اضطرابات المزاج



الحمل فترة حرجة في حياة المرآة وله علاقة بالصحة النفسية في جميع المراحل.هنالك ايضاً ابعاد ثقافية واجتماعية وسياسية تلعب دورها في حمل المرآة وعلى الطبيب النفسي مراعاة هذه الامور في ممارسته العملية.

منع الحمل


مضى أكثر من نصف قرن من الزمان على استعمال حبوب منع الحمل في العالم ولعبت هذه الثورة الطبية دورها في جميع المجتمعات. ورغم ان هذه العقاقير أصبحت شائعة الاستعمال في كل بقعة على الارض ولكنها لا تزال مصدر نقاش اجتماعي وديني .

ازدحمت النشرات العلمية الطبية في نهاية الستينيات وبداية السبعينيات بمقالات حول الأعراض الجانبية لحبوب منع الحمل. مع زيادة استعمال هذه العقاقير وتوازن مكوناتها الهرمونية يمكن القول الان بان هناك اجماعاً طبيا بان دورها في الاكتئاب والقلق يكاد يكون معدوماً 6. هناك الاقلية من النساء تشكوا من اعراض اكتئابيه بسببها ولكن حتى هذه المجموعة تحبذ الاستمرار في تعاطيها والقليل من النساء من تقرر وقف استعمالها كلياً.

تتولى مراكز او عيادات تنظيم الاسرة وصف هذه العقاقير وتثقيف النساء حول استعمالها واعراضها الجانبية على المدى القريب والبعيد.

يتم استشارة الطبيب النفسي حول تفاعل بعض العقاقير المستعملة في علاج الاضطرابات النفسية مع حبوب منع الحمل. بعض العقاقير تثبط والبعض الأخر تزيد من فعالية انزيمات الكبد وبالتالي قد يؤثر ذلك على تركيز حبوب منع الحمل في الدم. حدوث الحمل بسبب هذا التفاعل يتم اسقاطه على اهمال الطبيب في عدم الاستفسار عن استعمال المرآة لحبوب منع الحمل ويمكن تطبيق ذلك على بقية العقاقير مهما كانت حتى التي يستعملها المريض ويحصل عليها من الصيدلية بدون وصف طبية.

يتصور بعض الأطباء هذه الايام بان مهمة تدقيق العقاقير التي يتعاطها المريض تقع على عاتق الصيدلي ولكن المسؤولية القانونية لا يتحملها سوى الطبيب ويجب مراعاة ذلك. ليس هناك أفضل من اعلام المريض من ضرورة جلب جميع العقاقير التي يستعملها (او وثيقة تعكس ذلك) قبل وصوله الى عيادة الطب النفسي.

العقاقير عموما يمكن تصنيفها الى مجموعتين: محفزة لأنزيمات الكبد أو مثبطة لأنزيمات الكبد

الاولى هي التي تسبب المشاكل مع حبوب منع الحمل والثانية لا اهمية سريرية لها. الكثير من العقاقير المضادة للاكتئاب والذهان نقع ضمن المجموعة الاولى نظريا ولكن فعاليتها في خفض تركيز حبوب منع الحمل في الدم ضئيلة ولا اهمية سريرية لها. ولكن يستثنى من ذلك عقار الكارباميزبين او التجرتول الذي هو اصلاً عقار مضاد للصرع يكثر اطباء الصحة النفسية من وصفه في اضطرابات الاكتئاب والثنا قطبي. استعمال هذا العقار يستوجب اللجوء الى حبوب منع الحمل القديمة والتي تتميز بتقارب كمية الاستروجينOestrogenوالبروجيسترون Progesteroneفيها مقارنة بحبوب منع الحمل الحديثة التي تتميز بزيادة نسبة البروجيسترون.

الإجهاض


الإجهاض معضلة قانونية ودينية واجتماعية وسياسية في غاية التعقيد. ليس هناك معركة انتخابية في الولايات المتحدة لا تتطرق الى راي هذا المرشح او ذاك في الإجهاض الطبي. هذا الموضوع لا يشغل بال بقية الحضارات الغربية.

