التطرف و الطائفية


الجانب النفسي للعناد والتطرف والطائفية


تزدحم مجلدات العلوم النفسية بمصطلحات رنانة تتميز بجاذبيتها واغرائها لكي تضاف الى قائمة الكلمات التي يستعملها الانسان في تواصله مع الاخرين. هذه الظاهرة كثيرة الملاحظة عند الحديث عن عناد الانسان لغيره وتمسكه برأي يخالف الاخرين ولا يستند على دليل مقنع٫ بل وحتى يتناقض مع سلوك الانسان نفسه.

من المصطلحات الكثيرة الاستعمال لوصف ظاهرة العناد والتطرف هي:

المنطق المتحفز Motivated Reasoning

التحيز التأكيدي Confirmation Bias

التنافر المعرفي Cognitive Dissonance

المصطلح الأول يشير الى استحداث منطقاً ما لضمان مصالح الانسان٫ والثاني يشير الى تحيزه في الاستناد على دليل ما واهمال كافة الأدلة الأقوى٫ والأخير تمسكه ا برأي ما للتخلص من تنافر معرفي وشعوري يعصف به.

ظاهرة العناد والتطرف كثيرة الملاحظة في نقاشات المجموعات الفكرية والعقائدية المختلفة٫ ونتيجتها واحدة لا غير وهي عدم اتفاق الآراء بعد جدال يستمر لساعات وأيام بل وسنين. كذلك الامر بين في نقاشات الاصحاب في مجموعة صغيرة٫ و النقاشات العائلية التي تنتهي بوصف أحد أعضائها بالمتمرد وفي البلاد الأوربية بالخروف الاسود Black Sheep. يتعمم الامر احيانا ويصل الى عناد الزوج مع زوجه رغم المصالح المشتركة والعيش تحت سقفٍ واحد. يتمسك الانسان برأيه وكأنه يواجه خطراً على حياته سيقضي عليه بسرعة.

الوصول الى رأي وتغييره

عند الحديث عن الوصول الى رأي او قرار ما يفضل الكثير استعمال مصطلح العقل Mind وهو وعي الانسان بنفسه وبمحيطه وقابليته على استعمال المنطق. هذه الميزة هي من وظائف عضو الدماغ في الجهاز العصبي المركزي. مصطلح العقل يعني دراسة الانسان للأدلة المتوفرة لديه واستعماله المنطق وبالتالي الوصول الى الرأي.

يمكن تشبيه استعمال العقل بالكمبيوتر. حين يعمل الانسان دراسة ما يحصل على معلومات معينة. يتم تغذية هذه المعلومات الى جهاز الكمبيوتر لتقييم فرضية او مقارنة مجموعة مقابل أخرى. تغذية المعلومات لدراسة عامل ما ب هو ان تضع رقم 1 لوجوده او رقم صفر لعدم وجوده. بعد ان يتم تغذية المعلومات يتم استعمال برنامج احصائي معين. هذا البرنامج الاحصائي بدوره يحتوي على عدة طرق إحصائية عليك ان تختار ما هو مناسب للمعلومات التي تم جمعها وتغذيتها. في النهاية تحصل على نتيجة تقول لك ان كانت فرضية دراستك و النتائج استنتاجات ذات مغزى او لا قيمة لها.

دماغ الانسان او عقله في هذا الحديث لا يختلف عن برمجيات الكمبيوتر. الخطوات التي يستعملها الانسان للوصول الى رأي معين لا تختلف عن الخطوات المستعملة في عمل بحث علمي. يتم جمع المعلومات الموافقة والمناقضة لفرضية ما٫ ويتم تحليلها عبر برنامج ما ومن ثم الوصول الى نتيجة. لكن الانسان يمتلك برنامجاً معينا لا يمتلكه الكمبيوتر وهو البرنامج الاحصائي العاطفي. هذا البرنامج لا يتقبل جميع المعلومات ولا يصل الا الى نتيجة واحدة وهي التي تتوازى مع عاطفة الانسان. هذه العاطفة ايضاً هي التي تدفع الانسان لجمع معلومات معينة والتركيز عليها واهمال ما لا تتقبلها عاطفته. هذا الباب هو الذي يدفع الانسان للدخول في مكان العناد والتعصب والتطرف.


الاستدلال الوجداني

برمجيات الكمبيوتر يتم تصنيفها الى مجموعتين و هي:

برمجيات النظام .

برمجيات التطبيق.

