التحميل الزائد


التحميل الزائد و الصحة العقلية


المقدمة

تحميل المعلومات الزائد Information overload مصطلحٌ ظهر في الستينيات من قبل استاذ في العلوم الاجتماعية في الولايات المتحدة برترام كروسBertram Gross . في عام ١٩٧٠ نشر الكاتب آلفن توفرAlvin Toffer (١٩٢٨-٢٠١٦) فكرة تحميل المعلومات الزائد في حديثه عن احتمال اعتماد الانسان كلياً على التكنولوجيا يوماً ما. في عام ١٩٧٧ انتشرت فرضية تقارن دماغ الانسان بالماكنة٬ و كما ان الماكنة تفقد قدرتها على التعامل السليم حين ما يدخل فيها يتجاوز قدرتها النظامية٬ فان قابلية دماغ الانسان كذلك تتدهور على تحليل المعلومات. منذ ذلك الوقت اجتاحت أجهزة الفيديو٬ الكمبيوتر٬ الانترنت٬ و اخيراً الهاتف الجوال العالم و اصبح الأخير بمثابة كمبيوتر يستعمله الانسان طوال الوقت للحصول على معلومات منها ما هو مفيد و الكثير منه في غاية التفاهة. ما يستلمه الانسان من معلومات يومياً هذه الأيام لا يقل عن خمسة اضعاف ما كان يستلمه قبل ربع قرنٍ من الزمان. يكفي ان تجلس امام شاشة التلفزيون و ترى شريط على اسفل الشاشة يلاحقك بخبر عاجل.

كان الانسان سابقاً يقرأ صحيفة يومية في طريقه الى العمل او كتاباً ادبياً يراجعه يومياً٬ و اما اليوم فالاخبار تلاحقك في كل مكان و لا يمكن تعداد عدد القنوات الإخبارية الاذاعية و التلفزيونية . يضاف الى ذلك فان اخبار اليوم تشمل صور و أفلام متعددة٬ و التحميل الصوري الزائد لا يقل أهمية عن التحميل المعلومات الزائد. تضيف الى ذلك الى ان اخبار اليوم يتم تعزيزها ببعد عاطفي يولد تحميل عاطفي زائد من حزن٬ خوف٬ غضب٬ و أشمئزاز.


التحميل الزائد و الصحة العقلية

يمكن تقسيم التحميل الزئد في الصحة العقلية الى صنفين:

التحميل المعرفي الزائد Cognitive Overload.

التحميل العاطفي الزائد Emotional Overload.

التحميل المعرفي الزائد واحد من اهم القواعد التي يجب الانتباه اليها في علاج و تأهيل المصابين بجروح الدماغ الصدمية و غيرها Brain Injury. يتم وضع جدول فعاليات يومي للفعاليات المعرفية المتعلقة بالتركيز و الذاكرة٬ و يحرص الفريق الطبنفسي على عدم الاسراف في تقديم المعلومات المطوب معالجتها فكرياً. القاعدة العامة هي ان متى ما تجاوز التحميل عتبة معينة تدهورت الوظائف المعرفية المستهدف تنشيطها.

قاعدة التحميل المعرفي الزائد لا تقتصر فقط على الطب النفسي العصبي Neuropsychiatry وانما يكثر استعمالها في الصحة العقلية كما يلي:

١ الفصام في مرحلة التاهيل.

٢الاكتئاب اثناء العلاج المعرفي السلوكي و غيره.

٣ المصابون بعاهات تعليمية.

٤ علاج التوحد.

٥ عجز الانتباه و فرط الحركة attention Deficit Disorder & Hyperactivity (ADHD).


التحميل العاطفي الزائد لا يقل اهميةً عن التحميل المعرفي الزائد٫ و يتم التركيز عليه في الطب النفسي العصبي و الطب النفسي عموماً. حين يستمع الانسان الى حديث انسان اخر فهو لا يستقبل فقط المعلومات و انما المشاعر و العواطف في الحديث و التي يتم التعبير عنها بصورة او باخرى. يعاني المصاب بالفصام من اعراض تلاحقه باستمرار تدفعه نحو العزلة و يتجنب التحميل العاطفي الزائد الذي بدوره يؤدي الى تدهور الاعراض مثل الهلاوس السمعية. يتم استعمال مصطلح تعبير العواطف العالي Highly Expressed Emotions للإشارة الى المحيط الذي يعيش فيه الانسان و الذي يؤدي الى تدهور الصحة العقلية. يمكن توسيع المفهوم الأخير على بقية الاضطرابات العقلية مثل الوجدانية و القلق و غيرها. الانتباه الى التحميل العاطفي الزائد في غاية الأهمية مع العلاج النفسي الكلامي Talking Therapies و لا يقتصر فقط على المراجع نفسه و انما المعالج كذلك.


التحميل الزائد في الحياة اليومية

التحميل المعرفي و العاطفي الزائد لا يقتصر فقط على عالم الطب النفسي و الصحة العقلية. هذا التحميل يبدأ في البيت٬ و يمتد الى عالم التعليم٬ و بعدها في العمل.

الإباء و الأمهات هذه اليوم يسرفون في تحميل أطفالهم معرفياً منذ عمر مبكر٬ و التشجيع على استعمال مختلف الأجهزة الالكترونية حتى تم تجريد الطفولة من برائتها و جمالها. هناك ايضاً من يسرف في كثرة تنبيه الأطفال الى العقاب و زرع الخوف في اعماقهم لاتفه الأسباب. عالم التعليم و التنافس من اجل الحصول على نتائج باهرة لا يساعد الكثير٬ و ارباب العمل هذه الأيام يتوقعون انتاج اكثر٬ و عمل متواصل بعد ساعات العمل بل و حتى من البيت. ربما ذلك يفسر كثرة شكوى الانسان هذه الأيام من ضعف الانتباه و تشخيص بعضهم لانفسهم من انهم يعانون من ضعف الانتباه و فرط الحركة و استعمال عقاقير منبهة. يصل الانسان احياناً الى عتبة معينة يشعر فيها بالتفسخ و عدم القدرة على العمل و التواصل مع الاخرين. في عام ٢٠١٩ استنتجت دراسة اوربية بان مدى الانتباهAttention Span بدأ يتقلص تدريجياـص بسبب التحميل الزائد بسبب نمط الحياة الجديد.


التعامل مع التحميل الزائد

يجب على الانسان دوماً الانتباه الى كمية ما يستقبله معرفياً و محاول تصفيته و التخلص منه. كذلك عليه الانتباه الى ما يستقبله عاطفياً و الانسحاب في اقرب فرصة من مجلسٍ يشعر فيه بالاختناق العاطفي. في نفس الوقت على الانسان المحافظة على إيقاع يومي منتظم و الحرص على عدم الاستماع الى نشرة اخبار اكثر من مرة في اليوم. أغلاق الهاتف الجوال و الانترنت قبل النوم بساعتين في غاية الأهمية.