الحقيقة هي ان ليس هناك بلداً في العالم لا يعطي الشرعية للإجهاض بصورة مباشرة او غير مباشرة والحصول على الموافقة الطبية لأجراء الإجهاض في جميع بلاد العالم ليس بالأمر العسير.

اما حديث بعض رجال الدين الإسلامي عن نفخ الروح في الجنين بعد 120 يوماً من الحمل وجواز الإجهاض في تلك الفترة فهو يتناقض مع الحقائق العلمية.

لم تتغير قوانين الإجهاض منذ فترة طويلة ولكن الحد الأقصى لعمل الإجهاض الطبي بدأ يتقلص بعد التطور الطبي الذي يشهد إمكانية الحفاظ على حياة المولود الجديد الذي لم تتجاوز مدة حمله 28 اسبوعاً. هذه الأيام لا يجوز اجهاض الجنين بعد فترة حمل تجاوزت 24 اسبوعاً وربما سينخفض هذا الرقم في الأعوام القادمة.

معظم عمليات الإجهاض تتم خلال الثلث الأول من فترة الحمل وأحيانا في الثلث الثاني. يتطلب الإجهاض احيانا وثيقة طبية من طبيب عام او نفسي لتثبيت بان الحمل او الامومة قد تؤثر على صحة المرأة. قد لا يقوى الطبيب النفسي على توثيقها بسبب مبادئه الإنسانية والدينية وعليه إحالة ملف المريضة الى طبيب اخر.

الغالبية العظمى من النساء تمر بفترة حداد بعد الإجهاض يتم تجاوزها بعد 3 – 6 أشهر ولكنها احيانا قد تتطور الى نوبة اكتئاب جسيم. تشعر بعض النساء الحاجة الى الحديث عن تجربتها مع معالج نفسي او ممرضة ومن خلال جمعيات تعني بهذا الأمر. ولكن هناك من النساء تشعر بالذنب طوال العمر من جراء هذه التجربة القاسية.


العقم وعلاجه


العقم امره شديد ويؤدي الى مضاعفات نفسية تتطلب علاج كلامي مع معالج نفسي له خبرة في هذه المجال. تشعر المرأة بعدم الكمال بسبب هذه الحالة وتفقد الثقة بنفسها وأنوثتها1. يتفاعل هذا الشعور مع الوسط الاجتماعي والعائلي الذي تعيش فيه وعلاقتها مع الزوج.

اما علاج العقم النسائي فهو الاخر عملية شاقة. تعاني ما لا يزيد عن ال 10% من النساء من اعراض جانبية مثل الصداع والقلق والارق ولا يوجد دليل مقنع على علاقة هذا العلاج باضطرابات نفسية مثل الاكتئاب او الذهان 8.

ولكن موضوع العقم احياناً قد يواجه الطبيب النفسي مع المرضى الذين يعانون من اضطرابات نفسية مزمنة.


متلازمة المبيض المتعدد الكيسات


هذه المتلازمة تقع ضمن اختصاص الامراض النسائية ولكنه تتعلق ايضاً بالطب النفسي والعقاقير المستعملة في علاج مختلف الاضطرابات النفسية 3وفي مقدمتها الفالبرويت Valproateوالمعروف تجاريا بالابيلم Epilimأو الديباكين او الديبكوت Depakote. هذا العقار هو أكثر العقاقير المضادة للصرع استعمالاً في جميع انحاء العالم ويكثر أطباء الصحة النفسية من وصفه لعلاج عدم التوازن الوجداني. رغم ان فعالية العقار في علاج اضطراب الثنا قطبي لا تقبل النقاش ولكن الاسراف في استعماله احيانا لا يراعي تأثيره على هرمونات النساء والدورة الشهرية ومتلازمة المبيض المتعدد الكيسات بسببه. كذلك قد يتسبب العقار بحدوث عيب الانبوب العصبي في الجنين ان تم تعاطيه في الاسابيع 8 -12 الأولى من الحمل وفي 1-2 % من الحوامل.