يتم تغذية الانسان بمعلومات معينة منذ الطفولة و هناك ايضاً تجاربه الخاصة في مرحلة البلوغ و البيئة التي يعيش فيها. هذه العوامل الثلاثة اشبه ببرمجيات نظام الكمبيوتر أحيانا و التي لا تسمح للإنسان باستعمال برمجيات تطبيق معينة و استخدام ما هو مسموح به فقط و هي برمجيات عاطفية. لكن عقل الانسان افضل من ذلك و يمتلك ما لا يمتلكه الكمبيوتر و هو الإرادة التي مركزها ثلث حجم الدماغ باسره و استعمال المنطق. الكمبيوتر لا يغير نظامه و لا تطبيقاته بنفسه و لكن الانسان يملك القدرة الكاملة على تغيير ذلك.

التربية و التعليم و البيئة تؤدي الى توطيد عمليات غير واعية لجمع المعلومات و معالجتها من خلال البرنامج العاطفي و التجريبي الذي تم استحداثه٫ و هذا هو المقصود بالاستدلال الوجداني. هذا الجهاز العاطفي ايضاً يدفع الانسان لجمع معلومات لا قيمة لها و تقييمها من خلال احكام و اراء تم اصدراها مسبقاً. هذه العملية تؤدي الى تأكيد الذات Self Affirmation التي تم تشييدها سابقاً و تجنب كل ما يعارض او يهدد كيانها. لذلك ترى اراء الانسان أحيانا كجدران من خرسانة مسلحة غير قابلة للتغيير.

ملاحظة ظاهرة توكيد الذات لا يعني بان هذا الانسان أكثر سعادة وهناء من غيره بل على العكس من ذلك فهو لا يشعر بالأمان ويطارده هاجس التهديد اليوم بعد الاخر


باب التطرف و الطائفية

الخطوة التالية لتوكيد الذات و الموازية لها ايضاً هي استعمال الانسان لعملية الادراك الثقافي Cultural Cognitions للمحيط الذي يعيش فيه. هذه العملية تدفع الانسان الى القبول بأفكار وفلسفة وأهداف مجموعة تشبه طاقم محتوى أفكاره وهيكله العاطفي. عملية الادراك الثقافي تؤدي الى ولادة التضامن بين افراد المجموعة وبالتالي تشجيع الانتماء اليها واستهداف تسلطها يوما ما في المستقبل وبالتالي الحصول على منافع شخصية.

هذه العملية تصبح اكثر نشاطاً في مراحل التهديد الاجتماعي و الشلل الاقتصادي الذي تمر به المجموعات البشرية بين الحين و الاخر. تفسر هذه الظاهرة ولادة اليمين المتطرف في الغرب و المجموعات المتطرفة المختلفة في الشرق الأوسط و مختلف بقاع العالم.


نقاش عام

الغاية من هذا المقال هو توضيح العمليات النفسية التي تصاحب تزمت الانسان برأيه و عناده. يحدث ذلك احياناً في تعامل الانسان مع اقرب الناس اليه مثل زوجه و في محيط عمله و الوسط العائلي. مثل هذا العناد و التمسك به يعكس دوماً شعور الانسان بالتهديد من جراء عملية بناء طاقمه الفكري و العاطفي منذ الطفولة٫ و تعثر مسيرته التطورية الفكرية و العاطفية على حد سواء. العقبات التي تمنع تطور الانسان الفكري و العاطفي متعددة و رغم ان الكثير منها بيئية و لكن لا يمكن اهمال دور العوامل البيولوجية العصبية التطورية التي يرثها الانسان.

الانسان الذي لا يمتلك الليونة الفكرية و العاطفية هو اكثر استعداداً من غيره للبحث عن انتماء جمعي٫ و ما يحفز هذه العملية أحيانا ظروف بيئية اقتصادية و اجتماعية تشجع الانسان المتأزم دون غيره لفتح باب التطرف و الطائفية.

الانسان العنيد و المتطرف انسان غير سعيد و متأزم و غير متوازن وجدانياً. التعامل مع هذا الانسان يبدأ أحيانا بالتصريح له بانه متأزم و غير سعيد٫ و تجنب الخطر الذي يشكله على الاخرين. الكارثة احياناً وصول مثل هذا الانسان الى موقع قيادي حين يكون الدافع الأول و الاخير لسلوكه هو طاقة الازمات النفسية التي يحملها في عقله الواعي و غير الواعي.

اما الوقاية فهو التعليم و فسح المجال للإنسان استعمال برمجيات عقله بصورة صحية و سليمة منذ الطفولة.