميل إلى التطرف في النقيضين من العواطف من سعادة وحزن مقارنة بالرجال والقليل منهن ربما أكثر اكتئاباً من الرجال.

أما صفات الشخصية التي تدفع الإنسان نحو الشعور بالسعادة أو الشعور بالوحدة فهي:
٠ العصابية Neuroticism ونعني بها عتبة الإنسان للشعور بالذنب والغضب والقلق عند تفاعله مع الضغوط البيئية. كلما انخفضت عتبة الإنسان ازداد احتمال مسيرته نحو عدم الشعور بالسعادة والعزلة الاجتماعية. الإنسان العصابي لا يتميز فقط بسرعة شعوره بعواطف سلبية وإنما ذكائه العاطفي لا يساعده على الدخول والاستمرار في علاقة عاطفية ناجحة. ما هو مخيب للآمال بحق هو أن العصابية صفة شخصية لا تتغير كثيراً مع تقدم العمر.

٠ الانبساط Extroversion على عكس الصفة العصابية تماماً فمتى ما تواجدت هذه الصفة في شخصية الإنسان ازداد احتكاكه بالغير وشعوره بالسعادة والبهجة.

وبعد ذلك هناك ظروف بيئية تعصف بالإنسان بين الحين والآخر من علاقات حميمية وتعليم ودخل مادي وصحة جسدية. العلاقة الحميمية الزوجية تسعد الإنسان والبطالة ترسله نحو الحزن. وجود الأطفال في البيت الزوجي يزيد من سعادة الإنسان رغم الصعوبات الاقتصادية. كلما طور الإنسان نفسه بالتعليم والثقافة توجه نحو السعادة والعمل وتحسن دخله المادي ولذلك الغني أكثر سعادة من الفقير ولا فائدة من موعظته فقط بأن القناعة كنز لا يفنى.

بعد ذلك هناك العمر. كانت أسطورة القرون الماضية بأن هناك 7 أعمار للإنسان حيث يصل إلى قمة السعادة في العقد الخامس أو السادس حين يجلس على القمة في موقعه الاجتماعي. بعدها يبدأ العد التنازلي ويضعف البصر ويقل التركيز وتتكاثر زيارة الطبيب ووصفات العقاقير. تعقدت الحياة وظروف المجتمع الاقتصادية وتغير هذا المعتقد وأصبح الأنسان أقل سعادة في هذا العمر بل ويصل الحضيض في عمر 46 عاماً. بعدها يتزايد الشعور بالسعادة وتقل المسؤولية وتغمر الإنسان السعادة بما أنجزه وقدمه لمن حوله من مقربين والمجتمع بأسره.

هذه العوامل تتفاعل مع الوقت وقد تدفع الإنسان نحو العزلة وشعور مزمن بالوحدة.