المتلازمة معروفة بأعراضها التي تشمل عدم انتظام الدورة الشهرية والبدانة وكثرة نمو الشعر في الوجه او المعروفة بالزبب او فرط الشعر ذكوري النمط. هذه المتلازمة المعروفة كأحد أسباب العقم وتتميز ايضاً بعلاقتها بأعراض القلق والاكتئاب واضطرابات الاكل فيما يقارب 60% من الحالات.

على الطبيب النفسي ملاحظة اعراض هذه المتلازمة ورعاية وصف العقاقير التي قد تزيد من البدانة وهذا يشمل تقريباً جميع العقاقير الطبنفسية.


الحمل ودماغ المرأة


في عام 1997 ظهرت دراسة تم توثيقها 4بان معدل حجم دماغ المرأة يتقلص بمقدار 7% في الأشهر الثلاثة الأخيرة من الحمل. اعتمدت الدراسة على مقارنة نتائج صور الرنين المغناطيسي قبل الحمل وفي الثلاثة الأشهر الأخيرة منه. هذا التقلص لا علاقة له بعدد الخلايا الدماغية وانما بحجمها. منذ ذلك اليوم والى الان يستند الطب الى هذه الدراسة لتفسير شكوى النساء الحوامل من ضعف التركيز والذاكرة في الأسابيع الأخيرة من الحمل. من جراء ذلك انتشرت اسطورة في جميع المجتمعات بان الحمل والامومة تؤدي الى تدهور المقدرة العقلية للمرأة والأداء المعرفي رغم ان هذه الدراسات لم تشير الى هذه الخرافة.


وهام الحمل


تكثر ملاحظة وهام الحمل في الفصام والمزمن. لا تقتنع المريضة باي تفسير او تحليل طبي على عدم وجود الحمل وأحيانا لا تستجيب هذه الفكرة الوهامية لعلاج بالعقاقير ولا علاج كلامي. الغالبية العظمى من مرضى الفصام المزمن الذي يحملون هذه الفكرة الوهامية لا يفعلون شيئا بخصوص الوهام ويتحدثن عنه بين الحين والاخر. لكن هناك اقلية منهن من تحاول الولادة مع اجراء عملية قصيريه13وبالتالي تلحق الأذى الجسيم بجسدها من جراء هذا السلوك. مع كل ذلك فان الممارسة الطبية تنصح بأجراء فحص الحمل في هذه الحالات بين الحين والاخر تفاديا للمفاجأة التي قد تداهم الطبيب النفسي وفريقه بعد بضعة أشهر مع استلامهم طلبا من قسم الولادة بأرسال ممرضة نفسية للحديث مع مريضة تولد مصابة باضطراب نفسي مزمن.

الحمل الكاذب او الشبحيPHANTOM PREGNANCY(PSEUDOCYSIS)


أما هذه الظاهرة فهي أكثر انتشاراً في ادبيات ومنشورات الصحة النفسية والمواقع الاجتماعية مقارنة بالممارسة العملية. تشكوا بعض النساء من اعراض جسدية لا تختلف تماما عن اعراض الحمل وتقتنع بانها حامل. الكثر منهن يتفادين المراجعة الطبية في المراحل الأولى من ظهور الأعراض خشية اكتشاف عدم وجود الحمل. يفسر البعض هذه الظاهرة بتغيرات هرمونية ولكن في الممارسة العملية الكثير من النساء تواجه مشاكل زوجية وعدم توازن وجداني وعدم حصول الحمل لسبب او اخر. تستجيب النساء للتفسير الطبي بعد وجود الحمل وينتهي الامر.

وهناك متلازمة أخرى تدعى متلازمة كوفيد Couvade Syndromeالتي تتعلق بشكوى الرجل من اعراض الحمل في الأشهر الأولى من حمل زوجه مثل التقيؤ واضطراب النوم وتغيرات في الشهية. هذه الظاهرة ليست غريبة الملاحظة في الطب النفسي لأزواج تميل شخصيتهم الى سرعة الشعور بالقلق وتعلقهم بأزواجهم والخوف عليهن من الحمل. لا يحتاج هؤلاء الرجال الى علاج سوى شرح مصدر الاعراض وعلاج بالعقاقير او جلست كلامية لتجاوز مصدر القلق والاكتئاب وأزمات العلاقة الزوجية.


الاضطرابات الطبنفسية اثناء الحمل


الحمل بحد ذاته لا يزيد من احتمال إصابة المرأة الحامل باي اضطراب نفسي والكثير من الدراسات الميدانية القديمة في هذا المجال اسرفت في التركيز على الاعراض الطبنفسية مثل القلق والاكتئاب بدلاً من التركيز على تشخيص الاضطرابات النفسية مثل الاكتئاب الجسيم او مختلف اضطرابات القلق.

الحمل لا يختلف في تأثيره على المرأة من أي حدث اخر في الحياة Life Eventالذي قد يزيد من احتمال إصابة الفرد باضطراب طبنفسي. يصاحب الحمل تغيرات اجتماعية وبيولوجية وعائلية تتطلب تأقلم العائلة لوصول المولود الجديدة ويصاحب ذلك ضغوط اجتماعية ومادية ومهنية. الغالبية العظمى من الأمهات تعتبر الحمل حدثا إيجابيا وليس سلبيا وتستعد الى الانتقال الى مرحلة جديدة في الحياة.

كذلك الامر مع الاضطرابات النفسية بعد الولادة فلا يوجد اختلاف ملحوظ في انتشار الاضطرابات النفسية المتعددة في المرأة الحامل وغير الحامل 11الا في الاكتئاب الجسيم. نسبة انتشار الاكتئاب الجسيم تزيد على 9% في العام الأول بعد الولادة مقارنة بالمرأة الغير حامل (8%).


فترة ما بعد الولادة


 لا يزال الطب النفسي في الممارسة السريرية يصنف اضطرابات نفسية في فترة ما بعد الولادة ويستعمل مصطلحات خاصة كما يلي:

١ حزن الامومية Maternal Blues.

٢الذهان النفاسي Puerperal Psychosis.

٣اكتئاب ما يعد الوضع او بعد الولادةPostnatal Depression or Postpartum Depression.

حزن الامومية لا يستمر أكثر من بضعة أيام ويظهر بعد ثلاثة أيام من الوضع. الذهان النفسي يظهر بعد 3 أسابيع من الوضع والاكتئاب يظهر بعد 3 أشهر. هذه الفترة الزمنية يبن الوضع وظهور علامات واعراض طبنفسية تساعد الطبيب النفسي في تشخيص الاضطراب فقط.

حزن الأمومية حالة عابرة بعد حدث هائل في حياة المرأة، والفترة بين الولادة وظهور اعراض الذهان النفسي لا تختلف عن الفترة التي تفصل احداث الحياة الأخرى وانتكاسة اضطراب نفسي ذهاني. كذلك الامر بين احداث الحياة واصابة الانسان بنوبة اضطراب جسيم.

لا يزال الطب النفسي يفسر هذه الاضطرابات كحالة خاصة ناتجة من عدم التوازن الهرموني ولكن الأخير لا يفسر لماذا الغالبية العظمى من الأمهات لا يداهمهن الاكتئاب الجسيم والذهان وحتى حزن الأمومية الذي لا أهمية سريرية له، لا يختلف عن الشعور العاطفي الذي يهز الانسان بعد حدث جسيم في حياته. الشيء الوحيد الذي يختلف هو ان محتوى الأعراض الطبنفسية يتعلق بالطفل والامومة وتحديات الحياة الجديدة الناتجة عن الولادة.

المخطط أعلاه يوضح ما تعني به المؤسسات الطبية هذه الأيام في فترة بعد الولادة. الاحصائيات في المملكة المتحدة 2011-2014 تشير الى وفاة 9 أمهات من كل 100 ألف في الأسابيع الستة الأولى التي تلي الولادة. يضاف الى ذلك 14 ام في الفترة ما بين 6 أسابيع الى نهاية العام الأول بعد الولادة. رغم ان هذه الأرقام تعكس تحسناً ملحوظاً في الرعاية الصحية للحمل وبعد الولادة ولكنها لا تزال تحفز الجهات المسؤولة لعمل المزيد وتوفير خدمات أفضل2.

ما يقارب الربع (23%)من الوفيات في العام الأول بعد الولادة هي بسبب اضطرابات طبنفسية جسيمة. واحدة من كل سبعة وفيات كانت بسبب الانتحار. يشير التقرير كذلك بان 40% من الحالات الاخيرة لم تصل الى مراكز رعاية طبنفسية تختص بالطب النفسي بعد الولادة و25% فقط تسلمت أرقي رعاية طبنفسية ممكنة. من جراء ذلك ظهر مصطلح اعراض العلم الأحمر وتوجيه جميع القابلات في المجتمع والأطباء بتوجيه الأسئلة أعلاه لكل ام تشكوا من اعراض نفسية مهما كانت طبيعة هذه الاعراض. متى ما كانت الإجابة نعم لواحد من هذه الأسئلة فعلى القابلة او الطبيب او الممرضة إحالة المريضة فوراً الى استشاري في الطب النفسي.


العلاج الطبنفسي اثناء الحمل وبعد الولادة


علاج الاضطرابات النفسية في المرأة والحامل والام بعد الولادة يتطلب احياناً جهوداً لفريق له خبرة في هذا المجال، ولكن الغالبية العظمى من الحالات يتم علاجها في مراكز العناية الطبية الأولية.

تلعب القابلة التي تعمل في المجتمع Community Midwifeالدور الأهم في الكشف عن وجود اضطرابات نفسية اثناء الحمل وبعد الولادة. يتم تدريب القابلة على البحث عن الاعراض النفسية المتعددة في مختلف المراحل واستشارة الطبيب العام او مركز الصحة النفسية عند الحاجة والاستعانة بخدماتهم للتشخيص والاعلاج.

حمل المرأة المصابة باضطراب ذهاني مزمن وخاصة الفصام يثير انتباه الفريق الطبنفسي المسؤول عن رعايتها وتبدأ متابعتها منذ الأيام الأولى للحمل. هذه الرعاية تتطلب أحيانا تكثيف الجهود والخدمات الصحية وتواجه الفريق الطب النفسي تحديات متعددة وفي مقدمتها قابلية المريضة على الرعاية بطفلها في المستقبل. في الوقت الذي تكون الممرضة الطبنفسية هي المسؤولة عن تنسيق الخدمات الصحية للمريضة المصابة بالفصام في غالبية الحالات ولكن هذه المسؤولية تتطلب جهودا إضافية من العاملة الاجتماعية عند حدوث الحمل وقد تنتقل اليها مسؤولية تنسيق الخدمات.

من التحديات التي تواجه الطب النفسي من مريضة المصابة للفصام هي استمرار الحمل. لا يحق لأي عضو من أعضاء فريق الصحي ان ينصح الام بإجهاض جنينيها ويجب ان يكون ذلك قرارها الأول والاخير. متى ما تم اتخاذ الام الحامل القرار بإجهاض جنينها فيجب ان تتم ذلك بأسرع وقت ممكن وفي الأشهر الأولى للحمل وعدم الانتظار الى النصف الثاني من فترة الحامل حيث يكون الإجهاض أقرب الى عملية ولادة ووقعه في غاية الشدة والالم على الام نفسياً.

الطفل في عصرنا هذا هو مسؤولية الدولة قبل ان يكون مسؤولية الام وعلى الدولة توفير الخدمات الصحية والاجتماعية التي تساعد الام على العناية بطفلها. عدم قابلية الأم على العناية بطفلها لسبب او اخر وتأثير ذلك على الطفل بصورة مباشرة او غير مباشرة يؤدي دوماً الى تحقيقات مطولة ومحاسبة المؤسسات الصحية والاجتماعية وليس من الغريب ان ينتهي امر المدير العام المسؤول عن المؤسسة. ولكن في نفس الوقت تواجه الخدمات الاجتماعية سخط الجمهور حين تتخذ إجراءات مشددة بسحب رعاية الطفل من الام الى الدولة مباشرة ويتم نعتها بالتسلط والجبروت وعدم التعامل الإنساني مع الأمهات. لذلك ترى بان العمل في هذا القطاع من الخدمات الطبية الاجتماعية غير مرغوبا فيه مقارنة باختصاصات أخرى.

ليس هناك مفراً من اللجوء الى القضاء لحسم كل قضية سحب رعاية الطفل من الام الى الدولة ويتم بعد ذلك تعيين وصيا Guardianيعمل جنيا الى جنب مع الخدمات الاجتماعية والخدمات الصحية وضمان رعاية الطفل. لا يتوقف الرجوع الى القضاء في هذه الحالات ولا يتم اتخاذ القرار النهائي بسحب رعاية الطفل من الام نهائيا الا بعد عدة مراحل قد تستغرق أكثر من عام من مرافعات قضائية.

رغم ان الكثير من الاستشاريين في الطب النفسي يملكون المقدرة على إعطاء الرأي في قضايا رعاية الطفل ولكن تعقيداتها الفضائية والالمام بالمصطلحات المختلفة في التعامل مع القضاء والوصي والخدمات الاجتماعية تتطلب خبرة لا يمكن اكتسابها الا بالعمل في هذا المجال. لا توجد مبالغة في القول بان كتابة تقرير طبنفسي قضائي في هذا المجال أصعب من بقية القضايا عشرات المرات وان كان الطبيب النفسي لا يمتلك الخبرة فيه فعليه تجنبه ورفع القضية الى زميل له يمتلك الوقت والخبرة والثقة بالأدلاء بآراء قد تواجه تحدي القضاء من مختلف الأطراف.


اين تعالج الام؟

تحتاج الام احيانا الدخول الى المستشفى لعلاج اضطراب نفسي جسيم في العام الأول بعد الولادة. توجه الطب النفسي هذه الأيام الى علاج الاضطرابات النفسية الجسيمة في داخل المجتمع بعيداً عن المستشفيات ولكن الدخول الى المستشفى طوعيا او قسرياً لا يمكن تفاديه في بعض الحالات. الغالبية العظمى من هذه الحالات يمكن علاجها في ردهات الطب النفسي العام مع الحرص على تواصل الام مع طفلها بصورة منتظمة ولكن هناك من الحالات المعقدة بسبب عوامل اجتماعية او طبية تحتاج الى ردهة خاصة يعمل بها فريقاً مختصاً بالطب النفسي لفترة ما حول الولادة Perinatal Psychiatry.

توجد ردهة واحدة في كل مدينة او مقاطعة لاستقبال مثل هذه الحالات والتي تسمح بوجود الطفل الرضيع مع امه طوال فترة العلاج. ينتهز الفريق الطبي المختص وجود الطفل لمراقبة تفاعل الام مع طفلها وتقييم كفاءتها للعناية به. الكثير من هذه الحالات هي لمرضى الفصام ولكن اضطراب الشخصية الحدية Borderline Personality Disorderهو الاخر يحتاج الى مثل هذه الردهة ويشكل تحديا أكبر من بقية الاضطرابات النفسية.

دخول الام مع طفلها الى ردهة الطب النفسي يتطلب تقييماً مفصلاً لسلامة الطفل وان كان هناك أدني شك في وجود مثل هذا الخطر فمن الأفضل عدم السماح للأم الى حضانة الطفل خلال تلك الفترة. لا يوجد دليلا علميا قاطعاً يثبت تدهور التعلق بين الطفل والام بسبب الفراق وعلاج الاضطرابات النفسية لفترة محدودة.


العقاقير اثناء الحمل والرضاعة

القواعد العامة التي يلتزم بها الطبيب في هذا المجال هي: ١ كل عقار يمكن ان ينتقل من الام الى الجنين٢

٢ كل عقار يمكن ان يؤثر على نمو الجهاز العصبي المركزي للجنين في الاسابيع العشرة الأولى للحمل ومن الافضل تجنب وصف العقاقير في هذه الفترة.

٣ كل عقار يمكن ان ينتقل من الام الى الطفل الرضيع عبر الرضاعة.

٤ لا يجوز حرمان الام من العلاج إذا كانت بحاجة اليه.

٥ إذا تم وصف عقار للأم الحامل او المرضعة فيجب اعلام الام باحتمال المخاطر مهما كانت ضئيلة.

الدراسات الميدانية والعلمية في هذا المجال صعبة التفسير أحيانا ومن الأفضل الالتزام باللوائح والتوصيات الوطنية الصادرة من وزارة الصحة في هذا المجال والتي يتم تحديثها بصورة مستمرة. ما هو اليوم حقيقة مثبتة قد تتغير تماما بعد شهر وهكذا. يدون الطبيب ما تحدث به مع الام الحامل والام المرضعة في ملفها الطبي بعد وصف أي عقار.

تأثير العقاقير المضادة للذهان على الام الحامل 10لا يختلف عن تأثيرها على الغير الحامل، والدراسات الميدانية حول تأثير هذه العقاقير غير قاطعة، ان كانت الام بحاجة اليها فلا بد من وصفها. الذهان عملية شديدة في تأثيرها على الام وعلى الجنين الذي تحمله.

العقاقير المضادة للاكتئاب مثل السيترالين Sertralineوالباروكستين Paroxetine والنورتربتيلن Nortriptylineوالاميبارمين Imipramineيجوز استعمالها أثناء الحمل والرضاعة 7مع مراعاة القواعد الطبية أعلاه.

عقاقير البنزوديازابين Benzodiazepinesهي الأخرى سليمة وان كانت مواد كيمائية غير مرغوب فيها في الحامل وغير الحامل على حد سواء، لكن يجب توخي الحذر من حدوث اعراض انسحابيه في الجنين مباشرة بعد الولادة. هذه الاعراض قد تكون احيانا على شكل نوبات صرع عامة ولذلك يفضل وقف هذه العقاقير في الأسبوع الأخير على الأقل قبل الولادة.

اما الليثيوم فأمره شديد 12ويضاعف ثلاث مرات احتمال حدوث تشوهات خلقية و8 مرات تشوهات قلبية عند الجنين، من الأفضل عدم وصفه قدر الامكان.

كذلك الحال مع العقاقير المضادة للصرع والمستعملة في الصحة النفسية وفي مقدمتها الفالبرويت (عيوب الأنبوب العصبي) والكاراباميزابين على عكس العقاقير الحديثة فهي أكثر امانا للاستعمال في الحمل والرضاعة.

في عام 1998 صدر بحث للدكتور اندرو ويكفيلد الاخصائي في امراض الجهاز الهضمي واستنتج حينها بان لقاح الحصبة والنكاف والحميراء المعروف عالميا بلقاح MMRقد يؤدي الى إصابة الأطفال باضطراب التوحد. أدى هذا البحث الى تدني نسبه الأطفال الذي يستلمون هذا اللقاح عالميا وبالتالي ظهور وباء الحصبة في مختلف انحاء العالم الغربي.

تم نشر هذا البحث عام 1998 في واحدة من أرقي المجلات الطبية وهي اللانسيت Lancet. عملت المجلة نفسها تحقيقا شاملا في نتائج البحث وطريقة عمله واكتشفت تحيزاً لا يقبل الطعن فيه بان حماس الطبيب المشرف على البحث دفعه الى التخلي عن حياده العلمي وبالتالي الوصول الى نتائج تتوازى مع معتقد تمسك به لسبب او اخر.

وقبل عدة أشهر ظهر بحث من كندا يشير الى ان تعاطي العقاقير المضادة للاكتئاب في الثلث الثاني والأخير من الحمل قد يكون له علاقة بتشخيص التوحد في الأطفال. سرعان ما علمت الصحف العالمية بهذا البحث حتى سارعت بنشر مقالات عنه وتحول رعب الأمهات الان الى هذه العقاقير.

العلاقة الإحصائية بين عاملين في درسات ميدانية لا تعني بان العقار هو السبب في إصابة الطفل بالتوحد ويجب توخي الحذر في الوصول الى أي استنتاج عن طريق مثل هذه الدراسات التي تبحث عن العلاقة بين عوامل مختلفة. كان عدد الأمهات الحوامل في الدراسة يقارب ال 150 ألف وعدد الاطفال الذي تم تشخيصهم بالتوحد بعد ذلك 31 فقط أي 0.72% من جميع الولادات. اما نسبة الامهات اللاتي تعرضن للعقاقير فكان 3.2%. سارعت الخدمة الوطنية الصحيةNational Health Service(NHS)في بريطانيا 5الى تقييم الدراسة وبسرعة وأصدرت تعليماتها بان نتائج البحث لا تعني بان العقاقير المضادة للاكتئاب تسبب التوحد ونصحت باستمرار استعمال هذه العقاقير إذا كان الام الحامل بحاجة اليها.

مفهوم التوحد بحد ذاته في غاية التعقيد ويتم استعماله جزافاً وخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية وانتشرت هذه الظاهرة الى جميع انحاء العالم. تعريف هذا المفهوم يحتاج الى توضيح أكثر واستحداث مصطلح طيف التوحد Autism Spectrumضاعف من هذا التعقيد اجتماعيا وطبياً.


الخلاصة


ليس من غير المقبول القول بان رقي أي بلد او ثقافة او حضارة يمكن تقييمه من خلال دراسة خدماته الطبية في مختلف المجالات وفي مقدمتها الخدمات الصحية للام الحامل قبل وبعد الولادة والعناية بالطفل. الطفل هو مسؤولية الدولة والمجتمع منذ بداية تكوينه وهذه تتطلب بذل الجهود وتوفير الخدمات التي تعني به ليس في مرحلة الطفولة فحسب وانما بعد البلوغ وفي مراحل تعليمه وعمله. هذه الحقيقة يجب ان يستوعبها كل من ينادي بشعارات وطنية ويعمل في مختلف اقسام الدولة السياسية التي يجب ان تضع نصب عينيها مستقبل البلد ومواطنيه وأجيال المستقبل. دون ذلك لا يتم بناء الوطن بل تدميره.



المصادر


1 Burns L (2007). Psychiatric aspects of infertility and infertility treatments. Psychiatric Clinics of North America 30(4): 689-95

2 Confidential Enquiry into Maternal Death (2015). Nuffield Department of Population Health. National Epidemiology Unit. University of Oxford.

3 Krępuła K1,Bidzińska-Speichert B,Lenarcik A,Tworowska-Bardzińska U(2012)Psychiatric disorders related to polycystic ovary syndrome.Endokrynol Pol. 63(6):488-91.

4 Moore P (1997). Pregnant Women get that shrinking feeling. Editorial. New Scientist. 11 January 1997.

5 NHS Choices (2015). Antidepressant use in pregnancy linked to childhood autism. Published online 15 December 2015.

6 Oinonen K, Mazmanian D (2002). To what extent do oral contraceptives influence mood and affect? J Affective Disorders 70(3): 229-240.

7 Scalea T, Wisner K (2009). Antidepressant medication use during breastfeeding. Clin Obstet Gyneacol 52(3):483-497

8 Siedentopf F, Horstkamp B, Stief G, Kentenich H (1997). Clomiphene citrate as a possible cause ofa psychotic reaction during infertility treatment. Human Reproduction 12(4): 706-707.

9 Vesga-Lopez O, Blanco C, Keyes K, Olfson M, Grant B, Hasin D (2008). Psychiatric disorders in pregnant and postpartum women in the United States. JAMA 65(7): 805-815.

10 Vigod S, Gomes T, Wilson A, Taylor V, Ray J (2015). Antipsychotic drug use in pregnancy: high dimensional, propensity match, population based cohort study. BMJ published online 13 May 2015.

11 Watson J, Elliot S, Rugg A, Brough D (1984). Psychiatric disorders in pregnancy and the first postnatal year. BJPsych 144(5): 453 -462.

12 Williams K (2000). Lithium and Pregnancy. BJPsych Bulletin Published online 01 June 2000.

13 Yoldas Z, Iscan A, Yoldaz T et al (1996). A woman who did her own caesarean section. Lancet 348: 135.